في مواجهة كورونا.. خذلتنا التكنولوجيا أم خذلنا أنفسنا؟

في مواجهة كورونا.. خذلتنا التكنولوجيا أم خذلنا أنفسنا؟

مشاهدة

19/07/2021

علي قاسم

جرعة التفاؤل التي ظهرت مع بداية الإعلان عن طرح لقاح فيروس كورونا سرعان ما خبت بظهور متحوّرات للفايروس أشد خطورة، وتحولت إلى خيبة أمل رافقتها حملة تشكيك في قدرة التكنولوجيا على إنقاذ البشرية من أكبر وباء عرفته.

إن نحن عدنا إلى الوراء قليلا، قبل ديسمبر 2019، تاريخ ظهور أول إصابة بفيروس كورونا بمدينة ووهان الصينية، وتساءلنا من كان يظن أن فايروس مثل كورونا سيهدد البشرية ويجبر الناس على التباعد الاجتماعي وتغيير عاداتهم، لن نجد سوى قلة قليلة اعتاد الناس على التعامل مع تحذيراتها على أنها مجرد نبوءات عرّاف لا أكثر ولا أقل.

كيف نصدق مثل هذه التحذيرات ونحن في زمن العلوم والتكنولوجيا. هذا ما فكر به الجميع.

حالة حرب

مؤسس مايكروسوفت بيل غيتس هو آخر من توقع ظهور وباء خلال عشر سنوات شبّهه بجائحة الأنفلونزا الإسبانية. كان ذلك عام 2015، وطالب الحكومات بضرورة الاستعداد لمواجهته، وشبّه الأمر بحالة حرب.

وفي محاضرة ألقاها بمعرض “تيدكس” بمدينة فانكوفر الكندية، قال غيتس إن الوباء التالي قد يكون أسوأ بكثير من أيّ وباء عرفناه في الماضي، بينما العالم غير مستعد للتعامل معه، خاصة الأنفلونزا، لأنها تصيب أعدادا كبيرة من الناس بسرعة هائلة، وقد تقتل 10 ملايين شخص أو أكثر.

وفي مناقشة أخرى بشأن الأوبئة استضافتها جمعية ماساتشوستس الطبية عام 2018، قال غيتس إنه متشائم، على غير العادة، لأن العالم لا يستفيد من تجارب سابقة، وإن التاريخ يؤكد أن مرضا جديدا قاتلا سينشأ وينتشر في العالم كحرائق الغابات، ونحن مشغولون عن ذلك، وأنه يمكن لشاب صغير أن يصنع في مختبره مرضا أشدّ فتكا من الجدري.

توقعات بيل غيتس لجائحة كورونا لم تكن الأولى، فهناك من سبقه إلى ذلك بسنوات.

قبل ظهور وباء كورونا بأربعين عاما، بالتحديد عام 1981، تم ذكر فايروس ووهان – 400، لم يكن مطلق هذا الاسم خبيرا بعلم الفايروسات أو الأوبئة، أو مختصا بالتكنولوجيا مثل بيل غيتس، بل كاتبا روائيا، استخدم اسم المدينة التي ظهر فيها الفايروس لأول مرة في الصين، لتكون مسرحا لأحداث رواية له بعنوان “عيون الظلام”.

الرواية تحدثت عن مؤامرة يتم فيها تصنيع الفايروس في الصين بهدف ضرب الولايات المتحدة، أي مجرد خيال علمي لا أكثر ولا أقل.

في الغالب التشابه لم يكن سوى صدفة، والكاتب كان بشكل أو بآخر مطلعا على التجارب التي تجرى في معهد مدينة ووهان حول الفايروسات.

ولا نعرف إن كانت صدفة أخرى هي التي قادت أشهر الأطباء والصيادلة الفرنسيين في القرن السادس عشر، للحديث عن فايروس ينتشر في الغرب محدثا كارثة عظيمة.

الطبيب الفرنسي هو نوستراداموس الذي عرف بمجموعة من التوقعات جمعها في كتاب “النبوءات”، من ضمنها أخبار عن صعود النازية على يد هتلر، والحرب العالمية الثانية، واغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي، وسقوط الشيوعية.

في كتابه الذي صدرت أول نسخة منه عام 1555، كتب عن قوارب موت ترسو في إيطاليا محملة بالأوبئة لتقضي على البلد وتاريخه. ولن يتوقف المرض هناك، بل سينتشر في الغرب، محدثا كارثة عظيمة، وسيعيش العالم في سجن كبير خوفا من العدوى.

لم يكن اختيار نوستراداموس لإيطاليا صدفة، فهي في ذلك الوقت أهم مركز تجاري تقصده السفن من مختلف أصقاع الأرض. وهو ما يساعد على انتشار الأوبئة.

وكان طبيعيا أن يميل الكثيرون إلى القول لاحقا إن فايروس كورونا هو الموت الذي رسا على ضفاف إيطاليا ومن بعدها أميركا.

تجاهل التحذيرات

هل خذلت التكنولوجيا البشرية مرتين؟ مرة لأنها فشلت في التنبؤ بحدوث الوباء، والأخرى لأنها فشلت في وضع حد لانتشاره؟

في حقيقة الأمر لم تفشل التكنولوجيا بتوقع حدوث الوباء، الحكومات والشعوب هم من فشلوا في الإصغاء لمثل هذه التحذيرات.

في عام 2017، حذر دبلوماسيون ومسؤولون أميركيون الإدارة الأميركية السابقة من خطر معهد ووهان لعلم الفايروسات، مؤكدين أن “علماء المختبر الصيني أبلغوا عن نقص خطير في الفنيين والمحققين المدربين بشكل مناسب اللازمين لضمان احتواء الفايروسات بأمان”.

ونقلت مجلة “بوليتيكو” عن أحد الخبراء الأميركيين الذين زاروا المعهد قبل سنوات من الوباء قوله “كنا نحاول التحذير من أن هذا المختبر يمثل خطرا جسيما”، مضيفا “كنت على اعتقاد بأنه من الممكن تفشي فايروس أشبه بسارس مرة أخرى. كنت أعلم أنه سيتحول إلى أكبر جائحة في تاريخ البشرية”.

لكن برقيات التحذير، التي نشرت فيما بعد (أبريل 2020)، لم تحصل على الاهتمام المطلوب من واشنطن حينها.

قبل ظهور الوباء كان الذكاء الاصطناعي حاضرا؛ وجاء أول تحذير من الفايروس وخطره من قِبل أداة ذكاءٍ اصطناعي طوّرتها شركة كندية ناشئة، ليتكرَّر نفس التحذير من شركات وأدوات ذكية أخرى.

واستطاعت الصين الوصول إلى التسلسل الجيني للفايروس خلال شهر واحد من ظهوره باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهي فترة زمنية قصيرة بالمقارنة مع أشهر عديدة لفايروس الوباء السابق سارس.

ولم تتقاعس شركات التكنولوجيا عبر العالم منذ البداية عن التفكير في تطوير ابتكارات وتطبيقات لوقف الوباء وتحجيم آثاره. وتابعنا أخبار تطوير العديد من الأدوات التكنولوجية الرقمية التي وُضِعت تحت الخدمة من أجل تحقيق أهداف الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي.

يخشى العلماء اليوم من أن اللقاحات المستعملة، وإن نجحت في الحد من انتشار الفايروس، إلا أنها لن تنجح حتما في القضاء عليه نهائيا، وقد يكون هذا سببا في حالة الإحباط الذي يعاني منها الناس اليوم عبر العالم.

وهذا ما دفع أيضا الخبراء والمختصين للبحث عن طريق آخر لمواجهة الوباء، جنبا إلى جنب مع تطوير اللقاحات. فواحد من تلك الحلول التي اتفقوا عليها هي ضرورة الوصول أدوية فعالة يمكنها علاج حالات الإصابة ومنع تطورها أو الوفاة بسببها.

جوائح جديدة

منذ البداية، حذّر العلماء من أن نقص الأبحاث قد يؤدي إلى ظهور جائحات عالمية أسوأ من فايروس كورونا الحالي.

يُذكر أن العديد من الأوبئة القاتلة، ومنها كوفيد – 19 وإيبولا، بدأت كالتهابات انتقلت من الحيوان إلى الإنسان. وسلكت 75 في المئة من الأمراض البشرية الجديدة هذا الطريق.

وقالت “جمعية لندن لعلم الحيوان”، التي تدير حديقة الحيوان في لندن وتعني بالبيئة، مع بداية ظهور الفايروس في بريطانيا إنه على المملكة المتحدة أن تستثمر المزيد في محاولة اكتشاف آلية عمل هذه الأمراض ضمن الحياة البرية وفهمها. ونبهت إلى وجوب تحديد البحوث طريقة انتقال هذه الأمراض إلى البشر، وإلا فالعالم سيواجه جائحات أخرى قد تكون أسوأ من تلك الناجمة عن كوفيد – 19.

ومؤخرا حذر علماء في الأمم المتحدة من وجود حوالي 1.7 مليون نوع من الفايروسات غير المكتشفة في الطبيعة، يمكن أن ينتشر نصفها ليصيب البشر ويؤدي إلى أوبئة أو جوائح جديدة.

وذكر تقرير صادر عن الفريق، الذي يضم 22 خبيرا، أنه ما لم يتم اتخاذ خطوات جدية، ستظهر الأوبئة في الكثير من الأحيان وتنتشر بشكل أسرع وتقتل المزيد من البشر وتحدث المزيد من الأضرار الاقتصادية.

وأضاف الخبراء أن هناك حاجة إلى “تغيير حاسم” لتحويل الطريقة التي يجري التعامل بها مع الأمراض المعدية إلى أساليب وقائية والنجاة من “عصر الأوبئة”.

جائحة كوفيد – 19 هي السادسة من نوعها منذ اندلاع وباء الأنفلونزا الإسبانية الذي أصاب ثلث سكان العالم وأدى إلى وفاة ما بين 20 و50 مليون نسمة.

وأوضح تقرير صادر عن لجنة الخبراء برعاية وتنظيم المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية أن جميع الأوبئة حتى الآن ترجع أصولها إلى الميكروبات التي تحملها الحيوانات، ولكن يرجع ظهورها بالكامل إلى الأنشطة البشرية.

ويظهر ما يقرب من ثلث الأمراض “الحيوانية المصدر”، أو التي تنتشر من الحيوانات، بسبب فقدان الغابات مما يزيد من احتمالية الاتصال الوثيق بين البشر والحياة البرية.

وأبرز التقرير أن حوالي 5 أمراض تتنقل من الحيوانات والطيور إلى البشر كل عام، ويمكن لأيّ منها أن ينتشر “بشكل وبائي وأن يتحول إلى جائحة”.

ولمنع تفشي المرض في المستقبل، أوصى الخبراء بضرورة توقف الأنشطة التي تؤدي إلى فقدان التنوع البيولوجي، مثل إزالة الغابات وتربية الماشية وتجارة الحيوانات والطيور وسائر الكائنات البرية.

عن "العرب" اللندنية

الصفحة الرئيسية