عداء الإخوان للعروبة وسر الأكاذيب الخمس... محاولة للفهم

عداء الإخوان للعروبة وسر الأكاذيب الخمس... محاولة للفهم

عداء الإخوان للعروبة وسر الأكاذيب الخمس... محاولة للفهم


05/03/2026

لم يعد عداء الإخوان للعرب وللقومية العربية موضع شك أو تأويل؛ فقد تحوّل عبر العقود إلى نمطٍ ثابت في مواقفهم السياسية، فحيثما اجتمعت كلمة العرب على موقف موحّد، سارعت الجماعة إلى التشكيك فيه أو تقويضه أو الاصطفاف في مواجهته، وحيثما برز إجماع عربي دفاعًا عن دولة أو قضية، كان خطابهم أقرب إلى التقويض منه إلى الدعم، وأقرب إلى الطعن منه إلى المؤازرة.

لا يمكن فهم موقف الإخوان على اعتبار أنّه قراءة خاطئة لحدث بعينه، بل هو موقف متكرر يكشف عن رؤية تعتبر كل ما هو قومي عربي مشروعًا يجب مقاومته، وكل حالة تضامن عربي تهديدًا للجماعة الإرهابية ينبغي إضعافه، ومن هنا، فإنّ فهم مواقف الجماعة من قضايا المنطقة لا يبدأ من شعاراتها المعلنة، بل من اكتشاف هذا النمط المتكرر الذي يضعها في مواجهة الإرادة العربية الجامعة.

فمع حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق ظهر الموقف العربي موحّدًا، متضامنًا مع الشقيقة العربية العراق ضد إيران البادئة بالاعتداء، تلك الحرب التي امتدت قرابة عقد كامل، في محاولة لتصدير الثورة الإسلامية الإيرانية لدول الجوار، هذه الحرب التي بدأتها إيران وابتلعت أرواح مئات الآلاف من الأبرياء، وبدّدت ثروات دولتين كان يمكن أن تُسخَّر لبناء دول إسلامية قوية، إلا أنّ الإخوان بدعايتهم شقّوا صفّ الشعوب العربية ولم ينحازوا للحق ولا لأمتهم، بل اصطفّوا مع إيران ضد العرب والرأي العام العربي، وكانوا مع كل انتصار إيراني يهلّلون ويكبّرون فرحًا بهزيمة العرب، ويبرّئون الجانب الإيراني من أيّ جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، ومع أيّ انتصار عربي كانوا يشكّكون فيه ويشوّهونه ويلطّخونه بالدماء.

وتكرّر المشهد في حرب الخليج الثانية؛ فبعد اعتداء العراق على الكويت واحتلالها، وهو ما قوبل برفض عربي واسع وموقف رسمي وشعبي داعم لسيادة الكويت، اتخذ الإخوان موقفًا مناقضًا لهذا الإجماع، فانحازوا إلى العراق، متجاهلين حساسية اللحظة وخطورة سابقة احتلال دولة عربية لأخرى.

وبدا موقفهم كأنّه اصطفاف ضد أيّ حالة توافق عربي، وضد أيّ شعور قومي جامع، وكأنّ القاعدة الحاكمة لسلوكهم السياسي هي مناهضة كل موقف تتوحد حوله الدول العربية، بغضّ النظر عن طبيعته أو مبرراته، فبدل أن يكون معيارهم هو احترام سيادة الدول ورفض العدوان بين الأشقاء، تحوّل الموقف إلى قراءة ضيقة قدّمت الانتقام والكراهية على حساب الأمة العربية.

وتوالت مواقفهم ضد الإجماع العربي إلى أن وصلنا إلى الاعتداء الإيراني الأخير على الدول العربية الشقيقة، ضمن المواجهة الأمريكية الإيرانية، هنا انطلقت ماكينات الدعاية الإخوانية تردد أسطوانتهم المشروخة، والحديث عن دولة مسلمة تتعرض للاعتداءات من قبل أمريكا والكيان الإسرائيلي، وبدلًا من الاصطفاف إلى جانب الدول العربية بدا خطاب الجماعة أقرب إلى تبرير الموقف الإيراني، وتغليفه بشعارات "المقاومة" و"مواجهة إسرائيل"، وكأنّ المقاومة لا تكون إلا بالاعتداء على دول الخليج والشعوب العربية وتفجير المنشآت المدنية، وتهديد الشعوب العربية والإسلامية ، وإراقة دماء الأبرياء .

أكاذيب الإخوان الخمس

إنّ الخطاب التبريري الذي تروّج له جماعة الإخوان الإرهابية، والذي يصوّر النظام الإيراني بوصفه حصنًا يحمي المنطقة، هو خطاب كاذب يعتمد على قدرة الجماعة للترويج لأفكارها الخاطئة طالما حشرت فيه مصطلحات مثل "المقاومة الإسرائيلية" أو "الحرب الصليبية الرابعة" لتضمن تعاطف الشعوب العربية، إلا أنّ أكاذيب الإخوان لم تنطلِ على أحد هذه المرة، وفقدت قدرتها على كسب التعاطف لأنّ الخطاب ببساطة يصطدم بالوقائع؛ فالدفاع عن سياسات إيران التي تعمل على زعزعة استقرار الدول العربية تحت لافتة "مواجهة إسرائيل" أو "قيادة محور الممانعة" لا يغيّر من حقيقة أنّ قادة المقاومة الإسلامية الفلسطينية قُتلوا في إيران، وأنّها تركت فلسطين وغزة تحترق دون أن تقدّم لهم يد العون، وأنّها تخلت عن حلفائها في محور الممانعة فور تعرّض مصالحها للخطر، وللتاريخ نعرض هنا الأكاذيب الخمس الإخوانية التي أطلقتها الجماعة مؤخراً عبر منصاتها وقنواتها الإعلامية ولجانها الإلكترونية: 

الكذبة الأولى: سقوط طهران يعني سقوط المنطقة بأسرها: يروّج الإخوان لفكرة أنّ سقوط إيران يعني سقوط المنطقة بأسرها في يد إسرائيل وأمريكا، وكأنّ الأمن العربي مرهون ببقاء النظام القائم في طهران، وكأنّ النظام الإيراني يمثل حصنًا يحمي المنطقة، وهذه الكذبة تتناقض مع الواقع، إذ تشير الأحداث إلى أنّ إيران كانت دائماً مصدر تهديد متكرر للدول العربية واستنزاف مقدراتها، والحقيقة التي لا جدال فيها هي أنّ إيران تخوض صراعاتها الأساسية داخل الساحة العربية، وتضرب في عمق الدول العربية، وتستهدف بنيتها التحتية ومواردها البترولية، في سياق صراع نفوذ وانتقام سياسي من قدرات بعض الدول الخليجية على التموضع داخل الخريطة العالمية سياسيًا واقتصاديًا مع الحفاظ على هويتها العربية، وهو ما عجزت عنه إيران في عهد الملالي.

الأكذوبة الثانية: إيران تحارب أمريكا وإسرائيل: إنّ التذرع بالتهديد الإسرائيلي أو بالهيمنة الأمريكية، لينحاز المواطن العربي لإيران، لا يصلح غطاءً لتبرير سجلها الطويل من التدخلات والصراعات؛ ولعله من المناسب أن نتذكر أنّ التمدد الإيراني المنظم عبر أذرعها العسكرية والسياسية، مستفيدًا من فراغ القوة الذي تلا سقوط بغداد عام 2003، لم يكن دعمًا لقضايا العراقيين ولا للشعوب العربية، ولم يكن ضد الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، بل كان إضعافًا لدول مركزية كانت في صدارة المشهد ضد الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، وأدخل المنطقة في دوامة عدم استقرار مزمن.

الأكذوبة الثالثة: إيران دولة تقود حلف الممانعة: استندت هذه الأكذوبة إلى الخطاب العدائي تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، الذي استُخدم كثيرًا ليضفي على إيران وصفًا لا تستحقه؛ فهي لم تقاوم إسرائيل، ولم تطلق عليها حربًا اقتصادية ولا سياسية ولا عسكرية، ولكنّها استخدمت هذا الوصف عبر دعاية جماعة الإخوان وأتباعها من الإيرانيين العرب لتبرير سياسات إيران التوسعية وتدخلاتها المباشرة في الشؤون الداخلية لدول عربية، ولا يمكن أن تكون محور ممانعة ومقاومة للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.

الأكذوبة الرابعة: إيران دولة سلام: إنّ سياسة إيران تقوم على ركيزتين: "تصدير الثورة الإسلامية"، و"صناعة ميليشيات مسلحة تابعة لها". هذه السياسة زجّت بالمنطقة في حروب أهلية فاقمت مشكلات المنطقة العربية وأصابتها بالهشاشة وأنهكت اقتصادها، وأدّت تدخلات أذرعها الإقليمية إلى خلق حالة توتر دائم في محيط الدول العربية، خاصة في دول الجوار الخليجي، فكيف يمكن اعتبار إيران دولة سلام؟

الأكذوبة الخامسة: إنّ المواجهة مع إيران مواجهة بين المسيحية والإسلام: ينشر الإخوان بكثافة أنّ ما يحدث في المواجهة الأمريكية مع إيران إنّما هو امتداد للحروب الصليبية، متجاهلين أنّ فكرة التفاوض ومنع الحرب كانت مطروحة، وأنّه لولا تعنّت الجانب الإيراني، لكان من الممكن وقف الحرب وإحلال السلام.

لا شكّ أنّ العرب ضد الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، وضد رهانات إيران الإيديولوجية، وهم مع الدولة الوطنية وسيادتها الكاملة، ويرفضون أيّ تدخل، أيًّا كان مصدره، يمسّ وحدة أراضيها أو قرارها المستقل، ومن يُضعف الدولة العربية ثم يتباكى على السيادة إنّما يمارس تناقضًا فاضحًا، ولا تُحمى العواصم العربية بتسليمها لمشاريع السيطرة الإيديولوجية، والمنطقة لن تستعيد عافيتها إلا حين يكون ولاؤها الأوّل لدولها، وقد أثبت التاريخ أنّ أيّ وصفة أخرى لن تنتج إلا مزيدًا من الاستنزاف والانقسام. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية