
في منزله شبه المهدم في حي النصر غربي مدينة غزة، يحاول الشاب أحمد الدنف (22 عاماً)، وهو طالب هندسة مدنية في سنته الجامعية الأخيرة، ترتيب بعض الأوراق والملفات الدراسية التي اصطحبها معه خلال موجات النزوح المتكررة التي عاشتها عائلته منذ اندلاع الحرب.
وبينما كان يتأمل دفتر ملاحظاته القديم، يقول الدنف: "قبل الحرب كنت أعيش تحت ضغط مشروع التخرج والامتحانات النهائية، وكنت أشتكي من السهر وكثرة المتطلبات الجامعية، لكنني اليوم أبتسم بسخرية حين أتذكر تلك التفاصيل، فقد تغيرت حساباتنا بالكامل، وأصبحنا لا نعدّ الأيام بالدراسة أو المواعيد، بل بالسؤال: هل سنجد ماء؟ هل يتوفر الطعام؟ وهل سنبقى أحياء حتى الصباح؟".
ورغم الدمار الواسع الذي طال جامعات قطاع غزة، واصلت المؤسسات الأكاديمية التعليم عن بُعد وسط ظروف إنسانية ومعيشية بالغة القسوة، شملت انقطاع الكهرباء والإنترنت، وتدمير الأجهزة الإلكترونية، إلى جانب النزوح والقصف والمجاعة، وهو ما فرض تحديات غير مسبوقة على الطلبة والمحاضرين.
ولتوثيق استهداف النخبة العلمية في قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة، أطلق عدد من الأكاديميين والناشطين تقريراً بعنوان "تذكّروهم: علماء فلسطين الذين قتلوا في إبادة غزة".
ووفق المعطيات التي يوردها التقرير دمرت إسرائيل كافة الجامعات الـ 12 العاملة في قطاع غزة، إلى جانب 7 مؤسسات أخرى للتعليم العالي، في حين دمر أكثر من 57 مبنى جامعياً يشمل كليات وقاعات تدريس ومختبرات ومكتبات ومتاحف، وقد سوّيت بالأرض.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير أدى هذا الاستهداف إلى حرمان نحو 87 ألف طالب وطالبة من الدراسة الجامعية، واستشهد أكثر من 1200 طالب جامعي، وما يزيد على 200 من أعضاء الهيئات الأكاديمية في جامعات غزة، كثير منهم في ضربات مباشرة على منازلهم، فضلاً عن إصابة وتشريد عدد كبير منهم.
حين يتحول الحلم إلى نجاة
ويستعيد الشاب تفاصيل حياته قبل الحرب قائلاً: "كنت أدرس في الجامعة، وأعمل مساء في محل لبيع الهواتف لمساعدة عائلتي، محاولاً بناء مستقبل بسيط رغم الحصار والبطالة، وكان حلمي أن أتخرج وأحصل على فرصة عمل، سواء داخل غزة أو خارجها، لكنني لم أتوقع أن ينهار كل شيء بهذه السرعة."
ويضيف بصوت يملؤه الإرهاق: "الجامعة التي كنت أدرس فيها تعرضت لتدمير كامل، واضطر كثير من الأساتذة والطلاب إلى النزوح أو فقدوا منازلهم وأقاربهم، وبعض أصدقائي أيضاً قضوا خلال الحرب، ومن بينهم زميل كان يناقش معي تفاصيل مشروع التخرج قبل أيام قليلة من اندلاعها، واليوم أصبحت صورته معلقة في صفحات النعي."
ويصمت قليلاً قبل أن يكمل: "أصعب شعور ليس الخوف فقط، بل الإحساس بأنّ السنوات تضيع من عمرك بلا أيّ قدرة على التحكم، وأنت لا تتقدم، لا تتخرج، لا تعمل، لا تخطط، مجرد إنسان يحاول النجاة".
ويوضح: "كنت أحاول متابعة المحاضرات أونلاين في بعض الفترات، لكن كيف يمكن لطالب أن يركز وسط القصف والجوع؟ أحياناً كنا نبحث عن مكان فيه إشارة إنترنت أكثر ممّا نبحث عن مكان للنوم".
ويؤكد الدنف أنّ الأزمة لم تعد تقتصر على الجانب الأكاديمي فحسب، ويقول: "في بداية الحرب كان خوفي يقتصر على التأخر فصلاً أو فصلين دراسيين، لكن مع مرور الوقت بات السؤال أكبر وأكثر تعقيداً، هل سيعود التعليم أصلاً؟ وهل ستعترف الجامعات مستقبلاً بكل هذا الانقطاع القسري؟".
ويواصل: "هناك طلبة فقدوا حواسيبهم وكتبهم وأوراقهم الثبوتية، وفقد آخرون أفراداً من عائلاتهم، فكيف يمكن مطالبة طالب يعيش تحت هذه الظروف أن يقدّم امتحاناً أو ينجز مشروع تخرج وكأنّ شيئا لم يكن؟".
ويتابع حديثه: "كنت شغوفاً بقراءة الروايات، وكنت أخطط لإكمال الدراسات العليا، أمّا اليوم فإنني أجد صعوبة حتى في التركيز على قراءة صفحة واحدة بسبب القلق والخوف المستمر، وأكثر ما أخشاه أن تنتهي الحرب بعد سنوات لأكتشف أنني فقدت التعليم والخبرة وفرص العمل والصحة النفسية في آنٍ واحد".
ويؤكد الدنف أنّ مطالبه لا تتجاوز أبسط حقوق الحياة الطبيعية، قائلاً: "لا أريد شيئاً استثنائياً أو خارقاً، كل ما أريده هو أن أعيش حياة طبيعية، وأن أتخرج، وأعمل، وأساعد عائلتي، وأشعر بأنّ تعبي لم يذهب سدى، فربما خسرنا سنوات من أعمارنا، لكننا لا نريد أن نخسر أنفسنا بالكامل، وما زلت أحاول التمسك بما تبقى من الأمل".
من الحلم إلى النجاة اليومية
وفي خيمة ضيقة داخل مخيم منارة الحياة بدير البلح وسط قطاع غزة، تجلس الطالبة الجامعية سمية حسونة (21 عاماً) ممسكة بدفتر جامعي تآكلت أطرافه بفعل التنقل المستمر والرطوبة، وتحاول بين الحين والآخر قراءة بعض الملاحظات القديمة، قبل أن تقطع أصوات الطائرات المسيّرة التي تصدر ضجيجاً عالياً تركيزها مجدداً.
حسونة، طالبة في السنة الثالثة، تخصص اللغة الإنجليزية، لم تكن تتخيل أنّ سنواتها الجامعية التي حلمت طويلاً بالوصول إليها ستتحول إلى رحلة يومية من الخوف والانتظار والنجاة، بدلاً من الدراسة والتخرج وبناء المستقبل.
وتقول حسونة بصوت متعب: "قبل الحرب كانت أكبر مخاوفي أن أتأخر في تسليم الأبحاث أو ألّا أحصل على معدل مرتفع، وكنت أعيش ضغط الامتحانات والمشاريع مثل أيّ طالبة جامعية، أمّا اليوم فقد تغير كل شيء، ولم أعد أفكر في النجاح والتخرج بقدر ما أفكر في كيفية البقاء على قيد الحياة".
وتضيف: "كنت أستيقظ صباحاً للذهاب إلى الجامعة، ثم أعود لأعطي دروساً خاصة لطالبات المدارس حتى أساعد والدي في مصاريف البيت، كنا نعيش حياة بسيطة لكنّها مستقرة نسبياً، وكان لديّ حلم واضح، أن أتخرج وأعمل في مجال الترجمة والتعليم، لكنّ الحرب، بحسب وصفها، ابتلعت كل شيء دفعة واحدة".
وتتوقف للحظات قبل أن تتابع: "في الأيام الأولى للحرب خرجنا من منزلنا على أمل العودة بعد أيام، وحملت حقيبة صغيرة وضعت فيها بعض الملابس ودفاتر الجامعة وجهاز الحاسوب المحمول، كنت أعتقد أنّ الأمر مؤقت، لكننا حتى اليوم لم نعد."
وتوضح حسونة: "أصعب ما في الأمر أنك تشعر بأنّ حياتك توقفت فجأة، والجميع يتحدث عن أعداد الضحايا والدمار، لكن هناك خسائر أخرى لا ترى بسهولة، مثل ضياع العمر وتعطل الأحلام والشعور بأنّ مستقبلك ينهار أمامك ببطء."
تعليم معلق ومستقبل غامض
وعن تجربتها مع التعليم خلال الحرب توضح حسونة أنّ محاولات الجامعات استكمال الدراسة إلكترونياً اصطدمت بواقع قاسٍ: "كنا نحاول حضور المحاضرات عبر الإنترنت، لكن كيف يمكن لطالبة أن تركز على شرح أكاديمي وسط النزوح والخوف وعدم الاستقرار؟".
وتتابع حسونة: "في إحدى المرات كنت أحاول تقديم واجب جامعي عبر الهاتف، وفجأة اضطررت وعائلتي للنزوح من المكان تحت القصف، يومها شعرت أنّ فكرة التعليم نفسها أصبحت بعيدة جداً عن الواقع الذي نعيشه."
وتوضح: "هناك طالبات فقدن أفراداً من عائلاتهن، وأخريات أصبحن مسؤولات عن أطفال وإخوة صغار بعد مقتل آبائهن أو إصابتهم، فكيف يمكن الحديث عن امتحانات ومشاريع تخرج في ظل هذه الظروف؟".
وترى حسونة أنّ المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بتأخير دراسي، بل بمستقبل جيل كامل، وتقول: "في البداية كنت خائفة من خسارة فصل دراسي أو عام جامعي، أمّا الآن فقد أصبحت أخاف من ضياع سنوات كاملة من أعمارنا دون أيّ تعويض، وأخشى أن تضع الحرب أوزارها لاحقاً، فنجد أنفسنا وقد خسرنا التعليم، والطموح، وفرص بناء حياة مستقرة، وكل ما سعينا إليه لسنوات."
وتضيف بأسى: "الخريجون الذين أنهوا دراستهم قبل الحرب يعيشون مأساة مختلفة، لا توجد وظائف، ولا فرص تدريب، ولا أيّ مساحة للحياة الطبيعية، وكأنّ الشباب في غزة عالقون بين الدراسة التي لا تكتمل، والعمل الذي لا وجود له، والحرب التي لا تنتهي."
وتختم حسونة حديثها قائلةً: "ربما خسرت غزة الكثير من البيوت والجامعات والطرق، لكنّ الخسارة الأصعب هي أن يشعر جيل كامل بأنّ مستقبله سُرق منه قبل أن يبدأ."
تعليم غزة بين الشلل والفقر التعليمي
يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة فلسطين حلمي الشرفا: إنّ "العملية التعليمية في جامعات قطاع غزة تعرّضت لاضطراب واسع وشلل شبه كامل نتيجة الدمار الذي طال المباني الجامعية، وانقطاع مقومات الحياة الأساسية كالكهرباء والإنترنت، إضافة إلى موجات النزوح التي شملت الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، وهو ما جعل استمرار التعليم وفق أنماطه التقليدية أمراً بالغ الصعوبة."
ويوضح الشرفا: "التعليم الإلكتروني لم يتمكن من سد الفجوة التعليمية بالشكل المطلوب، فقد واجه الطلبة تحديات كبيرة تتعلق بانقطاع الاتصال، وغياب الأجهزة وتعطلها، وصعوبة توفير الطاقة لشحنها، فضلاً عن الضغط النفسي الناتج عن القصف والنزوح، وهو ما انعكس بشكل مباشر على التركيز والتحصيل الأكاديمي."
ويشير إلى أنّ "أعضاء هيئة التدريس واجهوا تحديات مُركّبة، أبرزها فقدان بيئة العمل الأكاديمية، وصعوبة التواصل المنتظم مع الطلبة، وانعدام الاستقرار المكاني، إلى جانب الأعباء النفسية الثقيلة، واضطرار البعض لتقديم المحاضرات من أماكن نزوحهم أو عبر وسائل اتصال محدودة الإمكانات."
ويرى الشرفا أنّ "الفاقد التعليمي والنفسي كبير وعميق، وقد يمتد أثره لسنوات طويلة، ليس فقط على مستوى التحصيل العلمي، بل على مستوى الاستقرار النفسي والثقة بالمستقبل، وأنّ معالجته تتطلب برامج تعويض أكاديمي مدروسة، وخططاً لإعادة دمج الطلبة في المسار التعليمي تدريجياً."
ويؤكّد الأكاديمي الفلسطيني أنّ "الجامعات بغزة قادرة على استعادة دورها الأكاديمي تدريجيا، لكنّها ستواجه تحديات طويلة الأمد، كما أنّ آثار الحرب لن تزول بسرعة، بل ستظل ممتدة لسنوات، وهو ما يستدعي دعماً مؤسسياً وتعليمياً واسع النطاق لإعادة بناء القطاع التعليمي".
وقد شنت إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حرباً شرسة على قطاع غزة، أدت إلى مقتل 72740 قتيلاً، وإصابة 172555 شخصاً بجروح، حسب إحصائية صادرة عن وزارة الصحة بغزة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)