ربع قرن على "غزوتي" نيويورك وواشنطن

ربع قرن على "غزوتي" نيويورك وواشنطن

ربع قرن على "غزوتي" نيويورك وواشنطن


09/09/2026

خيرالله خيرالله

يمر في أيامنا هذه ربع قرن على “غزوتي” نيويورك وواشنطن اللتين نفذتهما عناصر من تنظيم “القاعدة” الإرهابي. على الرغم من كلّ تلك السنوات،  لا يزال السؤال – اللغز حاضرا في كلّ لحظة. لماذا اختارت أميركا اجتياح العراق وتسليمه على صحن من فضّة إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة” كي تبدأ، من العراق، انطلاقة جديدة للمشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة، بما في ذلك سوريا ولبنان.

مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول – سبتمبر 2001، استثمرت الولايات المتحدة في حرب على العراق لم تدرك النتائج التي ستترتب عليها، بغض النظر عن مدى سوء نظام صدّام حسين البعثي – العائلي. ما نشهده اليوم ارتداد لهذه الحرب على من شنها من دون تفكير في العمق لما يمكن أن تفسر عنه من خلل استراتيجي على الصعيدين الإقليمي والدولي.

 فجر تنظيم “القاعدة” الإرهابي قبل ربع قرن برج التجارة العالمي في نيويورك كما هاجم مبنى وزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن. صار اسم تلك الوزارة وزارة الحرب الآن. استخدم التنظيم في ذلك طائرات مدنيّة خطفتها عناصر، من جنسيات مختلفة، تابعة له. كان عدد هؤلاء 19 إرهابيا. وُجّهت الطائرات المختطفة نحو أهداف في نيويورك وواشنطن في “غزوتين” أسفرتا عن سقوط مئات القتلى المدنيين، خصوصا في نيويورك.

كان طبيعيا أنّ تركّز الإدارة الأميركيّة على أفغانستان بعدما اكتشفت أن تنظيم “القاعدة”، الذي كان يتزعمّه أسامة بن لادن موجود في ذلك البلد ويمتع بحماية زعيم “طالبان” الملا عمر.

وجهت إدارة جورج بوش الابن الجيش الأميركي نحو خوض حرب أفغانستان من أجل إسقاط نظام “طالبان” الذي ما لبثت إدارة جو بايدن إن أعادت الحياة إليه في مثل هذه الأيام من العام 2021.

يمكن القول أنّ الولايات المتحدة حققت في أفغانستان ما تريد تحقيقه، أي أنّها ضمنت خروج “القاعدة” ومختلف التنظيمات التي ولدت من رحمها من هذا البلد. تركت الأفغان يعانون من “طالبان”. آخر ما يهمّ الإدارة ما يحلّ بأفغانستان ومواطنيها. كلّ ما يهمّها أن تنظيم “القاعدة” زال من الوجود في أفغانستان.

لكن يبقى كيف ربطت الإدارة الأميركية بين “غزوتي” نيويورك وواشنطن من جهة والعراق الذي كان يعيش في ظلّ نظام صدّام حسين البعثي – العائلي من جهة أخرى. عملت على تحقيق الربط، علما أن لا علاقة بين هذا النظام و”القاعدة” لا من قريب أو لا من بعيد؟

 كان بين الإرهابيين الـ19 الذين نفذوا غزوتي نيويورك وواشنطن لبناني واحد من البقاع الغربي ينتمي إلى “فتح – المجلس الثوري”، الذي على رأسه صبري البنا (أبو نضال). سارع صدّام حسين بعدما علم بالأمر إلى التخلّص من “أبو نضال” الذي كان يقيم وقتذاك في بغداد بعدما أدّى في الماضي كلّ الخدمات المطلوبة منه في ليبيا معمّر القذافي وسوريا حافظ الأسد.

المهمّ في تلك المرحلة أنّه لم يكن من وجود لما يربط بين صدّام حسين و”القاعدة”. على الرغم من ذلك، اتخذت إدارة بوش الابن بشن حرب على العراق في وقت كان لا يزال الجيش الأميركي منهمكا في الانتهاء من “طالبان” والتابعين لها من “الأفغان العرب” في أفغانستان.

كانت النتيجة سقوط العراق في يد إيران. ما الذي دفع الإدارة الأميركيّة إلى اتخاذ مثل هذا القرار الذي لا علاقة بأي منطق باستثناء أن نظام حسين كان يستأهل السقوط في ضوء ما ارتكبه من جرائم في حق العراقيين وحق دول المنطقة، بما في ذلك اجتياحه الكويت في العام 1990.

لا جواب عن سؤال لماذا قررت الولايات المتحدة خوض حرب أخرى في العراق في وقت كان الجيش الأميركي لم ينته من تنظيف أفغانستان من فلول "القاعدة"؟

بإسقاطها بلد اسمه العراق، وليس مجرّد إسقاط نظام صدّام، وتسليمه إلى إيران، وجدت “الجمهوريّة الإسلاميّة” أن في استطاعتها التمدد في كلّ الاتجاهات. لم تتردّد في إخضاع لبنان نهائيا في ضوء اغتيال عناصر من “الحزب” لرفيق الحريري في 14  شباط – فبراير 2005 ثم ملء الفراغ الأمني الذي خلفه انسحاب الجيش السوري من كلّ لبنان.

دفعت دول المنطقة غاليا ثمن تمكن “الجمهوريّة الإسلاميّة” من تحقيق انطلاقة جديدة لمشروعها التوسعي في ضوء سيطرتها على العراق. ليس سرّا أن الميليشيات المذهبية العراقيّة التي قاتلت الجيش العراقي بين 1980  و 1988، عادت من الأراضي الإيرانيّة إلى بغداد على دبابة أميركية. حكمت الميليشيات العراق بعد 2003  وليس ما يشير إلى أنّهّا لا تزال تحكمه إلى يومنا هذا تحت لافتة “الحشد الشعبي”.

 عرفت من ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني أنّ اسحق رابين، ولم يكن عاد بعد إلى موقع رئيس الوزراء في إسرائيل، بعث إليه برسالة كي ينقلها إلى صدّام حسين يطلب فيها منه إعادة النظر في حجم الجيش العراقي. كان ذلك في شباط – فبراير 1990 قبل أشهر عدة من اجتياح الجيش العراقي للكويت. أبلغني “أبو عمار” شخصيا وقتذاك، نقلا عن رابين، أن هناك قلقا إسرائيليا من جيش عراقي عاد جنوده وضباطه إلى المدن من حرب طويلة أتقنوا خلالها القدرة على التنسيق بين مختلف القطاعات العسكريّة، بما في ذلك بين سلاحي الجوّ والمدرعات…

على الرغم من كلّ الهزائم التي لحقت بالجيش العراقي في مرحلة ما بعد احتلال الكويت ثم خروجه منها إثر حملة عسكريّة، اختارت الإدارة الأميركية حلّ الجيش… وإسقاط الحدود بين العراق وإيران، وهي حدود كانت تحافظ على التوازن الإستراتيجي في المنطقة كلّها.

 تدفع أميركا نفسها في الوقت الحاضر ثمن ارتداد الحرب التي شنتها على العراق. ارتدت هذه الحرب على أميركا نفسها التي لم تجب بعد عن السؤال – اللغز الذي عمره ربع قرن: ما دخل العراق وصدّام بـ”غزوتي” نيويورك وواشنطن؟

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية