دعوة الإخوان إلى المصالحة: بين المراوغة ورسائل التوظيف السياسي

دعوة الإخوان إلى المصالحة: بين المراوغة ورسائل التوظيف السياسي

دعوة الإخوان إلى المصالحة: بين المراوغة ورسائل التوظيف السياسي


27/08/2025

 

عاد ملف "المصالحة" بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان المسلمين إلى الواجهة مجددًا، عبر حوار نشرته صحيفة (الشرق الأوسط) مع قيادات إخوانية ومعارضين مصريين مقيمين في تركيا، في مشهد يثير الكثير من التساؤلات حول التوقيت والرسائل المبطنة. فقد تحدث قياديون بارزون في التنظيم، مثل محمد عماد صابر، إلى جانب المعارض أيمن نور، عن استعدادهم للدخول في "حوار حقيقي" مع الدولة المصرية، وطرحوا شروطًا بدت أقرب إلى إملاءات سياسية منها إلى مبادرة حسن نية.

 

ورغم اعتراف بعض القيادات بأخطاء الجماعة التاريخية، فإنّ لغة الخطاب تكشف عن محاولة لإعادة التموقع وتوظيف الظروف الإقليمية والاقتصادية للضغط على الدولة المصرية. هذا الحوار لا يمكن قراءته بمعزل عن تحركات الإخوان في السنوات الأخيرة، وسعيهم الدائم لإيجاد موطئ قدم سياسي يعيدهم إلى المشهد بعد خسائر كبرى منذ عام 2013.

 

اعتراف بالأخطاء... أم إعادة تسويق؟

من أبرز ما ورد في الحوار اعتراف القيادي الإخواني محمد عماد صابر بأنّ الجماعة ارتكبت "أخطاء جسيمة"، مثل السعي إلى بناء دولة موازية داخل الدولة، والتصادم المستمر مع المؤسسة العسكرية. هذا الاعتراف يبدو للوهلة الأولى تحوّلاً في خطاب التنظيم، لكنّه في العمق يطرح أكثر من دلالة. 

 

فمن ناحية، يحاول الإخوان إظهار مرونة شكلية في مراجعة بعض السلوكيات، لكن دون الاقتراب من جوهر مشروعهم الإيديولوجي القائم على التمكين العابر للحدود. ومن ناحية أخرى، يمثل الاعتراف أداة لتلميع صورة الجماعة أمام الرأي العام الخارجي، وإيصال رسالة إلى القوى الدولية مفادها أنّ "الإخوان" قادرون على التكيف وإجراء مراجعات.

 

غير أنّ التجربة التاريخية مع التنظيم تكشف أنّ مثل هذه الاعترافات غالبًا ما تكون تكتيكية، ترتبط باللحظة السياسية، ولا تنسحب على البنية الفكرية العميقة للجماعة التي تأسست منذ عام 1928 على مبدأ احتكار تمثيل الإسلام السياسي وتوظيفه سياسيًا. وفي هذا السياق، يظلّ التساؤل مطروحًا: هل اعتراف الإخوان بالأخطاء اليوم يعكس مراجعة فكرية حقيقية، أم أنّه محاولة لإعادة تسويق أنفسهم كلاعب لا يمكن تجاوزه؟

 

اللافت أنّ قيادات الإخوان لم يطرحوا المصالحة كخيار قائم على المراجعة والاعتذار والقبول بقواعد الدولة الوطنية، بل كصفقة مشروطة. فقد طالبوا ببدء الحوار من خطوة "الإفراج عن المعتقلين"، مع التركيز على النساء وكبار السن، في محاولة لكسب التعاطف وإحراج الدولة المصرية أمام الرأي العام الدولي، وربطوا الانفتاح السياسي بتمكين الجماعة من العودة إلى البرلمان والحياة السياسية.

 

هذه اللغة تكشف أنّ هدف الإخوان لا يتمثل في طيّ صفحة الماضي، بل في إعادة إنتاج دور سياسي ضمن قواعد جديدة. والأخطر أنّ الخطاب حمل نزعة ابتزازية حين حذّر أيمن نور من أنّ "الانسداد السياسي قد يقود إلى التطرّف"، وهو تلميح واضح إلى أنّ غياب المصالحة قد يفتح المجال أمام العنف والفوضى. وبهذا يواصل الإخوان استخدام أدوات الضغط والتهديد غير المباشر لإجبار الدولة على فتح الأبواب أمامهم.

 

محاولة لتوظيف السياق الإقليمي

اختار الإخوان توقيتًا حسّاسًا لإطلاق هذه الرسائل، حيث تواجه المنطقة تحديات إقليمية متشابكة من الحرب في غزة، إلى التوترات مع إيران وتركيا، وصولًا إلى الضغوط الاقتصادية العالمية. وفي هذا السياق حاول المتحدثون توظيف فكرة "ضرورة توحيد القوى السنّية" لمواجهة إسرائيل، باعتبار أنّ الإخوان يمثلون "قوة سنّية لا يمكن تجاهلها".

 

هذا الطرح ينطوي على رسالتين؛ الأولى موجهة إلى بعض العواصم الإقليمية لإعادة الاعتراف بالجماعة كلاعب إسلامي في معادلة المنطقة، والثانية موجهة إلى الدولة المصرية باعتبار أنّ استبعاد الإخوان يضعف الدور الإقليمي للقاهرة. غير أنّ هذا الخطاب يعكس محاولة لتغليف المشروع الإخواني في ثوب "قوة سنّية"، بينما الواقع يكشف أنّ التنظيم ارتبط تاريخيًا بعلاقات مع قوى متناقضة، وسبق أن وظّف شعارات المقاومة لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.

أحد أهم أهداف الإخوان من طرح فكرة المصالحة يتمثل في إعادة التموقع داخل المشهد السياسي المصري بعد الفشل الذريع في إسقاط النظام عبر الاحتجاجات أو الضغوط الخارجية. فبعد أكثر من عقد من محاولات التصعيد، يدرك التنظيم أنّ العودة بالقوة لم تعد ممكنة، وأنّ الطريق الوحيد المتبقي هو إعادة تسويق نفسه كقوة "معتدلة" تسعى للحوار.

 

إعادة التموقع هذه تعني بالنسبة إلى الجماعة محاولة كسب شرعية مفقودة منذ عام 2013، وتجنب العزلة السياسية التي حاصرتهم في الداخل والخارج. غير أنّ الدولة المصرية تدرك أنّ هذه العودة لا تمثل سوى إعادة إنتاج للمشروع نفسه الذي أثبت فشله وخطورته على مؤسسات الدولة الوطنية.

 

إلى جانب محاولة التموقع، يسعى الإخوان عبر خطاب "المظلومية الإنسانية" إلى كسب التعاطف الدولي. فتركيزهم على قضية المعتقلين، خاصة النساء وكبار السن، يهدف إلى خلق صورة الضحية أمام المؤسسات الحقوقية والدوائر الغربية. وهذا التكتيك لطالما استخدمته الجماعة لتدويل أزماتها الداخلية، وتحويلها إلى ورقة ضغط على الحكومات.

 

لكنّ هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها الإعلامية أحيانًا، تصطدم برصيد ضخم من الوقائع التي تثبت تورط الجماعة في العنف، ودعمها لأذرع مسلحة مثل "حسم" و"لواء الثورة". وبالتالي فإنّ خطاب المظلومية لا يلغي الذاكرة السياسية للدولة المصرية التي دفعت ثمنًا باهظًا لممارسات التنظيم.

 

التوظيف الإقليمي

خطاب "المصالحة" حمل بُعدًا إقليميًا واضحًا عندما تحدّث أيمن نور عن ضرورة توحيد القوى السنّية في مواجهة التحديات الإسرائيلية، مشيرًا إلى أنّ الإخوان يشكّلون قوة لا يمكن تجاهلها. هذه الرسالة تسعى لتقديم التنظيم كخيار جاهز يمكن توظيفه في المعادلات الإقليمية.

 

لكنّ هذا الطرح يثير شكوكًا عميقةً، لأنّ الإخوان تاريخيًا لم يكونوا قوة توحيدية بقدر ما كانوا أداة لتفكيك الدول وتغذية الانقسامات الطائفية والسياسية، وبالتالي فإنّ محاولة الإخوان تقديم أنفسهم كـ "حائط صد" ضد التحديات الإقليمية لا تعدو كونها إعادة إنتاج لخطاب قديم لم يعد يجد صدى في الداخل المصري.

 

ومن بين الرسائل الأكثر خطورة في الحوار، الإيحاء بأنّ غياب المصالحة قد يؤدي إلى انتشار التطرف أو تكرار السيناريو السوري. هذه المقاربة تحمل في طياتها تهديدًا مبطنًا بأنّ الدولة المصرية قد تواجه مصيرًا مشابهًا إن لم تتجاوب مع مطالب الإخوان.

 

هذا الخطاب ينسجم مع تاريخ الجماعة في استخدام التهديد كأداة سياسية. فبدلًا من الاعتراف بمسؤوليتها عن التحريض والعنف، تضع جماعة الإخوان المسؤولية على الدولة، وكأنّها تقول: "إمّا أن تمنحونا دورًا سياسيًا، وإمّا أن تتحملوا تبعات الفوضى". وهي معادلة رفضتها الدولة المصرية منذ 2013، وتعتبرها ابتزازًا لا يمكن القبول به.

 

مصر وموقف الدولة الثابت

منذ الإطاحة بحكم الإخوان عام 2013 تبنت الدولة المصرية موقفًا واضحًا يقوم على تصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا، ورفض أيّ تسويات سياسية معها. وهذا الموقف لم يتغير رغم الضغوط الدولية وتكرار طرح مبادرات "المصالحة".

 

فمن منظور الدولة، المصالحة مع الإخوان لا تعني مجرد تسوية سياسية، بل إعادة فتح الباب أمام مشروع يهدد بنية الدولة الوطنية نفسها. فالاعتراف بأنّ الجماعة حاولت بناء "دولة موازية" يكفي وحده لتأكيد أنّ التنظيم لا يقبل بمفهوم الدولة الحديثة، بل يسعى لاحتكار القرار السياسي والديني. كما أنّ ارتباط الإخوان بتنظيمات العنف يعزز القناعة بأنّ أيّ عودة لهم تمثل تهديدًا للأمن القومي.

 

تكشف قراءة الحوار أنّ ما يطرحه الإخوان تحت لافتة "المصالحة" لا يتجاوز كونه محاولة لإعادة تدوير خطاب قديم بثوب جديد. فالتنظيم لم يقدّم مراجعات فكرية حقيقية، ولم يُبدِ استعدادًا للتخلي عن مشروعه العابر للحدود، بل استغل السياق الإقليمي والاقتصادي للضغط على الدولة المصرية، ملوّحًا بالانفتاح مقابل مكاسب سياسية واضحة.

 

موقف مصر من الجماعة يظلّ ثابتًا؛ فلا مجال للتسوية مع تنظيم ثبت ارتباطه بالعنف، ورفضه الاعتراف بالدولة الوطنية ومؤسساتها. أمّا الرسائل المبطنة التي حملها الحوار، من الاعتراف بالأخطاء إلى التلويح بالقوة السنّية، فهي في جوهرها أدوات تفاوضية تعكس مأزق الإخوان العميق، أكثر ممّا تعكس استعدادًا حقيقيًا للمراجعة أو المصالحة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية