خطاب جون كندي في تكريم الشاعر روبرت فروست

خطاب جون كندي في تكريم الشاعر روبرت فروست

خطاب جون كندي في تكريم الشاعر روبرت فروست


27/09/2025

ترجمة وتحرير: عبود الجابري

منذ أن نطق الإنسان بالشعر، بدأ الالتباس يشوب العلاقة بين الشعر والسلطة، من حيث حاجة السلطة إلى قوة الشعر، وحاجة بعض الشعراء إلى وجاهة السلطة، وهذا الالتباس افضى إلى خلق نوع من التشكيك في ديمومة الربيع الذي يصادف أن تعيشه هذه العلاقة، فالكثير من مواسم الخصب فيها ما يلبث أن ينذر بجفاف مباغت، سببه تعثر النهر الذي يروي هذه العلاقة؛  بسبب من اقتران صفة التكسب بهذه العلاقة، والضريبة التي تفرضها بحصر أغراض الشاعر في المديح الشخصي وهجاء الأعداء، الأمر الذي ينتهي بالشاعر وقصيدته إلى نمطية معينة في السلوك والكتابة.

وقد نجا من هذه القاعدة شعراء كان لهم، من مواهبهم، ما أسعفهم في كتابة تاريخهم الشعري  وتخليد أصواتهم، رغم ارتباط أسمائهم بمراكز قوى معينة في السلطة، ويخيل لي أنّ المتنبي أحد هؤلاء.

أسوق هذه المقدمة وأنا أجيل عينيّ في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي جون كندي في كلية إمهيرست، تكريماً للشاعر الأمريكي روبرت فروست. في ذلك الخطاب بدا لي كندي كأنّه يرسم صورة حلم مؤجل لشاعر عربي، من خلال تقديسه صورة الفنان والكاتب، فهو يقول: "إنّ الاعتراف بمكانة الفنان والكاتب، أكثر أهمية من مستقبل البلاد وحضارتها". وهو يرى أنّ مهمة الفنان هي استجواب السياسي وتذكيره، دائماً، بسعة الوجود من حوله، من أجل أن يبقيه في دائرة الوجود الإنساني.

صحيح أنّ روبرت فروست شارك، بوصفه شاعراً، في مراسم تنصيب جون كندي، إلا أنّ قصيدته في ذلك الاحتفال كانت احتفالاً بأمريكا وحدها، ولم يُطْرِ فيها أحداً بعينه، وذلك يعني أنَّ ما قاله كندي في ذكرى تكريم فروست ليس سوى صورة من صور احترام السياسي للمنجز الإبداعي، من حيث تأثيره في بناء الإطار الأخلاقي للأمّة. باختصار فإنّ كلمة جون كندي تصلح قانوناً أخلاقياً يرسم علاقة المبدع بالسلطة بشكل يصلح لجميع الأزمان.
المترجم

الخطاب

هذا يوم مكرَّس لذكرى روبرت فروست، يوم يمنحنا فرصة للتوقف عند فكر جدير بالسياسيين، بل حتى الشعراء، وروبرت فروست أحد أرقام عصرنا الصلبة في أمريكا. ومدعاة فخرنا به سببان؛ هما: أنّه فنان وأمريكي في وقت وأحد. فالأمم لاتستمد إلهامها من الرجال الذين تنجبهم، ولكن من الرجال الذين تفخر بهم، الرجال الذين تخلدهم.

في أمريكا يتراكض القوم صوب الرجال الذين يسجلون إنجازات بارزة ، لكننا، اليوم، في هذه الكليّة، وهذا البلد، نفخر برجل كان تنوعه بحجم أرواحنا لا أجسادنا، بحجم تَبصّرنا وليس بحجم معتقداتنا السياسية، بحجم تفهمنا الذاتي وليس بحجم غرورنا. وحين نقوم بتكريم روبرت فروست فإننا كذلك نمنح الشرف للينابيع العميقة في قوة أمتنا، وتلك القوة تأخذ أشكالاً متعددة، وما هو واضح من تلك الأشكال ليس هو الأكثر أهمية دائماً.

الرجال الذين يخترعون القوة يوجدون تنوعاً لا غنى عنه في عظمة الأمة، ولكنّ الرجال الذين يستجوبون القوة يصنعون تنوعاً لا غنى عنه بشكل مطلق، لا سيّما حين لا يلقى هذا الاستجواب اهتماماً من قبل الذين يحددون إذا كنا نستعمل القوة، أو أنّ القوة تستعملنا.

قوتنا الوطنية مهمة، لكنّ الروح التي تبدع تلك القوة وتسيطرعليها أكثر أهمية، ذلك ما كان فروست يحاول ترسيخه، وقد بذل، من خلال مواهبه الغزيرة، جهداً سخياً لترسيخ التقوى والابتعاد عن الابتذال في المجتمع. وكان إحساسه بمأساة الإنسان سبباً في نزوعه إلى مواساة الآخرين وعدم تفضيله مصالحَه الشخصية.

لقدْ كُنتُ، كما قال، "شخصاً خَبِرَ الليل وعرف منتصف الليل مثلما عرف ذروة الظهيرة: لأنّه أدرك انكسار الروح البشرية وانتصارها"، وقد منح عمره القوة من خلال التغلب على اليأس. وحملَ منذ صغره يقيناً عميقاً بروح الإنسان. وإنَّها لمصادفة عسيرة أنْ يملك روبرت فروست ناصيتي الشعر والسلطة، وقد رأى في الشعر الوسيلة التي تحمي السلطة من ذاتها: عندما تقود السلطة الرجل إلى الطغيان، فإنّ الشعر يذكره بحدوده، وعندما تضيّق السلطة مساحة اهتماماته  فإنّ الشعر يذكره بغنى الوجود من حوله، وَتَنوُّعِه.

عندما تفسد السلطة فإنّ الشعر يقوم بالتطهير، لأنّ الفن يرسخ الحقائق الإنسانية الرئيسية، تلك الحقائق التي يجب أن تكون محك الذهب في أحكامنا.

الفنان، بأيَّ حال، مخلص لرؤيته للواقع، وهو النصير الأخير للرأي الآخر والوعي المغاير ضد الفكر القمعي والفضولي للمجتمع، الفنان العظيم، بالتالي، كائن متفرد، وهو كما يقول فروست: "يقود معركة العاشق مع العالم"، في مطاردة إدراكه الواقعَ، وإبحاره ضد التيار في زمانه.

وتلك ليست قاعدةً عامة، فإنْ كان روبرت فروست حظي بالتكريم، في حياته، فإنّ ذلك كان بسبب الرغبة في تخطي كثير من الحقائق المعتمة. ومع ذلك فإننا استعدْنا، من خلال ذلك، كيف كان لِوَلاء الفنّان أثر في تقوية نسيج حياتنا الوطنية.

وحين ينتقد الفنانون العظماء المجتمع، فإنّ ذلك ناجم عن حساسيتهم وقلقهم على العدالة، الأمر الذي من شأنه أنْ يحثَّهم على ذلك، بوصفهم فنانين حقيقيين، ويجعلهم يدركون القوة الكامنة في توالي تعثر الأمة ونهوضها.

من وجهة نظري، فإنّ الاعتراف بمكانة الفنان أكثر أهمية من مستقبل بلادنا وحضارتها، فعندما يقوم الفن بتغذية ثقافتنا، فإنّ على المجتمع أنْ يمنح الفنان حرية تتَّبع رؤاه حيثما تأخذه.

يجب علينا ألّا ننسى أنّ الفن ليس شكلاً من أشكال الدعاية، إنّه شكل من أشكال الحقيقة، وكما ينصح السيد ماكليش الشعراء: "لا شيء يسيء لتجارتنا أكثر من الوقوع في النمطية".
الفن في المجتمع الحرِّ ليس سلاحاً، وهو في الوقت ذاته لا ينتمي إلى نطاق الجدل والإيديولوجيا.
الفنانون ليسوا مهندسي الروح، قد يكون ذلك مختلفاً في مكان آخر. لكن، في المجتمع الديمقراطي، فإنّ المهمة الأساسية للكاتب، والمؤلف، والفنان، هي البقاء صادقاً مع ذاته، وإتاحة المجال للشظايا كي تسقط حيث يريد.

وحين يتفانى الفنان في رؤيته للحقيقة، فإنّه يخدم أمته بشكل أفضل، والأمة التي تزدري مهمة الفن فإنّ مصيرها سيكون  تماماً  كمصير "الرجل المرتشي" في إحدى قصائد فروست: "لا شيء يدعو إلى النظر إلى الوراء بفخر، ولا شيء يدعو إلى النظر إلى الأمام بأمل".
أنظر،  قُدُماً، إلى المستقبل العظيم لأمريكا: المستقبل الذي تتماثل فيه قوتنا العسكرية مع قوتنا الأخلاقية، ثراؤها مع حكمتنا، قوتها مع غاياتنا.

أنظر، قُدُماً، إلى أمريكا التي لا تخاف الرحمة والجمال، أميركا التي تحمي جمال محيطنا الوطني، وتحمي عظمة بيوت أميركا القديمة، وساحاتها ومتنزهاتها وماضي أمتنا، وتبني مدناً كبيرة متوازنة لمستقبلنا.

أنظُر، قُدُماً، إلى أمريكا التي تكافئ إنجازات الفنانين مثلما نكافئ السياسيين على منجزاتهم.
أنظُرُ، قُدُماً، إلى أمريكا التي تُعلي تدريجياً معايير الإنجازات الفنية، وتوسِّع الفرص الثقافية لكل المواطنين.

أنظُر، قُدُماً، إلى أمريكا التي تفرض احترامها ـ في كل مكان في العالم ـ ليس فقط  بسبب قوتها، وإنّما لحضارتها كذلك.

وأنظُر، قُدُماً، إلى عالم سيكون آمناً، ليس إلى الديمقراطية والاختلاف فحسب، ولكن إلى التمايز الشخصي كذلك.

روبرت فروست كانت تتنازعه، بشكل دائم، شكوك حول مشاريع تطوير الإنسان، حتى الآن لا أظن أنّه فقد الأمل، كما كتب ذات يوم، إبان الحرب العالمية الثانية:

"عليكم بالتحلي بجوهر الإنسان منذ بدء الخليقة، عززوه قليلاً في محاباة البشر، ولو بجزء من واحد بالمئة، فحصيلتنا في هذا الكوكب ما تنفك تتناقص."

وبسبب من حياة السيد فروست وأعماله، وحياة هذه الكليّة وأعمالها، فإنّ حصيلتنا، في هذا الكون، ما انفكَّت في تزايد.

المصدر:

https://www.arts.gov/about/president-john-f-kennedy-remarks-at-amherst-college-october-26-1963



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية