تنظيم "داعش".. والهزيمة الثلاثية (1-2)

تنظيم داعش

تنظيم "داعش".. والهزيمة الثلاثية (1-2)

مشاهدة

21/03/2018

يكاد يجمع الخبراء عند الحديث حول هزيمة تنظيم "داعش" على التمييز بين ثلاثة مستويات: الأول عسكري (أي هزيمة التنظيم بإخراجه من أراضٍ سيطر عليها واحتلها وتحكّم بسكانها، وبالتالي شلّ قدرته على المواجهة العسكرية المباشرة مع خصومه/القوات النظامية، وخصوصاً باستخدام آليات عسكرية ثقيلة). أما المستوى الثاني فهو أمني (أي إنّ التنظيم بعد هزيمته عسكرياً وتحرير الأراضي التي احتلها، قد تبقى لديه القدرة على تنفيذ عمليات انتحارية وانغماسية، ونصب العبوات والمفخخات واستهداف المسؤولين وقوى الأمن العراقية والمدنيين...). أما المستوى الثالث فهو فكري وثقافي (أيْ هل تمّ القضاء على أيديولوجيا "داعش" بالقضاء عليه عسكرياً أم ما يزال لديه بنية فكرية متطرفة كامنة أو ظاهرة تُشكّل خطراً وتحتاج إلى جهود وإستراتيجيات جادة لمحاربتها والقضاء عليها، وإنتاج بدائل عنها تجذب السكان إليها، وبالتالي تقضي على البيئات الحاضنة للفكر المتطرف الذي ينتِجُ الإرهاب؟).

التنظيم ما يزال يمتلك قدرة على شنّ هجمات ولو كانت اعتراضية، في أجواء الهزيمة التي يعيشها

"حادثة السعدونية"

وكان تحليل نشرته صحيفة "الحياة" اللندنية (5/3/2018) قد أشار إلى مسألة مهمة في هذا السياق، عبر الإضاءة على "حادثة السعدونية"، المتمثلة بوقوع قوة من قوات "الحشد الشعبي" في كمين نصبه تنظيم "داعش" جنوب كركوك، إضافة إلى حوادث متفرقة في ضواحي المدن المحررة، مؤشراً إلى أنّ خطر التنظيم ما يزال قائماً، على الرغم من تمكّن قوات الأمن العراقية من انتزاع كل المدن التي سيطر عليها الإرهابيون صيف العام 2016، ولكن هزيمة "داعش" عسكرياً ليست سوى خطوة أولى نحو مواجهة تنظيم متطرف حكم ثلث البلاد بالحديد والنار، ولا بد أنّه استعد لسيناريو هزيمته.

ففي 18 شباط (فبراير) الماضي، تحركت قوة من "الحشد الشعبي" نحو بلدة السعدونية في قضاء الحويجة جنوب كركوك بعد تلقي اتصالات بوجود مجموعة إرهابية، ولكن القوة تعرضت لكمين نصبه "داعش" أسفر عن مقتل 27 عنصراً في الحشد واختفاء آخرين يُعتقد بأنّ التنظيم اختطفهم.

في 18 شباط الماضي تحركت قوة من الحشد الشعبي نحو السعدونية بعد تلقي اتصالات بوجود مجموعة إرهابية ولكنهم تعرضوا لكمين داعش

قدرات "داعش"

وتشير هذه الحادثة، وفق "الحياة" إلى أمرين:

الأول، أنّ التنظيم ما يزال يمتلك قدرة على شنّ هجمات ولو كانت اعتراضية، في أجواء الهزيمة التي يعيشها.

والثاني، قدرته على التأقلم ضمن ظروف أمنية واجتماعية جديدة، مستغلاً ثغرات تخلّفها قرارات السلطة في مرحلة ما بعد هزيمة "داعش"، وما أكثرها؛ إذ ما تزال المدن المحررة تعاني أزمات؛ سياسية وأمنية واجتماعية خطيرة تفوق ما كان عليه الوضع بعد هزيمة تنظيم "القاعدة" في البلاد عام 2009.

ما تزال المدن المحررة تعاني أزمات؛ سياسية وأمنية واجتماعية خطيرة

استعداد "داعش" لسيناريو هزيمته

إنّ الهزائم التي مُني بها "داعش" في العراق تمثّل انكساراً كبيراً، ولكن مراجعة إستراتيجية هذا التنظيم، الذي يعد الأذكى بين التنظيمات المتطرفة، واستشراف تكتيكاته تشير بوضوح إلى أنّ قدرته في السيطرة على مراكز مدن أساسية مثل؛ الموصل والرمادي وتكريت لثلاثة أعوام، باسطاً حكمه على نحو 4 ملايين شخص، قد تمكنه من إعداد العدة لسيناريو هزيمته عاجلاً أم آجلاً وهو شيء لاحت بوادره أخيراً.

هزيمة "داعش" عسكرياً ليست سوى خطوة لمواجهة تنظيم متطرف حكم ثلث البلاد بالحديد والنار

في الواقع بدأ التنظيم يستعد لمرحلة ما بعد هزيمته منذ خسارة مدينة الموصل في تموز (يوليو) الماضي، وأيقن أنّ خسارة هذه المدينة الحضرية ذات الموقع الإستراتيجي المطلّ على إقليم كردستان شمالاً وارتباطها مع سوريا غرباً، وما تمثله من رمزية كبيرة للطائفة السنية ولطالما اعتبرت أحد أكثر المدن استياء من الحكومات المتعاقبة بعد العام 2003، ناقوس خطر لخسارة بقية البلدات التي يسيطر عليها. وهذا ما يفسر استماتة التنظيم في الموصل ودخوله في حرب استنزاف القوات العراقية لتسعة أشهر في أطول معركة جرت ضد التنظيم، بينما لم تستغرق معركة الفلوجة سوى ثلاثة أسابيع، ومعركة تكريت حُسمت في شهر.

وتضيف "الحياة" أنّه بعد استعادة الحكومة العراقية السيطرة على الموصل بعد معركة دامية أسفرت عن مقتل نحو ألفي عنصر في قوات الأمن العراقية، كان الجميع يتوقع معارك مماثلة في بلدات: تلعفر والحويجة والقائم وعانة وراوة، ولكن حصل العكس؛ إذ لم يقاتل "داعش" -أو لم تكن له القدرة - في هذه المدن وسرعان ما دخلت قوات الأمن العراقية هذه البلدات بسهولة في أيام معدودة بعد اختفاء مريب لجيش من المتطرفين، كانت تشير التقارير إلى وجوده في هذه المدن.

الصفحة الرئيسية