تنظيم الإخوان يأكل أبناءَه

تنظيم الإخوان يأكل أبناءَه

تنظيم الإخوان يأكل أبناءَه


05/09/2026

هشام النجار

فى 17 أغسطس الحالى، خرج أحد العناصر الإخوانية المقيمة فى تركيا، حسين أحمد حسين صالح عمار، فى مقاطع مصورة اتهم فيها عددًا من القيادات المقيمة بالخارج بالتحريض على مراقبته والاستعانة بعناصر جنائية لسرقة مسكنه وترويع أسرته، وذكر بالاسم محمد إلهامى وأحمد فريد مولانا وعبدالله الشريف ومحمود سالم سليمان، وهو مؤشر على مستوى الصراع الذى وصلت إليه أجنحة التنظيم الإرهابى.

الخلافات التنظيمية والمالية داخل إخوان الخارج ليست ظاهرة جديدة؛ فقد سبق أن انقسمت القيادة بين جبهتى لندن وإسطنبول، وظهرت اتهامات بالفساد والصراع على المؤسسات والموارد.

يُوحِى ما تكشفه التطورات الأخيرة فى تركيا بأن الأزمة انتقلت إلى مستوى أعمق؛ ماذا يبقى من تنظيمٍ يفقد مركزه، ويتآكل تمويلُه، وتتراجع قدرته على إدارة أفراده، بينما تتحول الخلافات الداخلية من الغرف المغلقة إلى اتهامات علنية ذات طبيعة مالية وأمنية وجنائية؟

تُعد التطورات اختبارًا لقدرة التنظيمات المغلقة على البقاء عندما تفقد البيئة التى اعتادت أن تمنحها التماسك؛ فالخلاف خرج إلى المجال العام، وهذه نقلة نوعية فى طبيعة الصراع؛ لأنها تكشف أن الخلاف حول من يملك النفوذ، ويتحكم فى الموارد، ويستطيع إسكات خصومه، ومن يحتفظ بموقعه داخل شبكة المصالح، ولم يعد يدور فقط حول "من يقود الجماعة؟".

عندما يصبح السؤال عن المال أهم من السؤال عن الفكرة، وعن تصفية الخصم أهم من حماية العضو، فإن التنظيم يبدأ فى استهلاك نفسه. عرفت الإخوان سنوات طويلة من الانقسام بين قيادات الخارج، وصولًا إلى صراع علنى حول الشرعية التنظيمية ومؤسسات القيادة، وهى أزمة غير مألوفة لتنظيم بنى جزءًا كبيرًا من قوته التاريخية على وحدة الهيكل والولاء الداخلى.

نقف أمام مرحلة أخرى من انهيار التنظيم الشرير بعد الضربات القاصمة الخارجية التى تلقاها؛ فإذا بدأ العضو يشك فى أن القيادات تستعمل التنظيم لمصالحها، أو أن الموارد لا تصل إلى القواعد، أو أن من يعترض يتعرض للتهميش أو التخويف،

فإن الرابطة التنظيمية تتحول تدريجيًا من رابطة عقائدية مزعومة إلى علاقة مصلحية، ويبدأ السؤال الذى لا يستطيع أى تنظيم مغلق احتماله: "لماذا أبقى؟". ولعل أكثر ما يكشف هشاشة هذا البناء هو الفجوة المتزايدة بين قيادات تمتلك القدرة على الظهور الإعلامى وإدارة المنصات والكيانات، وبين قواعد تعيش واقعًا مختلفًا تمامًا؛ الإقامة فى بلد أجنبى، صعوبات العمل، الأوضاع القانونية، تشتت الأسر، وضغوط الحياة اليومية.

تحولت تركيا التى كانت "مركزًا بديلًا" إلى اختبار لقدرة التنظيم على إنتاج حياة طبيعية لأفراده؛ لتتقدم الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية على الشعارات السياسية والأيديولوجية: ماذا يفعل الشاب الذى لم يجد مستقبلًا؟

إذا عجز التنظيم عن الإجابة، فإن الخطاب الأيديولوجى يبدأ فى فقدان قدرته على الإقناع، لذا يمكن فهم تصاعد الأصوات الناقدة من داخل دوائر الإخوان وخارجها، والانتقادات الموجهة إلى القيادات القديمة، والصراعات حول الموارد ومراكز القرار؛ ففى يونيو الماضى، رصدت تقارير استمرار الانقسام بين أجنحة التنظيم، وصراع النفوذ والتمويل والشرعية، بالتوازى مع اعتراضات متزايدة من قطاعات شبابية على أداء القيادات.

تُقرأ مشاهد الاتهامات الأخيرة فى تركيا باعتبارها نافذة على أزمة أوسع حينما تتحول العقيدة التنظيمية إلى مؤسسة تبحث عن مواردها، وتتحول القيادة إلى سلطة تتنافس عليها الأجنحة، ويتحول العضو من "أخ" مزعوم إلى خصم، يصبح التنظيم مهددًا من داخله قبل أن يهدده أى عامل خارجى.

الأهم أن هذا المشهد يطرح سؤالًا على الخطاب الذى طالما قدم الجماعة باعتبارها جماعة متماسكة، عابرة للحدود، قادرة على إعادة إنتاج نفسها فى كل بيئة؛ فالتجربة التركية تكشف أن التنظيمات ليست مُحصَّنة ضد قوانين الاجتماع والسياسة والاقتصاد؛ وأن التنظيم عندما يفقد مركزه ويصبح مُوزَّعًا بين عواصم متعددة، فإنه قد يتحول إلى شبكة من مراكز النفوذ المتصارعة، ولا يصبح بالضرورة أقوى.

عندما يصل التنظيم إلى اللحظة التى يصبح فيها أعضاؤه مشغولين بمن يراقب من، ومن يملك المال، ومن يطرد من، ومن يستطيع إسكات من، يكون السؤال الحقيقى قد أصبح مختلفًا تمامًا: هل بقى من الجماعة ما يستحق أن ينتصر؟ وليس "من انتصر داخل الجماعة؟"

الأهرام




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية