
على مدار عقود، دأبت قوى اليسار على الوقوف ضد الخصخصة، وآنذاك كانت معركة واضحة ومباشرة، فهناك أصول مملوكة للدولة، ويُراد بيعها للقطاع الخاص. والصراع كان يدور حول رفض البيع ونقل ملكية هذه الأصول والمرافق العامة إلى القطاع الخاص، والخصخصة بهذا الشكل كانت عملية يسهل تحديدها ورؤيتها، وبالتالي كان من السهل تحديد الخصم وتبنّي الموقف السياسي الصائب ورفع الشعارات في ذلك.
يبدو أنّ هذه المعركة قد تغيرت؛ والتغير هنا ليس معناه اختفاء الخصخصة أو أنّ الدولة توقفت عن بيع الأصول، فالعلاقة بين الدولة والملكية العامة صارت معقدة، بمعنى أنّه أصبح من الممكن أن يظل الأصل مملوكًا للدولة قانونيًا، إلا أنّ السيطرة الفعلية عليه وعلى ما يدره من عائد، فضلًا عن طريقة إدارته في الحاضر والمستقبل، كل ذلك يكون قد انتقل إلى كيانات أخرى تعمل خارج الشكل التقليدي للمؤسسات، وبعيدة عن الرقابة البرلمانية والشعبية. فعمومية الملكية لا تأتي من منطقها القانوني، إنّما من كونها مسألة سياسية ودستورية تتعلق بالأساس بالجمهورية وتأسيسها كوعد بأن تكون الأصول والموارد مملوكة للشعب، وأن تُدار لصالحه عن طريق الدولة التي تعمل وكيلًا له.
وللملكية العامة معانٍ سياسية واجتماعية واقتصادية واسعة، فهي تعني أنّ المجتمع، من خلال مؤسساته العامة، يمتلك الحق في معرفة كيفية إدارة الموارد والأصول، وإذا ما كان يتم استغلالها على النحو الصحيح من عدمه، وكيف تدرّ عائدًا، وأين تذهب هذه العوائد، وما مستقبل هذه الأصول والموارد، ومن يقرر هذا المستقبل، ومن له الحق في المراقبة؟
كل ذلك يدفعنا إلى أنّ هناك اتجاهًا مقصودًا لما يمكن أن يطلق عليه إعادة تعريف الملكية العامة، فالصورة الكلاسيكية للخصخصة قامت على نقل الملكية من شكلها العام إلى الخاص، إلا أنّ التحول الذي نشهده في السنوات الأخيرة يجعل من الممكن حدوث ذلك دون انتقال قانوني للملكية. فتظل الأصول مملوكة للدولة، إلا أنّ إدارتها تنتقل إلى كيان مستقل يستطيع أن يتعامل مع الأصل كأداة استثمارية يجرى عليها إعادة الهيكلة والطروحات والاندماج في شراكات مختلفة. ويمتد ذلك إلى عوائد هذا الأصل، بمعنى أنّها قد تظل مملوكة للدولة، إلا أنّها تدخل في حساب أحد الصناديق أو الكيانات ذات الطابع الخاص، وبعيدة عن الموازنة العامة والرقابة الشعبية والبرلمانية.
وهنا يحدث الانفصال بين ملكية الأصول والموارد والسيطرة عليهما وإدارتهما والانتفاع بهما، وهي تفرقة وفصل تؤدي إلى نتائج خطيرة، فقد يكون المجتمع مالكًا من الناحية السياسية، إلا أنّه لا يمتلك الأدوات الفعلية لمعرفة طريقة إدارة الأصول وعوائدها، ممّا يفرغ الملكية العامة من مضمونها، من غير نقل ملكيتها رسميًا إلى القطاع الخاص.
ويطرح ذلك تحديًا أمام قوى اليسار، لأنّه يفرض عليها إعادة التفكير في معنى الملكية العامة نفسها. فالشعب هو مالك للأصول، وتقوم الدولة بإدارتها نيابة عنه، والملكية العامة لا تعني أنّ السلطة التنفيذية تستطيع أن تتصرف في الأصول باعتبارها مالكة لها ملكية خاصة، ومن ثمّ، فالمؤسسات التي تدير هذه الأصول يجب أن تكون خاضعة للشفافية والرقابة والمحاسبة.
فضمان عمومية ملكية لأصل لا يعني حيازة الدولة له فقط، فمتى كان الأصل غير خاضع للرقابة المجتمعية، وكانت المعلومات المتعلقة به غير متاحة، وكانت القرارات المتصلة به غير مراقبة ولا تخضع للمحاسبة، وكانت عوائده منفصلة عن المجال العام، فإننا نكون بصدد تحول كبير في طبيعة الملكية العامة، حتى وإن ظلت الملكية لم تتغير وفقًا للقانون.
تكتسب الصناديق والكيانات الخاصة بإدارة الأصول أهمية سياسية، فظهورها في السنوات الأخيرة متجاوزة الأطر والمؤسسات التقليدية لإدارة المال العام لا يمكن اعتباره مجرد تحول إداري يهدف إلى المرونة وسرعة اتخاذ القرار وشكل من أشكال الكفاءة، وذلك طالما لا يسمح للمجتمع وقواه الحية والمنتخبة بالرقابة عليه. فالتحول من الموازنة العامة إلى الصناديق والكيانات الخاصة ليس تغييرًا تقنيًا وإداريًا في المحاسبة والإدارة، فهو تغيير في العلاقة بين المال العام والمجال العام أصلًا، وتنويع لمراكز الإدارة، وتراجع العلاقة مع الموازنة العامة، ممّا تصبح معه الملكية العامة أكثر من كتلة لا تخضع لمبدأ واحد من الرقابة والمساءلة.
وفي ذلك فقد تخلقت حالة تكون الدولة فيها مالكة بالمعنى القانوني، إلا أنّها لا تستطيع إدارة هذه الموارد وتعبئتها والاستفادة من عوائدها، الأمر الذي يُعدّ تفكيكًا للمجال العام للملكية مع الاحتفاظ بها قانونًا. فالمسألة صارت أبعد من الخصخصة بشكلها التقليدي إلى من يدير الأصل وعوائده.
يترتب على هذا الشكل الجديد في إدارة الأصول أن يجعل المستقبل نفسه جزءًا من عملية التسييل. فالأصل الذي لم يتم بيعه يتحول إلى قيمة استثمارية أو يدخل في شراكات، بل يمكن أن يكون الإيراد المتوقع من أصل عام أن يدخل في ترتيبات مالية، ممّا تصبح معه القضية أكثر عمقًا من الخصخصة.
كل ذلك يفرض على اليسار إعادة النظر في أدواته النظرية والسياسية، فالدفاع عن القطاع العام لم يعد كافيًا ومنتجًا، فهو نفسه -أي القطاع العام- قد تغير، ولم يعد شركات حكومية في مقابل شركات خاصة. فقد أصبحت هناك أشكال معقدة من الملكيات العامة والكيانات الاستثمارية تتداخل فيها الدولة مع السوق ورأس المال.
فالدفاع عمّا هو حكومي لا يعني إطلاقًا الدفاع عن الملكية العامة، فالملكية العامة التي لا تنتج منفعة اجتماعية وغير خاضعة للرقابة والمساءلة، فإنّها تدخل في حالة من البيروقراطية، ممّا يفرض على اليسار أن يطرح طريقًا لجعل الملكية العامة ملكية اجتماعية فعلية، بمعنى أن يصبح المجتمع قادرًا على التأثير في الطريقة التي تُدار بها الأصول، وكيف تكون عوائدها جزءًا من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. فالملكية العامة ليست نقيضًا للملكية الخاصة، لأنّها بالأساس حق اجتماعي وله وظيفة اجتماعية، فلا معنى لأن تكون الدولة مالكة لأصل ما بغير أن تكون هذه الملكية خاضعة للرقابة العامة والمحاسبة الشعبية والبرلمانية.
فمعركة اليسار هنا ليست ضد الخصخصة، إنّما تمتد ضد تحويل المال العام ليصير خارج المجال العام، وضد تحويل الأصل إلى أداة مالية لا يملك المجتمع السيطرة عليها، وكذلك ضد تحويل المستقبل إلى مصدر لتمويل الحاضر على حساب الأجيال القادمة.
تبدأ من هنا إعادة تعريف لمعركة اليسار، فليس المطلوب ذاك الحنين للقطاع العام بمعناه القديم أو الاكتفاء برفض الخصخصة، بل يجب أن يكون هناك تصور جديد للملكية العامة بحيث تكون أداة للعدالة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية. فالمعركة أصبحت على معنى الملكية ذاتها، وعلى العلاقة بين المجتمع والدولة، وعلى حق المجتمع في موارده وكيفية استخدامها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_2_0.jpeg.webp?itok=Cb547ieV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0_4_1_0_1_0_0_0_2.jpg.webp?itok=zIwpolZh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/qEWJqXPGmbzXKM99HPH5psDoGcfN1xchEip4Vg_4mhS25Oty7btQsb2OESdPsk7nNFB6XUh4m05KA7CTNOnKvA1kBqQbzMBN-pZAyjLfkoptmCVaTO5OUmTpK5BN2UQU8dPWJUHegxzzeIIx8Z36EAEH88eFfWPdtnc9GVzFXK1AFwqQ5A_L5B8Mcdv9sVkq%20%281%29_0.jpg.webp?itok=mlcrfJ1D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/204-165344-un-human-rights-day_700x400_0.jpg.webp?itok=OWpP3Kun)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_12.jpg.webp?itok=Lmoc575F)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/c7RQ_UN8_KhLR1mjQ_feumNlS-WqNud5fc6QV_iKnNwdieUEO_jY_2MpHjG1yPa5uC22sgSVQsiGmNoU-7vPq53HS0HNqqweizuUSUkCPcnkWeXV9Fn8Ft1x--nBz6WsIko0rdTXTjTUbsFU4cMK8S1qLfDUmWsLBmSfTLjh__spxKkyrJxY-R_s1_Zn7ZcX.jpg.webp?itok=EF4RZuXB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%B1_0_1_1.jpg.webp?itok=FekvgsnN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_3.jpg.webp?itok=iiOzoBKy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_0_0.jpg.webp?itok=eICfY5sP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0_0_0.jpg.webp?itok=GJYDLqM1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5e42a19cc2_1.jpg.webp?itok=l0nMHCkV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D8%B5%D8%B1%D9%8A_2.jpg.webp?itok=tTgBGEJE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_13_0_1_1_9_1.jpg.webp?itok=SE3jjUzY)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_158_5.jpg.webp?itok=DsWuNyO4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%AC_41_1_2.jpg.webp?itok=ckpGESVA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4%20_0_0.jpg.webp?itok=uoeFySPp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_2_0.png.webp?itok=M3unTI3i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D8%B9%D9%8A%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE_0.jpg.webp?itok=lithnbZu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/vHBrqn6XvDJxt9DOdYzvVGTAcmmAUit7q1VN-Kf5BJ9Pmec9vBS4Y6u9bn69lIseEd3cM85jiW3HfxNWobpJkT3uXkfyaUXWMmiMTd2mLnkzT0rvTq5jQyLJ69ZCIHVK7giU4cAQlTOzo3CfuxeULhfRRf7HzVGFDErly3CjGYayHgR3srX1RMVP4TPHyWH2.jpg.webp?itok=KuTN_Scm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1_0_0.jpg.webp?itok=0mP0eL9Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_22_4_0.jpg.webp?itok=MvMKGF4p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_3.jpg.webp?itok=ZtcTiEs_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
