
شهد الوعي السياسي والأمني في الولايات المتحدة تجاه أنشطة جماعة الإخوان المسلمين تحولاً جذرياً في الآونة الأخيرة، حيث تخلت واشنطن عن مقارباتها التقليدية القائمة على إبقاء الجماعة في مساحات المناورة السياسية، وانتقلت إلى طور المواجهة الهيكلية الشاملة.
في ضوء ذلك، لم يعد الصراع مقتصراً على النقاشات الفكرية أو تصريحات الإدانة الرمزية، بل تحول إلى جبهة مواجهة قانونية ومالية متسعة تقودها إدارات الولايات والكونغرس لتجفيف "ملاذات الظل "التي تحصن خلفها التنظيم الدولي للإخوان لعقود تحت لافتات مدنية وحقوقية وخيرية.
هذا التحول الجيوسياسي، الذي تتسارع وتيرته، نقل المعركة من البيت الأبيض ووزارة الخارجية في العاصمة الفيدرالية إلى أروقة المحاكم وحكومات الولايات الأمريكية الفردية.
ويعكس اتساع هذه الجبهة إدراكاً أمريكياً عميقاً لخطورة استراتيجية "التمكين والتسلل الهادئ" التي اتبعتها الجماعة وواجهاتها المحلية، ممّا جعل تفكيك هذه الشبكات العابرة للحدود أولوية قصوى لحماية الأمن القومي والسلم المجتمعي الأمريكي.
من واشنطن إلى عواصم الولايات... جغرافيا الحظر والادعاء القضائي
انطلقت الشرارة الأولى للتصعيد القانوني الفيدرالي عندما اتخذت وزارتا الخارجية والخزانة الأمريكيتان قراراً حاسماً بتصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين، في مصر والأردن ولبنان، كيانات "إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص"، مع إدراج الفرع اللبناني (الجماعة الإسلامية) "منظمة إرهابية أجنبية"، وهو التصنيف الأشد الذي يُجرّم قانونياً تقديم أيّ دعم مادي أو مالي لأعضائها.
هذا التحرك الفيدرالي لم يقف عند حدود واشنطن، بل حفّز حكام المدن والولايات على تفعيل صلاحياتهم الدستورية لملاحقة الكيانات المحسوبة على الجماعة داخل الحدود الأمريكية.
وتصدرت ولاية تكساس جبهة هذه المواجهة الولائية؛ إذ أصدر حاكمها غريغ أبوت إعلاناً رسمياً صنف بموجبه جماعة الإخوان ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير ("منظمتين إرهابيتين أجنبيتين "لارتباطهما الفكري والتنظيمي بحركة حماس والتنظيم الدولي للإخوان.
وتلا هذا الإعلان تحرك قضائي غير مسبوق قاده المدعي العام لولاية تكساس، كين باكستون، الذي رفع دعوى قضائية فيدرالية لحظر أنشطة (كير) وفروعها في مدن هيوستن ودالاس وأوستن، ومنعها من حيازة العقارات أو ممارسة أيّ أنشطة تجنيد وتعبئة داخل الولاية، مستنداً إلى اتهامها بانتهاك قوانين مكافحة الإرهاب وتورط قادتها التاريخيين في تمويل الإرهاب عبر مؤسسة الأرض المقدسة.
ولم تكن تكساس وحدها في هذا المضمار؛ إذ سارت ولاية فلوريدا بقيادة حاكمها رون ديسانتيس على النهج ذاته عبر إصدار قرارات مماثلة تصنف الجماعة "منظمات أجنبية" معادية للقيم الديمقراطية. وفي تطور لافت أصدر حاكم ولاية أوكلاهوما قراراً رسمياً بفتح تحقيق أمني واستخباراتي شامل حول أنشطة منظمة (كير) داخل الولاية وتتبع صلاتها التنظيمية والمالية المخفية بجماعة الإخوان المسلمين، ممّا يثبت أنّ الحظر بات يتحول إلى كرة ثلج تتسع رقعتها الجغرافية والقانونية داخل الولايات المتحدة.
تفكيك" الجهاد الحضاري"... تجفيف التمويل والغطاء الخيري
تستهدف هذه الإجراءات المتسارعة البنية التحتية لما تسمّيه أدبيات الإخوان "الجهاد الحضاري" داخل أمريكا الشمالية؛ وهو المخطط الذي كشفته وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) التاريخية التي عثر عليها في فرجينيا، والتي نصت على ضرورة تدمير الحضارة الغربية من الداخل عبر بناء التحالفات والتعاون مع المنظمات الإسلامية القائمة وتوطين لاهوت التمكين.
وتدرك اللجان القضائية في الكونغرس الأمريكي، وتحديداً اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ التي تستعد لعقد جلسة استماع كبرى بعنوان: "مختبئون على مرأى من الجميع... مواجهة شبكة جماعة الإخوان في أمريكا"، أنّ حجر الأساس في نفوذ الجماعة يكمن في استغلال ثغرات النظام المالي والخيري الأمريكي.
وتتجه الإجراءات الحالية نحو إلغاء الإعفاءات الضريبية والامتيازات القانونية التي تتمتع بها الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الربحية المحسوبة على الإخوان تحت البند الضريبي الفيدرالي. فقد طالب مشرعون بارزون، على رأسهم السيناتور الجمهوري توم كوتون، مصلحة الضرائب الأمريكية بفتح تحقيق شامل في الملاءة المالية والامتيازات الضريبية لمنظمة) كير) وباقي الكيانات الشبيهة، استناداً إلى أدلة تثبت تداخل أموال هذه الجمعيات مع شبكات تمويل إقليمية تخدم أجندات متطرفة.
هذا التحول من الجدل الإيديولوجي إلى الملاحقة الضريبية والمالية يمثل السلاح الأكثر فاعلية لتفكيك كارتلات التمويل الإخوانية التي ظلت لسنوات تتغذى على أموال التبرعات والغطاء القانوني للمنظمات الإنسانية.
ارتدادات الملاحقة... كيف يتأثر التنظيم بالضربات المتتالية؟
تلقي هذه الملاحقات بظلالها القاتمة على تماسك وقدرات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وحلفائه الإقليميين؛ إذ تتعدى الآثار القانونية المباشرة لتصيب شريان الحياة اللوجستي للجماعة بالعديد من التداعيات الهدامة:
أوّل هذه التأثيرات هو الشلل المالي التام؛ فحظر فروع الجماعة في مصر والشرق الأوسط، وملاحقة الكيانات الوسيطة في تكساس وفلوريدا وأوكلاهوما، يقيد حركة التدفقات المالية العابرة للحدود ويمنع غسيل الأموال تحت لافتات الإغاثة الإنسانية، ويضع كافة الحسابات المصرفية المرتبطة بالجماعة تحت الرقابة المباشرة لوزارة الخزانة الأمريكية.
وثاني التأثيرات يكمن في سحب البساط السياسي من تحت أقدام الجماعة؛ إذ يفقدها التصنيف صفتها التمثيلية للمجتمعات المسلمة في أمريكا، ويقطع قنوات تواصلها التاريخية مع صناع القرار في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، الذين باتوا يخشون الضرر البالغ لسمعتهم السياسية في حال تواصلهم مع منظمات مصنفة كواجهات للإرهاب.
علاوة على ذلك، تضع هذه الإجراءات قيوداً صارمة على حركة وتنقل أفراد الجماعة؛ إذ يتضمن المسار التشريعي الجديد بنوداً تمنع منح تأشيرات الدخول أو الإقامة لأعضاء جماعة الإخوان والكيانات المرتبطة بها، ممّا يغلق الساحة الأمريكية تماماً كمنطلق إعلامي أو ملاذ آمن للقيادات الهاربة من الشرق الأوسط، ويعمق أزمة "التنظيم الدولي "الذي بات يعيش أسوأ فترات انحساره التاريخي والجغرافي.
المناورة القانونية والهروب إلى المحاكم... كيف يردّ الإخوان؟
أحدثت القرارات الأمريكية المتلاحقة صدمة تنظيمية وسياسية كبرى في صفوف الإخوان وحلفائهم، ممّا دفعهم إلى استنفار كافة أدواتهم القانونية والمدنية المتاحة لخوض معركة بقاء أخيرة في الداخل الأمريكي.
وتمثلت ردة الفعل الفورية للواجهات الإخوانية في اللجوء إلى القضاء الفيدرالي؛ حيث أعلنت مؤسسات الدفاع القانوني التابعة لمنظمة (كير) والجمعيات القانونية الحليفة عن رفع دعاوى قضائية ضد حاكم ولاية تكساس غريغ أبوت والمدعي العام كين باكستون، معتبرين القرارات الصادرة "غير دستورية وتشهيرية" وتنتهك الحقوق المدنية وحرية الاعتقاد التي يضمنها الدستور الأمريكي للأقليات الدينية.
وفي السياق نفسه سارعت جبهة لندن وحساباتها الإعلامية الرديفة في أوروبا إلى إصدار بيانات تندد بالقرارات الأمريكية الفيدرالية والمحلية، واصفة إيّاها بالخطوات "الجائرة التي لا تستند إلى أدلة قانونية ملموسة"، في محاولة مستميتة لعرض القضية كصراع سياسي مدفوع بضغوط إقليمية من دول الشرق الأوسط الحليفة لواشنطن.
وتسعى الجماعة من خلال هذه المناورات إلى استدرار عطف المنظمات الحقوقية الغربية والترويج لمظلومية جديدة تدّعي استهداف المسلمين ككل، والالتفاف على التهم الجنائية والمالية المثبتة عبر التركيز على خطابات الحريات والدمج الاجتماعي، في محاولة يائسة لمنع الانهيار الكامل لشبكتها الفكرية والمادية المتغلغلة في الغرب.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%8A%D9%86%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_1_0_0_0.jpg.webp?itok=iY1QqH8K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1466250_0_3_1_0.jpg.webp?itok=dcmRun8p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A72_0_2.jpg.webp?itok=h0w8USWm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_47_0.jpg.webp?itok=vFKw8D1c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_32_0.jpg.webp?itok=sznCmwdm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2_1.jpg.webp?itok=AUtRWQwP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9_0_1_0_0.jpg.webp?itok=Ns028HJe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86_2_1.jpg.webp?itok=cpEfN7Kw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%86_8_1.jpg.webp?itok=FU8IbpzG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9_33_2.jpg.webp?itok=uQd1FL4U)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/_sD9pFcLZKy42tiHii0GMUtb0TSfPLIADhFudCwfeXIdCwr9ygmxFMv4XTC_A_vnBWHHVwfRjj8bOv-wlqi-Wiv4ChgYjI_l8pdgZC7dQPOWEsp9Qe1m69_BP07NNq98fANA9OWqiTH1ZUgOVckDZaoIcUwyzxWtS88IsxpG8ejRNCVTpF8xZIryQhNQUXqf%20%281%29.jpg.webp?itok=n5KOidFo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_5_1.jpg.webp?itok=uEAumhln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_15.jpeg.webp?itok=ynLHbJN7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_3_0.jpg.webp?itok=CtquzHfH)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41_2.jpg.webp?itok=Tr91I-3E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_101_0.jpg.webp?itok=w1E_uxR5)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/vHBrqn6XvDJxt9DOdYzvVGTAcmmAUit7q1VN-Kf5BJ9Pmec9vBS4Y6u9bn69lIseEd3cM85jiW3HfxNWobpJkT3uXkfyaUXWMmiMTd2mLnkzT0rvTq5jQyLJ69ZCIHVK7giU4cAQlTOzo3CfuxeULhfRRf7HzVGFDErly3CjGYayHgR3srX1RMVP4TPHyWH2.jpg.webp?itok=KuTN_Scm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5e42a19cc2_1.jpg.webp?itok=l0nMHCkV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_3.jpg.webp?itok=ZtcTiEs_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4%20_0_0.jpg.webp?itok=uoeFySPp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
