
لم تكن الفتاة نور أحمد تحتاج، وهي في سن الخامسة عشرة من عمرها، إلى بيت زوج ومسؤوليات أسرة، بل كانت تحتاج إلى مقعد في المدرسة، ودفتر جديد، وصديقات تكبر معهن، لكنّ الحرب أعادت ترتيب حياتها قبل أن تفعل هي ذلك بنفسها.
وأغلقت أبواب طفولة نور مبكراً، فالفتاة النازحة كانت تحب الدراسة، وتفرح كلما حصلت على علامة جيدة، قبل أن تجد نفسها أمام قرار الزواج الذي لم تختره بنفسها، ولكن أجبرت على القبول به.
التقينا نور وهي عائدة تحمل بعضاً من قطع الكرتون والنايلون لوالدتها التي تستخدم هذه القطع لطهو الطعام، وعندما تبادلنا الحديث معاً انهارت بالبكاء، وغمرت الدموع وجهها، وقالت: أريد الانفصال، لا يمكنني الاستمرار في هذه الحياة، الموت أهون من العودة إلى خيمة زوجي.
لم تكن نور مستعدة لتحمل مسؤوليات الزواج والأسرة، ففي الوقت الذي كانت فيه صديقاتها يذهبن إلى المدرسة ويلتقين بزميلاتهن، أصبحت هي تقضي معظم يومها داخل الخيمة، تتحمل أعمالاً ومسؤوليات أكبر من عمرها، ومع مرور الوقت بدأت تشعر بأنّها فقدت جزءاً كبيراً من طفولتها، توقفت عن الدراسة، وابتعدت عن صديقاتها، وأصبحت تشعر بالعزلة والقلق والخوف، وبعد أقلّ من عام، تفكر نور في إنهاء الزواج، بعدما وجدت نفسها أمام حياة لم تخترها، وعنف لم تكن تعرف كيف تهرب منه.
وفي ظل النزوح والفقر وغياب والدها، وجدت والدتها نفسها أمام قرار قالت إنّه كان الأصعب، زوّجت ابنتها لتخفيف الأعباء عن أسرة تضم9 أفراد. تقول أم يوسف: إنّ زوجي فُقد أثره خلال الاقتحام الثاني لمستشفى الشفاء، ومنذ ذلك الوقت لم أتمكن من معرفة مصيره إن كان حياً أو ميتاً، وبينما وجدت نفسي مسؤولة عن أسرة تضم 9 أفراد من دون مصدر دخل، رأيت في تزويج ابنتي خياراً قاسياً لتخفيف الأعباء الاقتصادية.
في غزة، ترى بعض الأسر التي دفعتها الحرب إلى النزوح والفقر وانعدام الاستقرار، في الزواج المبكر وسيلة لحماية بناتها، أو تخفيف الأعباء الاقتصادية، لكن ما يقدّم بوصفه حماية، قد يتحول بالنسبة إلى الفتاة إلى بداية معاناة جديدة، قصة نور واحدة من قصص فتيات في غزة دخلن الزواج في سن مبكرة، ويواجهن ظروفاً حياتية قاسية.
الفتاة القاصرة شريهان علي 17 عاماً عبّرت في حديثها لـ "حفريات" عن "ندمها الشديد بسبب تجربة الزواج التي شكلت لها معاناة شديدة، خاصة بعد أن خاضت تجربة حمل سيئة، وتحتاج لمن يساعدها في تربية طفلها الذي لم تعرف كيف تتعامل معه".
ومع تفاقم ظروف حياتها، تواظب شريهان على الحضور لإحدى الإخصائيات النفسيات لتفريغ همّها، محاولة إنقاذها من الواقع الصعب الذي تعيشه، وإيجاد مخرج بدون عنف، خاصة في ظل صعوبة شرح معاناتها لوالديها، خوفاً من تعرضها للضرب".
ولم تُخفِ شريهان "أنّها حاولت أكثر من مرة شرب أدوية لإجهاض جنينها، إلى جانب تناولها سمّ الفئران لإنهاء حياتها التي وصفتها بالجحيم، فهي تفضل الموت على الحياة التي لا تعرف كيف تتأقلم معها".
بالنسبة إلى القانون الفلسطيني ودوره في تحديد سن الزواج، فقد صدر عام 2019 قانون رقم (21) لتحديد سن الزواج من 18 عاماً، لكنّ الاستثناءات القانونية تحت ذريعة الضرورة ومصلحة الطرفين، أفرغت القانون من مضمونه، وأبقت الباب مفتوحاً أمام الظاهرة، وما زال هذا الاستثناء مفتوحاً في غزة لزواج القاصرات، تحت مبررات تتعلق بالحرب والنزوح، والظروف المعيشية والخوف من العنف.
تتحدث مروة محمد، وهي إخصائية نفسية تعمل في مركز حيدر عبد الشافي الصحي، عن "تصاعد ظاهرة زواج القاصرات خاصة بين النازحين في الخيام، وتعرّض نسبة كبيرة جداً للعنف، وتوافد أعداد إلى المركز يومياً من أجل تفريغ الضغوط ومحاولة مساعدتهن على تجاوز عقبات الحياة القاسية التي غالباً ما تنتهي إمّا بالانفصال، وإمّا احتمالية الموت نتيجة الضرب والعنف الشديد".
وتشير في حديثها لـ "حفريات" إلى أنّ "زواج الأطفال يزيد تعرّض الفتيات للعنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث تظهر على أجساد العديد من الفتيات آثار خطيرة، منها الإصابات الجسدية، إضافة إلى آثار نفسية شديدة".
وتضيف أنّ "الزواج المبكر قد يرتبط بترك المدرسة، والعزلة الاجتماعية، ومخاطر صحية ونفسية أكبر، ويزيد من تعرّض الفتيات للعنف والاستغلال، وأيّ محاولة لرفض طلبات الزوج تعرّضها للضرب والإهانة".
وتقول الطبيبة مها بشير: "أصعب حالات الولادة التي تأتي إلى المستشفى هي لفتيات متزوجات في سن مبكر، وتعاني من صعوبة تطبيق إرشادات الفريق الطبي خاصة خلال الولادة الطبيعية".
وتضيف في حديثها لـ "حفريات": "نواجه حالات لفتيات صغيرات، يتعرضن للحمل والولادة، وهنّ أصلاً يعانين من سوء التغذية، وفقر الدم، والإرهاق النفسي، وفي هذه السن يكون الجسم أكثر عرضة لبعض مضاعفات الحمل والولادة، بسبب عدم اكتمال النمو الجسدي".
في غزة، خسرت نور مقعدها في المدرسة قبل أن تصل إلى العمر الذي يسمح لها بفهم معنى الحياة الزوجية، وخسرت شريهان سنوات كان يفترض أن تتعلم فيها وتكتشف نفسها، لتجد نفسها أمّاً تبحث عمّن يساعدها على فهم مسؤوليات لم تكن مستعدة لها، قد تختلف قصص الفتيات، لكنّ السؤال يبقى واحداً: ماذا يبقى من الطفولة حين تُدفع الفتاة إلى الزواج، قبل أن تحصل على الوقت الكافي لتعيشه؟.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9_0_1_0_0.jpg.webp?itok=Ns028HJe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A72_0_2.jpg.webp?itok=h0w8USWm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86_2_1.jpg.webp?itok=cpEfN7Kw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_47_0.jpg.webp?itok=vFKw8D1c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2_1.jpg.webp?itok=AUtRWQwP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_32_0.jpg.webp?itok=sznCmwdm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1466250_0_3_1_0.jpg.webp?itok=dcmRun8p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%8A%D9%86%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_1_0_0_0.jpg.webp?itok=iY1QqH8K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1_0.jpg.webp?itok=7Qv6UtPf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_15.jpeg.webp?itok=ynLHbJN7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_5_1.jpg.webp?itok=uEAumhln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/_sD9pFcLZKy42tiHii0GMUtb0TSfPLIADhFudCwfeXIdCwr9ygmxFMv4XTC_A_vnBWHHVwfRjj8bOv-wlqi-Wiv4ChgYjI_l8pdgZC7dQPOWEsp9Qe1m69_BP07NNq98fANA9OWqiTH1ZUgOVckDZaoIcUwyzxWtS88IsxpG8ejRNCVTpF8xZIryQhNQUXqf%20%281%29.jpg.webp?itok=n5KOidFo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9_33_2.jpg.webp?itok=uQd1FL4U)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_3_0.jpg.webp?itok=CtquzHfH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41_2.jpg.webp?itok=Tr91I-3E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_101_0.jpg.webp?itok=w1E_uxR5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/vHBrqn6XvDJxt9DOdYzvVGTAcmmAUit7q1VN-Kf5BJ9Pmec9vBS4Y6u9bn69lIseEd3cM85jiW3HfxNWobpJkT3uXkfyaUXWMmiMTd2mLnkzT0rvTq5jQyLJ69ZCIHVK7giU4cAQlTOzo3CfuxeULhfRRf7HzVGFDErly3CjGYayHgR3srX1RMVP4TPHyWH2.jpg.webp?itok=KuTN_Scm)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5e42a19cc2_1.jpg.webp?itok=l0nMHCkV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_3.jpg.webp?itok=ZtcTiEs_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4%20_0_0.jpg.webp?itok=uoeFySPp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
