ما السر الغامض لعام 1938 والتحول في عمل جماعة الإخوان؟

الإخوان المسلمون

ما السر الغامض لعام 1938 والتحول في عمل جماعة الإخوان؟


28/08/2019

مثّل العام 1938 لحظة تحوّل مهمّة في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين؛ ففيه انتقلت من العمل الدعوي إلى العمل السياسي، ومن العمل الخيري إلى العمل المسلح، ومن العمل العلني إلى العمل السرّي، ورغم تعرّض الإخوان فيما بعد لعدة تحولات مختلفة، فكرياً وتنظيمياً، لكن يظلّ هذا التحول هو الأهم والأخطر والأكثر غموضاً في تاريخهم.

اقرأ أيضاً: إيران و"الإخوان".. وتفتيت الدول
أُسّست جمعية الإخوان المسلمين العام 1928 بالإسماعيلية، وأكّدت في لائحتها المعتمدة العام 1930 أنّها جمعية لا تتعرض للشؤون السياسية، أياً كانت، ولا للخلافات الدينية، ولا صلة لها بفريق معين؛ فهي للإسلام والمسلمين في كلّ مكان وزمان، وأنّ أغراض الجمعية وأهدافها تنحصر في إصلاح حال المسلمين في فروع حياتهم الاجتماعية والخُلُقية، وتشجيع أعمال الخير؛ كمساعدة الفقراء، وتجهيز الموتى، ومعاونة المشروعات الخيرية النافعة، والقيام بها كلّما أمكن، والمساهمة في بناء المساجد والكتاتيب، والعمل على محو الأمية، لهذا استقبلهم المجتمع المصري بالترحاب، ولم يجد غضاضة في الانتماء إليهم.

 

وبعد مرور عشرة أعوام، قام المؤسس حسن البنا، وبشكل مفاجئ، بتغيير أهداف ومسارات عمل الجمعية، وذلك بإعلانها دخول معترك الحياة السياسية، أعلن ذلك دون أيّ حوار مع قيادات الجماعة، أو مشاركة مع القواعد، زاعماً أنّ هذه الأهداف الجديدة ليست جديدة، بل هي أهدافه الحقيقية التي آمن بها، والتي من أجلها أنشأ جماعة الإخوان.

 

مثّل العام 1938 لحظة تحوّل مهمّة في تاريخ الجماعة ففيه انتقلت من العمل الدعوي إلى السياسي

أُعلن هذا التحول في "المؤتمر الخامس" الذي عقده العام 1938، بتصريحه أنّ الجماعة تضع الحكم والوصول إليه هدفاً وغاية للجمعية؛ لأنّ الحكم ركن من أركان الإسلام في معتقد الإخوان المسلمين، وأنّ غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم (الإخوان)، أو الإسلام الصحيح، وأنّ وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم، كما أعلن بصورة ما؛ استخدام الإخوان العنف والقوة، فيقول: "الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية؛ حيث لا يجدي غيرها، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كلّ نتائج موقفهم هذا، بكلّ رضى وارتياح"، ويعود فيؤكّد أنّ مجال عمله هو الحكم بقوله: "فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كلّ حكومة لا تنفذ أوامر الله".
فما الداعي لهذا التحول الحادّ، الغريب والمريب، في فكر وتنظيم الإخوان؟ وما العائد على جماعة دينية عندما يتم الزجّ بها في حلبة العمل السياسي؟
لتحليل الموقف يمكن عرض بعض الملاحظات على هذا التحول:
الملاحظة الأولى: الادّعاء بأنّ العمل السياسي كان هدفاً للإخوان من البداية

عندما قرر حسن البنا العمل في حقل السياسة، زعم أنّ هذا لا يتعارض مع أهداف الجماعة، وقدّم مبررات تلفيقية، فخلال العشرة أعوام السابقة للمؤتمر الخامس، كان الخطاب العام للإخوان، بحسب قول جمعة أمين في كتاب "أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين"، الجزء الثالث، ص 23، كان حسن البنا والإخوان المسلمون مهتمّين بالوعظ الديني فحسب، والانشغال بإنشاء المساجد والمدارس والكتاتيب لا غير، وتقوية الفضائل الخلقية، والتحذير من الاندفاع وراء المدنية الحديثة، ولم تُعرف عنه أيّة محاولة لتثقيف أتباعه سياسياً، أو محاولة للاقتراب بهم إلى عالم السياسة والأحزاب، ولو من منظور إسلامي، ولم يُكسِب نفسه، أو أيّ من أتباعه، أيّة خبرة سياسية، فكيف يمكن أن نصدّق أنّه كان يضمر العمل في السياسة؟ بل الأقرب أنّه استقدم جهة ما للعمل في السياسة كظهير شعبي.

الملاحظة الثانية: التحول للعمل السياسي بأفراد غير سياسيين

إعلان البنا دخوله عالم السياسة كان من باب الحرب على الأحزاب، وهي حرب لا هوادة فيها، كما ذكر من قبل، أم هل من المنطقي أن يعدّ أفراده لهذا المجال؟ هل من المعقول الدخول في غمار السياسة والاشتباك في معارك مع الأحزاب دون سياسيين من ذوي الخبرة البسيطة؟ هل كان من الطبيعي أن يخوض حرباً سياسية بأفراد لم يمارسوا السياسة؟ ولم يُعرف عنهم ميلهم للعمل السياسي أصلاً؟ وهل من المنطق أن يقود عملاً سياسياً وهو ذاته لم يُعرف عنه أنّه مارس عملاً سياسياً أو ثورياً؟ من المؤكّد أنَّ هناك سرّاً غامضاً دفع البنا لهذا التحول.
الملاحظة الثالثة: التسرّع في تجهيز التنظيم للمهمة الجديدة
حاول حسن البنا تجهيز الجماعة للقيام بدورها الجديد في عالم السياسة، لكن تجهيزاته تمّت بشكل سريع ومتعجل جداً، ولم تقم بأدوارها كما ينبغي، إلا العام 1942؛ بعد أن أسّس العام 1937 "قسم الاتصال بالعالم الخارجي"، بحسب شهادة توفيق الشاوي، في كتابه المثير "مذكرات نصف قرن من العمل الإسلامي"، ثمّ أسّس وكوّن "النظام الخاص المسلح" العام 1938، ثمّ عقد مؤتمراً لطلبة الإخوان المسلمين، في شباط (فبراير) 1938، ثم كتب "رسالة المنهج"، في نيسان (أبريل) 1938، ثم انتقل المركز العام إلى ميدان العتبة، بدلاً من حي الناصرية في السيدة زينب! ثمّ أنشأ مجلة "النذير"؛ التي كتب في عددها الأول، في أيار (مايو) 1938، شرحاً جديداً لـ "مفهوم شمولية الإسلام"، بشكل يخدم الدور الوظيفي الجديد المقدِم عليه، ويذكر الدكتور عبد العظيم رمضان، في كتابه "الإخوان والتنظيم السري"؛ أنّ حسن البنا كتب في العدد الأول نفسه، مخاطباً الإخوان، قائلاً: "إلى الآن، أيّها الإخوان، لم تخاصموا حزباً، ولا هيئة، كما أنّكم لم تنضموا إليهم كذلك، أما اليوم؛ فستخاصمون هؤلاء جميعاً، سواء في الحكم، أو خارجه، خصومة شديدة، فإن لم يستجيبوا لكم، ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجاً يسيرون عليه ويعملون له، فإما ولاء وإما عداء".

اقرأ أيضاً: أحداث الزاوية الحمراء.. عندما رقص الإخوان على أطلال المذبحة
ويقول حسن البنا، في مذكرات "الدعوة والداعية": "نحن نخوض حرباً ضدّ كلّ زعيم أو رئيس حزب أو هيئة، لا يعملون على نصرة الإسلام، ولا يسيرون في طريق استعادة حكم الإسلام، وسنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة".
ربّما في هذين النصَّين ما يشير إلى طبيعة الدور (المخفي عنا)، المنوط به وبجماعته؛ وهو هدم الأحزاب والأشخاص اللامعة سياسياً! فعندما يخاطب البنا أتباعه ويحرضهم على الأحزاب والاشخاص والهيئات باسم الدين، لا يمكننا اعتبار أنّ هذا عمل سياسي! فضلاً عن أن يكون تجهيزاً لممارسة سياسية، ثمّ يكتب البنا رسالة "التعاليم"، في تموز (يوليو) 1938، وهي رسالة سرية للتنظيم السري المسلح للإخوان المسلمين، قدم فيها شرحاً خاصاً للبيعة، وللعمل في جماعة الإخوان المسلمين.
ثم يعقد مؤتمراً في المنصورة للإخوان المسلمين، وآخر في أسيوط، ليمهّد لهم تحولاته لعالم السياسة، مخافة الهجوم عليه، أو تفكّك الجماعة، ثم يختتم كلّ هذا بالمؤتمر الخامس، في شباط (فبراير) 1939، بحسب ما جاء في كتاب "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ".

الخلاصة

حسن البنا لم يجهّز الجماعة، ولم يعدّها للعمل في السياسة، وانحصر نشاطه في الخطب والمحاضرات، ودخوله لعالم السياسة جاء سريعاً متعجلاً، وخطابياً انفعالياً، تمّ على ما يبدو دون تخطيط أو مرحلية، أو على الأقل دون استعداد أو إعداد مناسب، وعندما أراد تجهيز الجماعة جهزها تنظيمياً على عجل، ومعلوم أنّ حسن البنا كان حصيفاً، ولم يكن مغامراً، ولا مقامراً، فما السرّ وراء هذا التغيير السريع الذي كاد أن يهدم الجماعة ذاتها، والذي دفع حسن البنا حياته بعد عشرة أعوام ثمناً له؟

اقرأ أيضاً: هل ستنفذ جماعة الإخوان وعدها بتحويل تنظيمها إلى تيار عام؟
فهل كان حسن البنا قادراً على اتخاذ كلّ هذه الخطوات المتسارعة إن لم يكن له ظهير قوي يحميه ويؤيده؟ ولماذا يبدو وهو يهاجم الأحزاب آمناً مطمئناً؟ مَن المستفيد من دوره الوظيفي الذي أعلنه بنفسه ويتلخص في هدم الأحزاب أو التحريض عليها؟ ومَن المستفيد من إطفاء جذوة الروح الوطنية الوثابة التي بدأت تدبّ في مصر؟
  للإجابة عن هذه الأسئلة، وغيرها، لا بد من العودة إلى ما قبل هذا التاريخ بعامَين، وهذا ما سنتعرض له في المقال القادم.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية