"بروباجندا الانهيار".. سنوات من نبوءات الإخوان الكاذبة

"بروباجندا الانهيار".. سنوات من نبوءات الإخوان الكاذبة

"بروباجندا الانهيار".. سنوات من نبوءات الإخوان الكاذبة


10/09/2026

عزوز الديب

كل مرة يواجه فيها الاقتصاد المصري ضغوطًا جديدة، تعود إلى الواجهة رواية بصناعة إخوانية تبدو وكأنها محفوظة عن ظهر قلب: الجنيه في طريقه إلى الانهيار، الاقتصاد يقترب من الإفلاس، الاستثمارات تغادر، والدولة عاجزة عن تجاوز أزمتها.

تتغير الأحداث، وتتبدل طبيعة الأزمات، لكن النتيجة التي تطرحها المنصات التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية تظل واحدة تقريبًا: الاقتصاد على وشك السقوط، غير أن المشكلة الأساسية في هذه الرواية لا تكمن في انتقاد الأداء الاقتصادي، فالاقتصاد المصري يواجه بالفعل تحديات معقدة لا يمكن إنكارها، وإنما في تحويل كل أزمة أو مؤشر سلبي إلى حكم نهائي على مستقبل الاقتصاد، مع تجاهل بقية الصورة والمؤشرات التي قد تقود إلى استنتاج مختلف تمامًا.


فالاقتصاد لا يُقاس برقم واحد، ولا يمكن تقييم قدرته على الاستمرار من خلال سعر صرف أو معدل تضخم أو حجم دين بمعزل عن باقي المؤشرات.

من تشخيص الأزمة إلى استغلالها سياسيًا

هناك فارق كبير بين النقد الاقتصادي الذي يبحث عن أسباب المشكلة وسبل علاجها، وبين الخطاب الذي يستخدم المشكلة نفسها لإنتاج حالة دائمة من فقدان الثقة.

وعلى مدار السنوات الماضية، اعتمد الخطاب الإخواني بدرجة كبيرة على النموذج الثاني؛ إذ تتحول الأزمات المعيشية إلى مادة للتعبئة، وتتحول الأرقام السلبية إلى عناوين صادمة، بينما تختفي من المشهد بقية المؤشرات المتعلقة بالنمو والاستثمار والاحتياطيات والتمويل والقدرة على الوفاء بالالتزامات.

واللافت أن هذا الخطاب نادرًا ما يقدم تصورًا اقتصاديًا متكاملًا يمكن اختباره أو مقارنة نتائجه بالسياسات القائمة. فالمشكلة تُعرض، لكن البديل لا يحضر، والتحذير من الانهيار يتكرر، دون تحديد واضح لما يفترض أن يكون عليه المسار الاقتصادي البديل.

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: ماذا تقول المؤسسات التي تتابع الاقتصاد المصري من خلال البيانات والمؤشرات والبرامج التمويلية، وليس من خلال الخطاب السياسي؟.

المؤسسات الدولية لا ترى الصورة بالطريقة نفسها

لو كانت الصورة بالفعل كما تقدمها رواية «الانهيار الوشيك»، لكان من الطبيعي أن تنعكس هذه الرؤية على تعامل المؤسسات المالية الدولية مع الاقتصاد المصري.

لكن مسار العلاقات مع المؤسسات الدولية يقدم صورة أكثر تعقيدًا، فصندوق النقد الدولي استمر في متابعة برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري وإجراء مراجعاته، بينما واصل البنك الدولي تقديم التمويل والدعم لمشروعات وبرامج تستهدف الإصلاح الاقتصادي وتعزيز القطاع الخاص والنمو وخلق فرص العمل.

وهذه القرارات لا تعني أن المؤسسات الدولية تعتبر الاقتصاد خاليًا من المخاطر، أو أن جميع مشكلاته قد انتهت، لكنها تعني شيئًا مختلفًا تمامًا عن سيناريو الانهيار الكامل: وجود اقتصاد يواجه ضغوطًا كبيرة، لكنه لا يزال يمتلك مقومات الاستمرار، وتوجد برامج وسياسات تستهدف معالجة نقاط الضعف وتحسين قدرته على التعافي.

ومن هنا تصبح المقارنة بين الخطابين واضحة، فهناك خطاب يبدأ من النتيجة ثم يبحث عن الأرقام التي تؤيدها، في مقابل مؤسسات تبدأ من البيانات ثم تبني تقييمها على مجموعة واسعة من المؤشرات.

لا يمكن فصل الاقتصاد عن العالم

ومن أكثر النقاط التي تكشف محدودية القراءة الدعائية للأزمات الاقتصادية، التعامل مع الاقتصاد المصري وكأنه يعمل داخل فراغ بعيدًا عن التطورات الدولية، فموجة التضخم العالمية التي أعقبت جائحة كورونا لم تكن ظاهرة مصرية، كما أن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد أثرت على اقتصادات عديدة حول العالم.

وبالمثل، فإن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية فرضت ضغوطًا واسعة على الأسواق العالمية، بينما انعكست التوترات الإقليمية الأخيرة، خصوصًا في منطقة البحر الأحمر، على حركة التجارة العالمية وإيرادات قناة السويس.

لكن اختزال هذه التطورات في قرارات الحكومة المصرية وحدها يؤدي إلى قراءة مبتورة للمشهد، فمن الصعب فهم أداء أي اقتصاد دون وضعه في سياق البيئة العالمية التي يتحرك داخلها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسعار الطاقة والغذاء، وحركة التجارة، وتدفقات رؤوس الأموال، وأسعار الفائدة العالمية، والأزمات الجيوسياسية.

البنية التحتية ليست مجرد فاتورة إنفاق

من الملفات التي تعرضت لهجوم مستمر أيضًا مشروعات الطرق والموانئ والمدن الجديدة والمناطق الصناعية واللوجستية، وتقوم الحجة الدعائية غالبًا على سؤال بسيط: كم أنفقت الدولة؟ ثم يُستخدم الرقم باعتباره دليلًا على عدم جدوى هذه المشروعات، لكن التقييم الاقتصادي للبنية التحتية لا يتوقف عند تكلفة الإنشاء.

فالطرق الجديدة، والموانئ، وشبكات النقل والطاقة والاتصالات، والمناطق الصناعية واللوجستية، يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في تكلفة نقل البضائع، وسرعة حركة التجارة، وكفاءة الإنتاج، وقدرة المستثمر على إقامة وتشغيل مشروعاته، ولهذا فإن المستثمر لا ينظر فقط إلى الحوافز أو الضرائب، وإنما يضع ضمن حساباته جودة البنية التحتية وتوافر الطاقة وسهولة النقل والوصول إلى الأسواق.

وبالتالي فإن الحكم على أي مشروع اقتصادي يتطلب النظر إلى تكلفته من جهة، ووظيفته والعائد المباشر وغير المباشر المتوقع منه من جهة أخرى.

الدين العام.. الرقم وحده لا يكفي

الأمر نفسه ينطبق على قضية الدين العام، التي تحولت إلى أحد أكثر الملفات استخدامًا في الخطاب السياسي والاقتصادي المعارض، فالإعلان عن ارتفاع حجم الدين قد يكون مؤشرًا يستحق الدراسة، لكنه لا يمثل بمفرده حكمًا على قدرة الدولة على السداد أو على مستقبل الاقتصاد.

التحليل المالي ينظر إلى مجموعة أوسع من العناصر: آجال الاستحقاق، وتكلفة خدمة الدين، ونسبة الدين إلى الناتج، ومصادر الإيرادات، والفائض الأولي، والاحتياجات التمويلية، وحجم الاحتياطيات، والقدرة على جذب التمويل والاستثمار.

والسؤال الحقيقي ليس فقط «كم يبلغ الدين؟»، وإنما «هل يستطيع الاقتصاد إدارة هذا الدين والوفاء بالتزاماته؟ وما المسار الذي تسلكه المالية العامة لتقليل المخاطر؟».

وهنا أيضًا تختلف القراءة المهنية عن الاستخدام الدعائي للرقم؛ فالأولى تبحث في الاستدامة، بينما الثانية قد تكتفي بإبراز الرقم الأكبر والأكثر إثارة للقلق.

ماذا تقول المؤشرات بعيدًا عن العناوين؟

الصورة التي ترسمها المؤسسات الدولية ليست وردية، لكنها في الوقت نفسه ليست صورة اقتصاد يتجه حتميًا إلى الانهيار.

التقييمات الدولية عادة ما تشير إلى أن الاقتصاد المصري مر خلال السنوات الأخيرة بمرحلة شديدة الصعوبة، نتيجة تراكم ضغوط داخلية وخارجية، لكنه أظهر قدرة على التكيف، مع تحسن بعض المؤشرات تدريجيًا واستمرار مسار الإصلاح.

ومن بين الملفات التي تحظى باهتمام واضح السيطرة على التضخم، وتحسين وضع الاحتياطيات الأجنبية، وتعزيز دور القطاع الخاص، ورفع كفاءة المالية العامة، وزيادة قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات.

وفي المقابل، تحذر المؤسسات نفسها من تحديات لم تختفِ، مثل ارتفاع تكلفة التمويل، والحاجة إلى زيادة الاستثمارات الخاصة، وضمان استمرار الإصلاحات، والحفاظ على مستويات مناسبة من الحماية الاجتماعية، إلى جانب تأثير الأوضاع الإقليمية على بعض مصادر النقد الأجنبي.

وهذا تحديدًا هو الفارق بين التحليل الاقتصادي والدعاية السياسية: التحليل الجاد يمكنه الاعتراف بالمشكلة وبالتقدم في الوقت نفسه.

المشكلة ليست في وجود الأزمة.. بل في طريقة تفسيرها

ليس من المنطقي إنكار الضغوط التي مر بها الاقتصاد المصري، كما أن ارتفاع الأسعار أو تراجع القوة الشرائية أو زيادة تكلفة المعيشة قضايا حقيقية يشعر بها المواطن ولا يمكن التعامل معها بالشعارات، لكن وجود هذه المشكلات لا يعني تلقائيًا أن الاقتصاد يتجه إلى الإفلاس أو الانهيار، فبين الحالتين مساحة واسعة من المؤشرات التي يجب فحصها قبل إصدار الحكم.

وهنا تحديدًا تظهر مشكلة الخطاب الذي يعتمد على الانتقاء: اختيار المؤشر السلبي، تضخيمه، فصله عن سياقه، ثم تقديمه باعتباره الدليل النهائي على فشل الاقتصاد، مع تجاهل المؤشرات الأخرى التي قد لا تخدم الرواية نفسها.

والنتيجة هي استبدال التحليل الاقتصادي الحقيقي بسردية سياسية جاهزة.

الأرقام في النهاية هي الفيصل

الاقتصاد المصري يواجه تحديات حقيقية، وبعضها شديد التعقيد، ولا توجد مؤسسة دولية جادة تدعي عكس ذلك، لكن في المقابل لا تعكس البيانات والمؤشرات صورة اقتصاد فقد القدرة على الاستمرار أو أصبح على أبواب انهيار حتمي.

الأقرب إلى الواقع هو اقتصاد يخوض مرحلة إصلاح مكلفة وسط بيئة دولية وإقليمية مضطربة، ويحاول معالجة اختلالات تراكمت عبر سنوات، مع استمرار وجود مخاطر تتطلب سياسات أكثر كفاءة وإصلاحات مستمرة.

ولهذا فإن الحكم على التجربة الاقتصادية لا ينبغي أن يصدر من عنوان دعائي، ولا من رقم منفرد، ولا من توقع سياسي سبق الأحداث.

المعيار الأكثر موضوعية يظل هو قدرة الاقتصاد على التعامل مع أزماته، وتحسين مؤشراته، والوفاء بالتزاماته، وجذب الاستثمار، ورفع معدلات النمو، وتحويل الإصلاحات إلى نتائج ملموسة للمواطن.

في النهاية، قد تختلف الآراء حول السياسات الاقتصادية ودرجة نجاحها، لكن الحقيقة لا تُحسم بكثرة تكرار عبارة «الانهيار»، وإنما بما تقوله البيانات عندما تُقرأ كاملة وفي سياقها.

اليوم السابع




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية