
لا تُخطئ جماعة الإخوان المسلمين في توصيف الوقائع بقدر ما تُخطئ ـ عن عمد ـ في ترتيبها أخلاقياً. فالمشكلة في خطاب الجماعة ليست الكذب الصريح، بل تجزئة الحقيقة، واستخدام كل جزء منها في التوقيت الذي يخدم أجندتها السياسية والتنظيمية.
هكذا تتحول القيم الكبرى ـ كرفض التطبيع، أو مقاومة الهيمنة، أو الالتزام بالشريعة ـ إلى شعارات مرنة، قابلة للتمدد والانكماش، تبعاً لموقع الجماعة من السلطة والصراع.
تغريدات الأكاديمي والقيادي الإخواني الموريتاني المقيم في قطر، محمد المختار الشنقيطي، تقدّم نموذجاً نادراً لهذه الازدواجية؛ إذ تكشف، دون مواربة، كيف يمكن للخطاب الواحد أن يُدين سلوكاً سياسياً في سياق، ثم يُبرر سلوكاً مماثلاً ـ أو أشدّ ـ في سياق آخر، تحت عناوين مختلفة.
خطاب الإدانة المشروط
في تموز (يوليو) 2025 يكتب الشنقيطي تغريدة مطولة يدافع فيها عن الرئيس السوري أحمد الشرع، معتبراً أنّ سبب "محاربته" هو رفضه التطبيع مع إسرائيل، ورفضه التنازل عن الجولان، وعدم انخراطه في مشاريع تخدم الغرب. وفق هذا التصور، يُعاد تفسير الصراع السوري بوصفه عقاباً أخلاقياً على التمسك بالمبدأ.
هذه القراءة لا تكتفي بتبسيط الواقع، بل تُسقط عمداً شبكة التعقيدات السياسية والعسكرية والإقليمية، لتحصر كل شيء في معيار واحد: الموقف من إسرائيل. وهنا تصبح الحقيقة اختزالية، لا تحليلية، تُستخدم لتثبيت سردية مسبقة لا لاختبارها.
بعد أشهر، في كانون الثاني (يناير) الجاري، ينتقل الشنقيطي إلى خطاب مختلف تماماً، مشبّهاً وضع أحمد الشرع الحالي ببدايات حكم رجب طيب أردوغان عام 2003. يعترف بوجود "تكيفات صعبة"، لكنّه يطمئن جمهوره بأنّ "حصاد العهد سيكون خيراً كثيراً".
المفارقة هنا أنّ النموذج التركي، الذي يُقدَّم بوصفه مثالاً ناجحاً، قام ـ منذ البداية ـ على شبكة علاقات مع الغرب وإسرائيل، شملت تعاوناً عسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً واسعاً.
أي أنّ العامل الذي اعتُبر سبباً في "معاقبة" الشرع، لم يكن عائقاً أمام "نجاح" أردوغان. هذا التناقض لا يُعالَج في الخطاب، بل يُتجاهل، لأنّ المقارنة ليست أداة تحليل، بل وسيلة تطمين سياسي وإيديولوجي.
يعكس هذا التباين نمطاً أوسع في فكر جماعة الإخوان تجاه التطبيع مع إسرائيل. فالتطبيع، في الخطاب الدعوي، يُقدَّم كخط أحمر أخلاقي، وجريمة سياسية. لكنّه، في الخطاب السياسي الواقعي، يتحول إلى مسألة "تقدير مواقف"، أو "مرحلة مؤقتة"، أو "تكتيك لا يمسّ الثوابت".
القاعدة هنا ليست رفض التطبيع أو قبوله، بل من يقوم به ولمصلحة من. فإذا صدر عن خصوم الجماعة، يُدان أخلاقياً، وإذا صدر عن حلفائها أو نماذجها الملهمة، يُعاد تأطيره بلغة الواقعية السياسية.
عندما تسقط الفتوى أمام الرغبة في السلطة
يتجلى المنطق ذاته في الموقف من القروض الربوية. فالجماعة بنت، لعقود، خطاباً دينياً صارماً ضد الاقتراض من المؤسسات الدولية، واعتبرته شكلاً من أشكال التبعية والربا المحرم. غير أنّ هذا الخطاب انهار عملياً مع وصول محمد مرسي إلى الحكم في مصر عام 2012.
لم يكن التفاوض مع صندوق النقد الدولي مجرد خطوة اقتصادية، بل لحظة كاشفة: إذ لم تُقدَّم مراجعة فكرية جادة، ولم تُطرح مساءلة داخلية، بل جرى ببساطة استدعاء "فقه الضرورة". هنا لم تتغير القاعدة، بل تغيّر موقع الجماعة، فتغيّر معها الحكم.
لم يعد فقه الضرورة في خطاب جماعة الإخوان المسلمين استثناءً فقهياً يُلجأ إليه في الحالات القصوى، بل تحوّل إلى مظلة واسعة تُسوَّغ تحتها قرارات سياسية تتناقض صراحة مع الخطاب الديني الذي روّجت له الجماعة لعقود.
فالضرورة، في هذا السياق، لا تُعرَّف بوصفها خطراً داهماً يهدد حياة الناس أو كيان المجتمع، بل تُختزل في تهديد يطال التنظيم نفسه، أو مشروعه السياسي. ومع هذا التحول، فقد المفهوم وظيفته الأصلية كأداة ضبط أخلاقي، ليصبح وسيلة مرنة لتعليق الأحكام كلما تعارضت مع متطلبات اللحظة السياسية.
تستخدم الجماعة "فقه الضرورة" بوصفه جسراً لغوياً بين المبدأ والممارسة، يسمح لها بالانتقال من خطاب التحريم القطعي إلى خطاب التكييف المرحلي دون اعتراف صريح بالتناقض. ففي قضايا كالتعامل مع المؤسسات المالية الدولية، أو التحالف مع قوى إقليمية ودولية طالما وُصفت بالعداء للإسلام، لا تُقدَّم مراجعة فكرية واضحة، بل يُستدعى مفهوم الضرورة كتبرير جاهز.
وبهذا المعنى لا تُلغى القاعدة الشرعية، بل تُعلَّق مؤقتاً، غير أنّ هذا "المؤقت" يتحول عمليّاً إلى حالة دائمة، وهو ما يفرغ الخطاب الأخلاقي من مضمونه.
الأخطر في توظيف "فقه الضرورة" لدى الإخوان أنّه يُستخدم خارج أيّ آلية مساءلة داخلية أو نقاش عام شفاف، إذ يُفترض أنّ قيادة التنظيم وحدها تملك تقدير الضرورة وحدودها. ومع غياب معايير واضحة، تصبح الضرورة مفهوماً مطاطياً، قابلاً للتمدد بلا سقف، ويُستبعد أيّ نقد باعتباره جهلاً بالواقع أو خيانة للمشروع. هكذا يتحول الفقه من أداة لضبط السلطة إلى أداة بيدها، وتتحول الضرورة من استثناء أخلاقي إلى منطق حكم دائم.
ينسحب المنطق ذاته على موقف الجماعة من الديمقراطية. فالانتخابات تُقدَّس حين تفضي إلى فوز الإخوان، وتُفرَّغ من مضمونها حين تُفضي إلى خسارتهم. الشرعية ليست مبدأ ثابتاً، بل نتيجة مرغوبة.
وهكذا تتكامل الصورة: الحقيقة، والشرعية، والدين، والديمقراطية، كلها تتحول إلى أدوات وظيفية داخل خطاب واحد، لا إلى قيم حاكمة له.
من تغريدة إلى بنية فكرية
تكمن أهمية حالة الشنقيطي في أنّ تناقضاته ليست فجّة أو ساذجة، بل مصاغة بلغة مثقف، وهو ما يجعلها أكثر خطورة. فهي تكشف كيف يمكن للخطاب أن يبدو عقلانياً ومتوازناً، بينما يقوم في جوهره على منطق انتقائي صارم.
إنّها ليست أزمة شخص، بل أزمة بنية فكرية ترى العالم من زاوية واحدة: "ما يخدم مشروعنا هو الحقيقة…، وما لا يخدمه قابل للتأويل".
لا تُحاسَب الحركات السياسية على تغيير مواقفها، بل على صدقها في الاعتراف بهذا التغيير. وجماعة الإخوان، في هذا السياق، لا تغيّر مواقفها فحسب، بل تصرّ على تقديم التناقض بوصفه انسجاماً، والبراغماتية بوصفها مبدأ.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين تُفرَّغ القيم من مضمونها، وتتحول الحقيقة إلى خطاب انتقائي، لا يعود الخلاف سياسياً فحسب، بل أخلاقياً ومعرفياً في آنٍ واحدٍ.











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/df7b21c6-2c34-41f6-818c-b305e51aae4b.png.webp?itok=z8QoLTX3)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f9cff6a2-2049-4205-9923-d468d751c5de.png.webp?itok=CFcv08yD)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)