الموت يغيب روبرت فيسك.. المتعدد في روايات العرب

الموت يغيب روبرت فيسك.. المتعدد في روايات العرب

مشاهدة

02/11/2020

غيّب الموت أمس الصحافي البريطاني الشهير روبرت فيسك عن 74 عاماً، ليترك الخبر حالة من الفراغ، تُعدّ فئة الصحافيين والمعدّين في الوطن العربي الأكثر شعوراً بها، فقد كان فيسك مرجعاً لا ينضب في كافة الأحداث التي تمرّ بها المنطقة، تُستقبل تحليلاته بالاحتفاء، وتصبح مادة في ذاتها لإعادة التدوير والتحليل.

الكاتب البريطاني، الذي ظلّ يعمل مراسلاً لشؤون الشرق الأوسط في صحيفة "الأندبندنت"، نقل إلى المستشفى الجمعة الماضي، قبل أن يرحل إثر سكتة دماغية أمس.

 

 أحاديثه وتحليلاته للثورة ومسارها كان لها رونق خاص، تجلس الجماهير مشدوهة أمام الشاشات للاستماع إلى الرأي العابر للحدود، المُنظّر بلسان إفرنجي لأحداث منطقتهم وهمومها

 

واستمرّ عمل فيسك مراسلاً لشؤون الشرق الأوسط لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية عدة عقود من الزمن، وحاز على جوائز عديدة، شمل ذلك جائزة أورويل للصحافة، وجوائز الصحافة البريطانية من فئتي المراسل العالمي للعام، والمراسل الأجنبي للعام، بحسب ما أورده موقع "بي بي سي" عربي.

اقرأ أيضاً: كيف أصبح الجزائري خالد دراريني رمزاً لحرية الصحافة؟

وأقام فيسك في بيروت بلبنان، وأمضى أكثر من أربعين عاماً يغطي الحروب في المنطقة، خصوصاً في لبنان وسوريا، إضافة إلى الاجتياحات الإسرائيلية للبنان والحرب العراقية الإيرانية، واحتلال صدام للكويت، والحرب الأهلية بالجزائر، والاحتلال الأمريكي للعراق، والثورات العربية في العام 2011.

استمرّ عمل فيسك مراسلاً لشؤون الشرق الأوسط لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية عدة عقود من الزمن

وكان فيسك قد بدأ "رحلته في تغطية الحروب في العام 1972 عندما انتقل إلى بلفاست في إيرلندا الشمالية للعمل مراسلاً لصحيفة "لندن تايمز" في ذروة الاضطرابات، وأعدّ بعدها أطروحة الدكتوراه عن أيرلندا في الحرب العالمية الثانية، بحسب موقع المدن.

اقرأ أيضاً: محمد حسنين هيكل.. زيارة جديدة لتاريخ أستاذ الصحافة العربية

ويُعدّ فيسك واحداً من أكثر المراسلين البريطانيين الأجانب إثارة للجدل في العصر الحديث، خصوصاً في الشرق الأوسط. فإلى جانب موقفه المؤيد للشعب الفلسطيني وحقوقه، يُعرف بأنه من الصحافيين المنخرطين في تلميع صورة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، كما أنه انحاز إلى بشار الأسد منذ العام 2012 في ذروة الحرب السورية التي شرّدت ثلثي الشعب السوري، بحسب المصدر ذاته.

 

كلّ تيار كان يأمل أن يُفصّل "روبرت فيسك" ليلائمه تماماً، لكنهم في النهاية رضوا بالممكن، حيث الاستشهاد بآرائه حين تصادف هواهم وتجنّب ما لا يرضيهم

 

وما يزال المصريون يتذكرون فيسك، الذي ربما لم يكن الكثيرون منهم يعرفونه قبل ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، فوقتها كان حضوره دائماً على الشاشات لا ينقطع، ووفق عقدة الخواجة المتجذرة في ثقافتنا العربية، فإنّ أحاديثه وتحليلاته للثورة ومسارها كان لها رونق خاص، تجلس الجماهير مشدوهة أمام الشاشات للاستماع إلى الرأي العابر للحدود، المُنظّر بلسان أجنبي لأحداث منطقتهم وهمومها.

الأمر نفسه في ليبيا وسوريا واليمن وفلسطين، وقبل كل ذلك في لبنان التي غطّى فيسك حربها الأهلية في سبعينيات القرن الماضي، ومكث في بيروت لعقود.

اقرأ أيضاً: الصحفي الفلسطيني الذي اغتيل في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. ماذا تعرف عن حنّا مقبل؟

فيسك إذاً هو الصحافي الأجنبي صاحب الشعبية الأكبر عربياً، ليس لكونه الأفضل، وإنما لكونه الأكثر نهماً واهتماماً وولعاً بالمنطقة العربية، كما أنه من كثرة ما التحم بالقضايا، وعايش تحولاتها، بات مخزناً للخبرات المتراكمة، ومثله لن يتحدث أبداً في اللّاشيء، بل على العكس فإنّ حديثه سيحتاج دائماً إلى درجة عالية من التركيز.

والتركيز المطلوب عند تتبع لقاءات فيسك خاصة المتلفزة، يأتي من قدرته الكبيرة على الاسترسال، والترحال من حدث إلى آخر، وربط الخيوط والأحداث والوقائع عبر الأزمنة والأماكن.

يُعدّ فيسك واحداً من أكثر المراسلين البريطانيين الأجانب إثارة للجدل في العصر الحديث

ورغم التقدير الواسع عربياً لفيسك، فإنه لم يسلم من الاستقطابات والتصنيف، فما أن يشيد مشيد بمسيرته ومواقفه الرافضة للنهج الأمريكي ـ الإسرائيلي، في المنطقة المدافعة عن حق الفلسطينيين، الرافضة لصفقة القرن، حتى تجد من يُعرض عن ذلك بانتقاده على خلفية موقفه من الثورة السورية، أو موقفه من القمع الذي يتبع الثورات، والبعض اتهمه بأنه مناصر أو على هوى جماعات إسلامية.

 

رغم التقدير الواسع عربياً لفيسك، فإنه لم يسلم من الاستقطابات والتصنيف

 

وكلّ تيار كان يأمل أن يُفصّل "روبرت فيسك" ليلائمه تماماً، لكنهم في النهاية رضوا بالممكن، حيث الاستشهاد بآرائه حين تصادف هواهم وتجنب ما لا يرضيهم، وهذا ما جعله ضيفاً على عدة قنوات، ومصدراً في حوارات لوسائل إعلامية عدة مختلفة الانتماءات والأجندات التحريرية.

ومن غير المتوقع أن يغيب الجدل حول فيسك أو أن تذهب آراؤه والرجوع إليها، حتى بعدما غيبه الموت، فالآراء والتحليلات وأصحابها يكسبون ثقلاً مضاعفاً بعدما تُختبر بعامل الوقت، وربما من ذلك ما كتبه العام 2016 في تقرير عن الثورة السورية بمناسبة مرور 5 أعوام على اندلاعها.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت الصحافة في صعود الإسلاموية في إندونيسيا؟

سخر فيسك آنذاك، من الغربيين والأمريكان الذين يعتقدون أنّ سقوط بشار قريب، فقد كان يرى عكس ذلك، مستنداً إلى الخلفية الطائفية والمساندة الإيرانية لبشار.

وقال فيسك في تقريره الذي نُشر في "الإندبندنت" آنذاك: "قبل مغادرتي سوريا الشهر الماضي، التقاني في مقهى في دمشق رجل لبناني فرنسي طويل، يتحدث بفصاحة، وقدّم نفسه على أنه المهندس المعماري الخاص لبشار الأسد، وقال إنه جاء لكي يكشف له عن كيفية إعادة بناء المدن السورية". وبدهشة يتابع: "بعد 5 أعوام على بداية المأساة السورية، التي هزّت النظام في الأشهر الستة على بدايتها، وتوقع الغرب، الذي شهد سقوط معمر القذافي وحسني مبارك، نهاية محتومة للأسد، وبعد هذا كله تتحدث الحكومة السورية عن إعادة إعمار المدن".

سيظل كثير من آراء فيسك وتحليلاته محلّ استدعاء كمراجع

يذكر فيسك ضمن التقرير أنّ صحيفته طلبت منه كتابة نعي مسبق لبشار لنشره عند رحيله، وهو طلب غريب بالنسبة إلى شخص لم يكن يرى الأمور ستسير على النحو ذاته الذي توقعته حكومات ودول آنذاك.

اقرأ أيضاً: 3 أساليب يستخدمها أردوغان لقمع الصحافة

واليوم، فيما تكتب صحف عربية وعالمية نعي فيسك، يستعيد النظام السوري سيطرته ولو صورياً على المدن، بما فيها الرقة التي كانت معقلاً لداعش، حيث قرّر الأسد تسمية محافظ لها ضمن حركة جديدة للمحافظين.

وهكذا سيظل كثير من آراء فيسك وتحليلاته محلّ استدعاء كمراجع ومحاولات لفهم تلك المنطقة المشتعلة دائماً بالأحداث، لكن يبقى السؤال: هل سنستطيع أن نتعامل مع سجل فيسك دون محاكمته أو اعتباره مؤرخاً، أو حسابه على ذلك التيار أو ذاك؟

الصفحة الرئيسية