
في حي التفاح شرق مدينة غزة، الذي يعلوه الغبار بفعل القصف الإسرائيلي المتواصل، وتغيب عنه ملامح الاستقرار، يقف منزل سمير عثمان (55 عاماً) شاهداً على حرب لم تنتهِ آثارها بعد، فالجدران المتآكلة، والأعمدة التي فقدت استقامتها، والسقف الذي تظهر فيه شقوق طويلة، كلها تفاصيل تحول المكان إلى مساحة معلقة بين الحياة والموت.
يقول عثمان وهو يشير إلى زاوية من منزله: "هذا البيت شيد قبل أكثر من ثلاثين عاماً، وصمد سنوات طويلة، لكنّه لم يصمد أمام دقائق من القصف القريب".
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإنّ عدد الوحدات السكنية التي دمرها الاحتلال بشكل كلي إضافة إلى الوحدات السكنية غير الصالحة للسكن بلغت نحو 410 ألف وحدة، منها 335 ألف وحدة سكنية دمرها الاحتلال بشكل كلي.
وبحسب المكتب، فقد دمر جيش الاحتلال 100 ألف وحدة سكنية بشكل جزئي، بالإضافة إلى أنّ أكثر من 350 ألف أسرة فلسطينية بحاجة إلى إيواء، واهترأت 132 ألف خيمة كليّاً وغير صالحة للإقامة من أصل 135 ألفاً.
ووفقاً لتقارير دولية فإنّ المتفجرات التي ألقيت على القطاع فاق حجمها وقوتها التدميرية القنبلتين النوويتين اللتين ألقتهما الولايات المتحدة الأمريكية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين في الحرب العالمية الثانية.
وارتفعت حصيلة عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة إلى 72315 شهيداً، وأكثر من 172 ألف مصاب، منذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بحسب وزارة الصحة في غزة.
البيت لم يعد يحمل نفسه
يجلس عثمان في فناء صغير تحيط به جدران متصدعة، ويبدأ حديثه بنبرة ثابتة تخفي قلقاً عميقاً، ويقول: "بعد القصف لاحظنا أنّ الأبواب لم تعد تغلق كما كانت، والأرضية بدأت تميل قليلاً، والجدران ظهرت فيها شقوق مائلة، واستدعينا أحد المهندسين، فقال لنا بصراحة: البيت فقد جزءاً كبيراً من توازنه، ولم يعد آمناً".
ويصف عثمان التحولات التي طرأت على المنزل مع مرور الوقت، ويبين: "في البداية ظننا أنّ الأضرار سطحية، فقمنا بترميم بسيط، وأغلقنا الشقوق بالطين الأحمر لعدم وجود اسمنت، لكن بعد أسابيع عادت الشقوق أكبر، وبدأت تظهر تشققات في أماكن جديدة، خاصة حول الأعمدة".
ويتابع: "أكثر ما يخيفني الأصوات في الليل، فعندما يسود الهدوء أسمع طقطقة خفيفة، كأنّ الحديد داخل الأعمدة يتحرك، وهذه الأصوات تجعل النوم مستحيلاً، وقد ينهار المنزل في أيّ لحظة دون إنذار".
ويتكون منزل عثمان من طابقين، لكنّ العائلة اضطرت لإخلاء الطابق العلوي بالكامل، ويتابع: "لم نعد نصعد إلى هناك، فالسقف في الطابق الثاني متشقق بشكل خطير، وهناك أجزاء مهددة بالسقوط، ونعيش جميعاً في الطابق الأرضي، رغم ضيقه".
ويكمل: "حتى هنا لا نشعر بالأمان، فهناك عمود رئيسي متضرر، نحاول دعمه بأعمدة حديدية، لكننا نعرف أنّ هذه حلول مؤقتة".
عثمان أب لـ (7) أبناء، يشعر بثقل المسؤولية أكثر من أيّ وقت مضى، ويقول: "أنا مسؤول عن حياتهم، كل قرار أتخذه قد يحدد مصيرنا، هل نبقى؟ هل نغادر؟ لكن إلى أين؟ لا يوجد مكان آخر".
الاقتصاد المنهك يزيد الأزمة
ويتابع بنبرة حادة: "أحياناً أفكر أنّ البقاء هنا مخاطرة، لكنّ الخروج إلى الشارع والعيش في خيمة ليس أقلّ خطراً، فنحن عالقون".
ويرى عثمان أنّ الوضع الاقتصادي يزيد من تعقيد المشكلة، يقول: "كنت أعمل في البناء منذ 30 عاماً، لكنّ العمل توقف مع الحرب، وحتى لو أردت إصلاح بيتي لا أملك المال، فتكلفة المواد مرتفعة جداً، وبعضها غير متوفر، والمفارقة أنني كنت أبني بيوتاً للناس، واليوم لا أستطيع إصلاح بيتي".
ومن خلال خبرته في البناء يدرك عثمان خطورة الوضع، ويوضح: "المباني لا تنهار فجأة بدون مقدمات، فهناك علامات، ونحن نراها ونشعر بها كلها هنا، شقوق متزايدة، ميلان، أصوات، تآكل في الخرسانة، كل هذا يعني أنّ الانهيار مسألة وقت".
ويتابع: "ما يخيفني ليس فقط بيتي، بل بيوت الجيران أيضاً، فبعض البيوت متلاصقة، وإذا انهار واحد، فقد يسحب معه البقية".
ويقف عثمان أمام منزله ينظر إلى جدرانه المتعبة، ويقول: "في الشتاء، يصبح الوضع أخطر، الماء يدخل إلى الأساسات، ويضعفها أكثر، وكل موسم شتاء يمر نشعر أنّ البيت يقترب من نهايته".
ويختصر عثمان حياته اليومية بجملة واحدة: "نحن نعيش على الاحتمالات، احتمال أن يصمد البيت يوماً آخر، واحتمال أن ينهار، واحتمال أن ننجو، أو لا".
ويؤكد عثمان: "هناك بيوت أسوأ من بيتنا، وهذا يجعلنا نشعر أننا في طابور طويل من المعاناة، فهذا البيت ليس مجرد جدران، هو عمرنا، لكننا لا نريد أن يكون نهايتنا".
تفاصيل يومية تحت التهديد
وفي أحد الأزقة الضيقة بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة تعيش سمية النجار داخل منزل فقد جزءاً كبيراً من توازنه الإنشائي بعد تعرضه لقصف قريب، فعند مدخل البيت تتدلى قطع من الإسمنت، بينما تبدو الأعمدة وقد انكشف حديدها، كجسد أنهكته الجراح.
تقول النجار (49 عاماً) بنظرة متعبة: "هذه التصدعات لم تكن موجودة قبل الحرب، كما أنّها بدأت صغيرة، ثم أخذت تتسع يوماً بعد يوم، والآن يمكنني أن أدخل يدي فيها بالكامل".
وتسكت قليلاً، ثم تتابع بنبرة هادئة تخفي قلقاً عميقاً: "أحياناً أضع أذني على الجدار، فأسمع صوتاً خافتاً، كأنّ البيت يئن، لا أعلم إن كان هذا وهماً، أم أنّ الجدران فعلاً تتحدث قبل أن تنهار".
وتوضح أنّها حاولت وعائلتها مغادرة المنزل أكثر من مرة، لكنّها لم تجد بديلاً، وتتابع: "ذهبنا إلى أقاربنا أياماً قليلةً، لكنّ العدد كبير، والظروف صعبة، ولا يمكننا البقاء طويلاً، فعدنا إلى هنا لأنّ هذا رغم كل شيء بيتنا".
وتصف النجار يومها بتفاصيل دقيقة، وتكشف حجم القلق الذي يلازمها: "أستيقظ قبل الجميع، ليس لأنني نشيطة، بل لأنني لم أنم جيداً، وأبقى أراقب السقف طوال الليل، أترقب أيّ حركة أو صوت، وأحياناً أسمع تساقط ذرات صغيرة من الإسمنت، فأقوم فوراً لإيقاظ الأولاد".
وتضيف: "نقلنا مكان نومنا أكثر من مرة داخل البيت، نحاول اختيار الزوايا الأقل خطورة، لكنّ الحقيقة أنّه لا يوجد مكان آمن هنا".
وعن لحظات الخوف القصوى تقول النجار: "في إحدى الليالي سمعنا صوت تشقق قوي، كأنّه كسر عظم، ركضنا جميعاً إلى الخارج حفاة، وبقينا في الشارع حتى الفجر، وعندما عدنا وجدنا أنّ جزءاً من السقف قد انهار في المطبخ".
الشتاء العدو الصامت
وتتوقف النجار عند الحديث عن أبنائها وأحفادها، وكأنّ الكلمات تصبح أثقل، وتوضح: "أصعب ما في الأمر هو الأطفال، أنا أتحمل خوفي، لكن كيف أحميهم؟ كيف أشرح لهم أننا نعيش في مكان قد يقتلنا؟".
وتتابع بصوت مكسور: "ابني الأكبر تغير سلوكه بشكل واضح، وأصبح عصبياً وسريع الغضب، ولا ينام جيداً، وأجده غالباً مستيقظاً في الليل، ينظر إلى السقف بصمت، هذا الخوف يسكنه".
وتشرح النجار كيف حاولت الأسرة التعامل مع الوضع، وتكمل: "وضعنا أعمدة خشبية لدعم السقف، لكنّها حلول مؤقتة، ونحن نعرف أنّها لا تحمينا فعلاً، لكنّها تمنحنا شعوراً زائفاً بالأمان".
وفي فصل الشتاء يتضاعف القلق لدى النجار وعائلتها، وتبين: "المطر هو كابوسنا، فعندما يهطل نشعر أنّ البيت ينهار ببطء، المياه تتسرب، والجدران تزداد ضعفاً، وقبل عدة أشهر كدنا نفقد أحد الجدران بالكامل".
وتتابع: "نضع أوعية في كل مكان لتجميع المياه، ونحاول تغطية الشقوق، لكن لا جدوى، البيت لم يعد يتحمل، وأصبحنا ننتظر أن يحدث شيء، إمّا أن يصلح البيت، وإمّا أن ينهار".
وتختصر النجار واقعها بجملة موجعة: "أحياناً أفكر، هل سنكون خبراً في يوم ما، بانهيار منزل على عائلة؟ وبتّ أخاف أن نصبح رقماً".
خطر الانهيار المفاجئ
يرى مدير شركة "إتقان للاستشارات الهندسية" المهندس سامر فرج أنّ "نسبة كبيرة من المباني المتضررة في غزة تعاني من أضرار هيكلية جسيمة، وبعضها يعاني من تصدعات في الأساسات والجدران الحاملة، وأخرى فقدت أجزاء من الأسقف أو الحوائط الداخلية".
ويضيف فرج: "هناك مبانٍ أيضاً شبه مدمرة بشكل كامل، وبعضها يظهر خطر الانهيار المفاجئ حتى مع أدنى ضغط أو اهتزاز، والتقييم العام يشير إلى أنّ معظم المباني تحتاج إلى تقييم هندسي عاجل قبل السماح بالسكن فيها مرة أخرى".
ويشير إلى أنّه "استناداً إلى الزيارات الميدانية والمعاينات الأولية، يمكن تقدير أنّ حوالي 70% من المباني المتضررة غير صالحة للسكن، وهذه المباني تواجه خطر الانهيار المفاجئ، وقد تهدد حياة السكان بشكل مباشر، وتحتاج باقي المباني لتثبيت وترميم عاجل قبل العودة للسكن فيها بأمان".
ويوضح فرج: "السكن في هذه المباني يشكل خطراً كبيراً على قاطنيها من الانهيار المفاجئ للأسقف والجدران، وسقوط الجدران والأجزاء المعلقة مثل الألواح الخرسانية والمواسير، وكذلك فقدان الدعم الهيكلي الأساسي في الأساسات، ممّا قد يؤدي لانهيار المبنى بأكمله".
ويكمل: "بعض المباني يمكن ترميمها إذا تم التدخل الفني العاجل باستخدام معدات تثبيت مؤقتة وإصلاح الأضرار في الأساسات والجدران الحاملة، ومع ذلك نسبة كبيرة من المباني حوالي 60 إلى 70% من المباني الخطرة، تحتاج إلى هدم آمن قبل إعادة البناء، لأنّ البنية الأساسية تعرضت لتلف كبير يجعل أيّ ترميم مؤقت غير آمن".
ويؤكد فرج أنّ "الاحتياطات التي يجب أن يتخذها السكان لتجنب الحوادث هي الابتعاد عن الغرف والجدران المتصدعة والأسقف المائلة، مع إبلاغ الجهات المختصة عن أيّ تصدعات جديدة وتدهور في المباني لضمان التدخل السريع، وتجنب تخزين أشياء ثقيلة على الأسقف والطوابق العليا في المباني المتضررة".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)