الشاعر بدر الدين الحامد: أنا في سكرَين من خمر وعين

الشاعر بدر الدين الحامد: أنا في سكرَين من خمر وعين

مشاهدة

07/01/2020

في سوريا، عندما يذكَر اسم الشاعر السوري، بدر الدين الحامد (1897- 1961)، تحضر في أذهان السوريين قصيدتان للشاعر؛ الأولى يمكن اعتبارها من أشهر القصائد الوطنية السورية، وهي "قصيدة الجلاء"، والتي كتبها الشاعر بمناسبة رحيل الاستعمار الفرنسي عن سوريا، في 17 نيسان (أبريل) 1946، والتي حفظها أغلب السوريين عن ظهر قلب، يقول الشاعر في مطلعها: "بـلَـغـتِ ثـأرَكِ لا بـغـيٌ ولا ذامُ/ يـا دارُ ثـغـرُكِ مـنـذ اليومِ بسَّامُ/ ولّـت مـصـيـبَـتُكِ الكبرى مُمَزّقةً/ وأقـلـعـتْ عـن حِمى مروانَ آلامُ/ لـقـد طـويتِ سجوفَ الدّهرِ صابرةً/ الـسّـيـفُ مـنـصلتٌ والظّلمُ قوّامُ/ عـلـى روابـيـكِ أنـفاسٌ مطهَّرةٌ/ وفـي مـحـانـيـكِ أشلاءٌ وأجسامُ/ هـذا الـتـرابُ دمٌ بـالـدّمعِ ممتزجٌ/ تـهـبُّ مـنـه عـلى الأجيالِ أنسامُ/ ...".
أما القصيدة الثانية، وهي ليست وطنية بل غزلية، فقد استمرت شهرتها وصداها إلى اليوم؛ لأنّ حنجرة الفنان السوري، صباح فخري، لم تتوقف عن ترديد كلماتها، والتي يقول الشاعر في مطلعها: "أنا في سكرَين من خمر وعين/ واحتراقٍ في لهيب الشفتين/ لا تزدني بل فازدني فتنة في الحاجبين/ يا حبيبي أقبل الليل فهيَّا للمدام/ وأرسل العود غنّينا تراتيل الغرام/ نفحتني بالأشواق منك أنفاس الهيام/ يا حبيبي إن تكن لي فعلى الدنيا السّلام...".
تخرَّج في "الكلية الصلاحية" بالقدس
ولدَ بدر الدين الحامد وعاش في مدينة حماة السورية. درس على يد والده العلوم الدينية واللغة العربية، ومن ثم أنهى مرحلتَي التعليم الابتدائية والثانوية، عام 1923، ثم تخرَّج في "الكلية الصلاحية" في مدينة القدس، كما تأثّر بدر الدين في بداية نشأته بمحيطه العائلي، ورغم أنّ عائلته كانت محافظة، لكنّ والده وأخواله وإخوته كانوا أدباء وعلماء؛ إذ إنّ أخاه، الشيخ محمد الحامد، كان من أبرز علماء الدين في بلاد الشام، كما أنّ الصحفي السياسي والناشر نجيب الريس (1898- 1952) هو أخوه من أمّه.

 الصحفي السياسي والناشر نجيب الريس
عندما غزا الاحتلال الفرنسي سوريا، عام 1920، كان بدر الدين الحامد في عزّ شبابه، وساهمت هذه المرحلة في تشكيل وعيه، وسيكون لها الأثر في كتابته للشعر، إضافة إلى انخراطه في مجال السياسة والشأن العام؛ إذ شارك بدر الدين في الحركات الوطنية في ذلك الوقت، وكتب قصائد شعر قومية وسياسية، وشارك في محاربة الاستعمار؛ إذ انضمّ إلى حزب "الكتلة الوطنية" الذي كان يتزعمه الزعيم السياسي (ورئيس الجمهورية السورية الأولى في وقت لاحق) شكري القوتلي (1891- 1967).

اقرأ أيضاً: "تصفية" شاعر عربي مناوئ لإيران تشعل انتفاضة في الأحواز
شارك بدر الدين الحامد في انتفاضة حماة، عام 1925، ضدّ الفرنسيين، وإثر ذلك جرى اعتقاله، وتمّ تعذيبه بشدة في السجن، وتحديداً بعد محاولته الفاشلة للهروب. وعندما خرج من السجن، كتب قصيدةً قال فيها: "نعم ولا فخر أقدمنا وليس لنا/ هوىً بغير ظلام السجن والصَفَدِ/ مالي وللذكريات السود أنبُشها/ الدهر يُنصِف والتاريخ في رشَدِ".
عاش في زمن الكبار
عاش جيل الشعراء والأدباء الذي ينتمي إليه بدر الدين حامد، في زمن حدثت فيه تحولات كثيرة في سوريا، وفي المنطقة العربية ككل، إنّها نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ فعندما نقرأ في أحد مجلدات "الموسوعة العربية" ]الجمهورية العربية السورية – هيئة الموسوعة العربية[ يجري الحديث عن تلك المرحلة كالآتي: "وقد أذكت حركة النضال ضدّ المستعمر كثيراً من الموضوعات التي كتب فيها الأدباء نصوصاً شعرية ونثرية، وكان للأحزاب والتكتلات قسطها في إثراء الحركة الأدبية من خلال تشجيعها الأدباء والاهتمام بالثقافة".


كما تشير الموسوعة إلى أبرز الشعراء والأدباء في تلك المرحلة، أمثال: فخري البارودي، وشفيق جبري، وميخائيل ويردي، وعبد الله يوركي حلاق، وعمر بهاء الدين الأميري، وعبد المعين الملوحي، وبديع حقّي، وسلامة عبيد، ومحمد البزم، ومحمد الفراتي، وخليل مردم بك، وبدر الدين الحامد، وبدوي الجبل، وماري عجمي، وأنور العطار، وعمر أبو ريشة، وخير الدين الزركلي، وسليم الزركلي، ووجيه البارودي، ومحمد عمران، ونزار قباني، وسليمان العيسى.
تحت مظلة الأدب العربي المعاصر
ولا شكّ في أنّ قيام الجمهورية العربية السورية في الثلث الثاني من القرن العشرين، ورحيل المستعمر بعد ذلك، قد أسهما في إذكاء حركة أدبية تتميز بشيء من الخصوصية، على أنّها تنضوي تحت مظلة الأدب العربي المعاصر".
صدر لبدر الدين الحامد ديوان "النواعير"، عام 1928، ورواية "ميسلون"؛ وهي عبارة عن مسرحية شعرية 1946، كما أنّ وزارة الثقافة السورية أصدرت لبدر الدين ديواناً ضخماً من جزأين، عام 1975، بعنوان "ديوان بدر الدين الحامد".

جيل الشعراء والأدباء الذي ينتمي إليه بدر الدين الحامد، عاصر تحولات كثيرة في سوريا، وفي المنطقة العربية

لكنّ مهمة البحث عن الشاعر بدر الدين الحامد في الفضاء الإلكتروني، وعبر محرك بحث "غوغل" تكاد تكون عبثية للغاية؛ إذ إنّ بدر الدين، أشبه بشاعر جرى نفيه بعيداً عن عمليات "الأرشفة" الإلكترونية، فالمهتم بمعرفة تفاصيل أكثر عن الشاعر، الذي كان لقبه آنذاك "شاعر العاصي" (نسبة إلى نهر العاصي في حماة)، تحاصره معلومات شحيحة تختصر بدر الدين الحامد بكونه الشاعر الوطني والقومي تارة، وتارة أخرى بالشاعر الغزلي، ويبدو أنّه ليس هناك حلّ سوى السفر إلى سوريا، والبحث عن "ديوان بدر الدين الحامد" الضخم، في أقبية وخزائن وزارة الثقافة السورية.
رسالة ماجستير عن الحامد
ضمن التعريف "الرسمي" عن بدر الدين الحامد في موقع ويكيبيديا، تتمّ الإشارة إلى رسالة ماجستير عن الشاعر، للباحثة صفاء حسني ناعسة، في جامعة الشارقة، عام 2008، إلا أنّ الرسالة غير متاحة في الفضاء الإلكتروني، ولم يذكَر عنوان الرسالة، أو أيّ شيء عنها سوى أنّها رسالة ماجستير.

اقرأ أيضاً: الشاعران مريد وتميم البرغوثي يحلّقان في فضاء المقاومة والحبّ
لكن في خضمّ البحث في الفضاء الإلكتروني، سيعثر المهتم ببدر الدين الحامد على دراسة، قد تكون الوحيدة المنصفة إلى حدٍّ ما لهذا الشاعر، وهي دراسة للشاعرة حباب بدوي (وهي من مدينة حماه أيضاً) بعنوان "أصدقاء في حياة الشاعر بدر الدين الحامد".


استهلّت حباب بدوي دراستها، في تقديم صورة عن المرحلة الزمنية التي شكّلت وعي بدر الدين الحامد، ومجايليه من شعراء وأدباء، فتقول: "غلبت على الأدب في مطلع القرن العشرين النزعة الكلاسيكية التي طمحت إلى مواكبة أساليب الشعراء القدماء، واتّخذت تجاربهم منطلقاً لها في مسيرتها الإبداعية، فجاءت قصائد الشعراء في هذه المرحلة، ومن بينهم الشاعر بدر الدين الحامد، تعبيراً صادقاً عن التزامه بهذا التوجه؛ حيث نجده "يحنّ إلى البداوة العربية.. ويقدّس لغتها وأبناءَها"، وغالباً ما يتجاوز ذلك ليضفي على قصائده مسحة فنية، تؤكّد علاقتها المتينة بجذورها، وصلتها التي يصعب قطعها عن ماضيها".
لكنّ أهمية دراسة حباب بدوي؛ أنّها تلتقط موضوعاً مغايراً في شعر بدر الدين للحديث عنه، بعيداً عن ثنائية "الشاعر النضالي/ الشاعر الغزلي"، وهو موضوع الصداقة في قصائد بدر الدين.
النبرة الخطابية للشعر النضالي
وتقول إنّ دراستها هي "محاولة لإلقاء الضوء على جانب من الجوانب التي بقيت مختبئة وراء النبرة الخطابية للشعر النضالي، مكتشفة الجانب الإنساني في شخصية بدر الدين الحامد، منطلقة من العلاقة الحميمة التي جمعت بينه وبين أصدقائه من شخصيات عصره".

اقرأ أيضاً: الحكم على شاعر إيراني بالسجن.. هذه تهمته
وتضيف بدوي: "هي محاولة استقراء معاني الصداقة ومدلولاتها في قصائده التي كتبها في أصدقائه أولاً، وفي قصائد أصدقائه التي كُتبت فيه ثانياً، مبينة تباين المستويات التي تعامل الشعراء من خلالها مع مفهوم الصديق، متأثرين بطبيعة العلاقة الذاتية من جهة، وبطبيعة أساليب البناء الفني للقصيدة من جهة أخرى".

شارك الحامد في انتفاضة حماة، عام 1925، ضدّ الفرنسيين، وإثر ذلك جرى اعتقاله، وتمّ تعذيبه بشدة في السجن

نذكر هنا، على سبيل المثال، تحليل حباب بدوي لرثاء بدر الدين الحامد لأخيه نجيب الريس، في قصيدته "في ذكرى نجيب الريس"، التي يقول في مطلعها: "مرّ بي بعدك عامان ولم/ تنفض الأيام ما بي من ألم/ إن يقولوا يخمد الحزن على/ قدم الدهر فحزني في ضرم" لتعلّق بدوي هنا: "تمتدّ القصيدة على مدى ثلاثة وأربعين بيتاً يعتمد الشاعر فيها قافية الميم الساكنة، التي تبدو في تكرارها المنتظم كأنّها صرخة ألم ترفض أيّة حقيقة تؤكد افتراق الشاعر عن صديقه وأخيه، نجيب الريس، الذي شاركه مواقف مهمّة في حياته، ورافقه في مراحل النضال في عهد الانتداب، فنراه يؤكّد منذ مطلع قصيدته أنّ الزمن لم يكن قادراً على أن يمحو ما اعترى روحه المثقلة بأحزانها من أسى بعد فقده أخيه؛ بل زاده اشتعالاً وتوقداً".
تستشهد حباب بدوي بقصائد عديدة، رثى أو احتفى فيها بدر الدين بأصدقائه وبشخصيات نضالية كثيرة عاصرها، مثل: عثمان الحوراني، وسعيد العاص، وصالح قنباز، إضافة إلى صداقته بالشاعر أحمد الجندي وسامي السراج وسعيد الجابي".

اقرأ أيضاً: "الميكروفون القاتل" ينهي حياة شاعر مغربي أثناء فعالية ثقافية
ففي قصيدته "في رثاء الرئيس هاشم الأتاسي" يقول: "ذكرتكم يا أخلائي فأسلمني/ إلى دموعي إعلان وإسرار/ تركتموني ومالي بعدكم أمل/ يرجى وإني على الحالين صبار/ قضيتم يا رفاق النبل فاحترقت/ روحي بنار الأسى والحزن أطوار"، وتعلّق بدوي على هذه الأبيات بقولها: إنّ بدر الدين الحامد في هذه القصيدة "يستذكر كثرة من رثى من أصدقائه، حتّى أنّ الدهر لا يكاد يبقي له على أحد سوى الذكرى التي تواسيه، وتحمل عنه شيئاً من المرارة التي لحقت به على دروب الحياة".
ورغم أنّ اسم بدر الدين الحامد ما يزال حاضراً في سوريا، وعبر فعالياتها الثقافية؛ إذ إنّ دورة مهرجان حماه للإبداع الشعري، لعام 2017، حملت اسمه، إلا أنّ وزارة الثقافة لم تعد طباعة أعماله أو ديوانه الضخم، المؤلَّف من جزأين، الذي أصدرته عام 1975، وهذا بحسب محرك البحث "غوغل".

الصفحة الرئيسية