التأثيرات الفاشية في بنية الإخوان المسلمين: قراءة في الجذور والامتداد

التأثيرات الفاشية في بنية الإخوان المسلمين: قراءة في الجذور والامتداد

التأثيرات الفاشية في بنية الإخوان المسلمين: قراءة في الجذور والامتداد


19/08/2025

 

منذ تأسيسها في العام 1928 ارتبطت جماعة الإخوان المسلمين بسياقات إيديولوجية أوروبية كانت سائدة في ذلك الزمن، وتحديداً الفاشية والنازية. وبينما تُطرح الجماعة في أدبياتها كحركة إصلاحية دينية، تُظهر الوقائع التاريخية والتحليلات البحثية الغربية والعربية على حدٍّ سواء، أنّ بنيتها الفكرية والتنظيمية قامت على أسس سلطوية وفاشية، لا تختلف كثيراً عن تلك التي عرفتها أوروبا ما بين الحربين العالميتين.

 

دراسة الباحث أمير درويش الأخيرة، التي نُشرت تحت عنوان "الاتجاهات الفاشية في جماعة الإخوان المسلمين"، بموقع المركز العربي لدراسات التطرف، تسلط الضوء على الروابط العميقة بين الجماعة وهذه الإيديولوجيات الشمولية، منذ النشأة حتى اليوم، عبر ملامح تتجلى في الفكر والبنية والتنظيم والدور الاجتماعي ـالسياسي الذي لعبته الجماعة.

 

نشأة في مناخ فاشي

تشير الدراسة إلى أنّ لحظة تأسيس الإخوان في مصر تزامنت مع صعود النازية والفاشية في أوروبا، فقد شهدت تلك المرحلة ظهور إيديولوجيات قومية متطرفة تُعلي من شأن الدولة القومية، وتتبنّى رؤى مناهضة للديمقراطية والحداثة والفردية. وقد استلهم مؤسس الجماعة، حسن البنا، هذه التيارات في رؤيته لبناء مجتمع إسلامي شمولي، يتجاوز المؤسسات الديمقراطية ويحكمه تصور عقدي موحد.

 

ووفقاً للموسوعة البريطانية، فإنّ جماعة الإخوان المسلمين ظهرت كمنظمة سياسية ـ دينية، إلا أنّ ملامحها الاجتماعية والاقتصادية كانت متقاربةً مع النموذج الفاشي، من حيث رفض التعددية، وتبنّي قيم الجماعة على حساب الفرد، والدعوة إلى بنية أُسرية تقليدية محافظة.

 

الباحث مانفريد هالبرن، صاحب الكتاب المرجعي "سياسات التغيير الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، رأى أنّ الجماعة تبنّت بالفعل النزعة الاستبدادية، ورفضت الحداثة، وتشبثت بمفاهيم متوارثة تنطلق من الجماعة لا من الفرد، في تجاهل تام للمبادئ الديمقراطية.

 

عنف شرعي وزعيم أوحد

في هذا السياق، تُبيّن الدراسة كيف اعتبرت جماعة الإخوان أنّ مشروعها لن يُبصر النور إلا عبر النضال، وأنّ هذا النضال مشروعٌ حتى لو استخدم أدوات العنف. وهي فكرة مركزية في الإيديولوجيات الفاشية، حيث لا يُفصل العمل السياسي عن العنف الرمزي أو المادي، ويُبرر استخدام القوة باسم بناء المستقبل الموعود.

 

ولم تكن مبايعة حسن البنا زعيماً أوحد فكرة عابرة، بل تجذّرت كجزء من رؤية شمولية ترى في القائد مصدر الشرعية، وتُقدّم الطاعة كقيمة عليا. وهي بنية مألوفة في تجارب الحركات الفاشية التي تمحورت حول القائد المعصوم، والمشروع الجمعي القائم على الانضباط والتبعية.

 

الجندر والأسرة على الطريقة النازية

تستعرض الدراسة أيضاً تشابهاً لافتاً بين تصور الإخوان للأدوار الجندرية، وتصورات النازية الألمانية. فقد شجّعت الجماعة على الزواج وتكوين أسر كبيرة، واعتبرت المرأة مربيةً لا دور لها خارج الإطار العائلي، بينما يُفترض بالرجل أن يكون المعيل وربّ الأسرة.

 

من هذا المنظور المحافظ، طالبت الجماعة بإغلاق الملاهي الليلية، وفرض رقابة على الفنون، والحدّ من حرية التعبير الثقافي، واعتبرت أنّ الحفاظ على "قيم الأسرة" مقدّمٌ على أيّ تطور اجتماعي أو انفتاح ثقافي. هذا الخط المحافظ يلتقي تماماً مع ما طرحته الإيديولوجيات الفاشية من إعادة إنتاج الدور التقليدي للجنسين، واعتبار الأسرة وحدة بناء للمجتمع السياسي الشمولي.

 

عداءٌ لليهود: من النصوص إلى الشارع

من أخطر ما أضاءت عليه الدراسة، هو التقاء جماعة الإخوان مع النازية في تبنّي خطابٍ معادٍ للسامية. ففي نصوص سيد قطب، أبرز منظّري الجماعة، يظهر اليهود بوصفهم ممثلي الشر المطلق، في مقابل "عالم الله" الذي تحتكره الجماعة. ففي كتابه الشهير "معالم في الطريق"، يُصنّف قطب اليهود كأعداء للدين والمجتمع والقيم، ويعتبرهم وراء الانحلال، والمادية، وتفكك الأسرة.

 

ولا يقتصر الأمر على الخطاب، بل يمتد إلى السلوك السياسي؛ ففي عام 1938  نظّمت الجماعة مظاهرات عنيفة ضد الجالية اليهودية في مصر، ووزّعت نسخاً مترجمة من كتاب كفاحي لـ "هتلر"، وبروتوكولات حكماء صهيون. وقد انعقد حينها المؤتمر البرلماني للدول الإسلامية والعربية في القاهرة بتنظيم إخواني، كمنصة لنشر هذا الفكر، قبل سنوات من إعلان قيام دولة إسرائيل، الأمر الذي يعني وجود توجه ديني عنصري، وعدم القدرة على الفصل بين الصهيونية كإيديولوجيا سياسية استعمارية، واليهودية كديانة سماوية.

 

الحسيني... جسر الدم بين النازية والإخوان

من أبرز الشخصيات التي تربط بين الفكر النازي والإسلام السياسي، كان الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس، الذي لعب دوراً مركزياً في التواصل بين النازيين وحركات إسلامية في العالم العربي. الدراسة تُبرز كيف فرّ الحسيني إلى ألمانيا النازية عام 1941، بعد فشل ثورته ضد الانتداب البريطاني، وهناك أسهم في تجنيد مسلمي البوسنة في صفوف قوات الـ "فافن إس إس"، ذراع العنف النازي.

 

وفي عام 1945 حين استقر في القاهرة بعد هروبه من القوات الفرنسية، احتفت به جماعة الإخوان، وأصدرت بياناً قالت فيه: "شعرة واحدة من المفتي تساوي يهود العالم أجمع... لو مُسّت شعرة من المفتي لقُتل كلّ يهودي في العالم بلا رحمة". هذا التصريح، الذي ما يزال موثقاً، يكشف مدى الالتقاء الإيديولوجي والعاطفي بين الجماعة والمشروع النازي، ليس فقط في العداء لليهود، بل في الاستعداد لتبنّي خطاب إبادي تدميري.

 

جذور لم تُقتلع بعد

تخلص الدراسة إلى أنّ تأثر جماعة الإخوان المسلمين بالفاشية لم يكن سطحياً أو مرحلياً، بل كان تأسيسيًّا وبنيوياً. ولعل الأخطر أنّ هذا التأثر ما يزال حياً في أدبيات الجماعة، وفي سلوكها السياسي والتنظيمي. فالهيكل الصارم، والتربية القائمة على السمع والطاعة، والعداء للآخر، ورفض التعددية، وإضفاء القداسة على الزعيم...، كلها خصائص ما تزال تمثل روح الجماعة حتى اليوم.

 

إنّ فهم هذه الجذور يُعيد صياغة طريقة تعاملنا مع الجماعة. فهي ليست مجرد تيار ديني محافظ، بل بنية إيديولوجية تتغذى من فكر استبدادي عابر للثقافات. وإن أرادت المجتمعات الحديثة مواجهة هذه المشاريع، فعليها أن تقرأ تاريخ الجماعة من خلال عدسة الفاشية، وليس فقط من خلال خطابها الديني المعلن.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية