الإسلام السياسي: كيف تحولت آراء الفقهاء السياسية إلى "شريعة"؟

الإسلام السياسي: كيف تحولت آراء الفقهاء السياسية إلى "شريعة"؟

مشاهدة

26/12/2019

مثّلت الدولة أول مشكلة حاول المُفكرون المُسلمون التنظير بشأنها، حتى أنّ بداية علم الكلام كانت سياسية عبر طرح مسألة "الجبر والاختيار"، بل إنّ أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، هو الاختلاف على الإمامة، 1 وما لبثت أن تحولت مقاربات الفقهاء بهذا الشأن رغم مثاليتها الواضحة، إلى أداة تبرير أيديولوجيا مدعومة من الخلفاء، وفي هذا السياق أعاد المفكرون المسلمون تأويل دينهم في أواخر القرن التاسع عشر بغية صياغة أيديولوجيات جديدة تعِدُ بالتجديد، فالتأويل القائل بشمولية الإسلام السياسية كان حاضراً بأذهان الإسلاميين الإصلاحيين والراديكاليين على السواء منذ نهاية القرن الثامن عشر، وجاهزاً للتبنّي الاجتماعي وتسبب هذا الاتجاه في التمهيد لأيديولوجيا حركات الإسلام السياسي التي استفادت من تردّي الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لمرحلة ما بعد الاستعمار إلى أبعد مدى، لكن ما هي القوى التي أنتجت الإسلام السياسي المعاصر؟ وهل هذا التيار استعادة لتصورات فقهية سابقة أم طاهرة تاريخية جديدة مختلفة؟ هذا ما يحاول الباحث المصري نزيه أيوبي (1944 - 1995) الإجابة عنه في كتابه "الإسلام السياسي: الدين والسياسة في العالم العربي".

السياسة في الإسلام

وفقاً لنزيه أيوبي، تأسست السياسة الفقهية ونظريتها الخاصة بالدولة والقانون في ظل ندرة المناحي السياسية في القرآن والسنة، وتحت تأثير عدد من العناصر أهمها:

ظلت العدالة آمالاً نظرية مثالية وأصبحت مقاربات الفقهاء تبريراً لسلطات الخليفة التعسفية بصفتها متوافقة مع الشرع الإلهي

1- أنماط الإنتاج، والتقاليد الثقافية السائدة في الأقاليم التي فتحها المسلمون، والتي حددت علاقة الدولة بالمجتمع، واستمرت مع الإسلام، بل إنّها صاغت طبيعة الدولة فيه، ومسار تطورها.
2- المُؤثرات الفارسية على المُنظّرين المسلمين المُتأثرين بالكوزمولوجيا، والتراتبية الهرمية الكهنوتية بفارس. 
3- مؤثرات الفتنة الكبرى على الوعي الجمعي، وأولوية الوحدة السياسية، بواسطة حاكم مطلق على النظام السياسي القائم على الشورى أو التعددية.
4- خلافة العباسيين، حيث بدأ التدوين الذي شمل الفقه.
كانت الخلافة أمراً واقعاً، أسس عليه الفقهاء آراءهم السياسية كبديهية، وقد تحوّلت آراء الفقهاء من نظرية سياسية وقانونية، إلى "شريعة خالصة" مُقدسة، صالحة لكل العصور (نظرية تحولت عبر التلقين المُلائِم لمصالح السلطة إلى بديهية)، عقب فصلها عن سياقها الاجتماعي-السياسي المشروط.

غلاف الكتاب

اقرأ أيضاً: لماذا يخلو الإسلام السياسي من المفكرين؟
رغم الاختلاف بشأن مصطلح الأمة منذ وقت مبكر بين المفكرين المسلمين، بشأن ربطها بالعصبية، أو الإثنية، أو اللغة، فقد مَثّلت "الأمة" الدينية وحدة التحليل الأساسية لدى الفقهاء؛ حيث منحوها بُعداً أيديولوجياً يربطها بالعقيدة، جاعلاً من وظيفتها نشر الدعوة الإلهية، واعتُبرت السلطة السياسية أداة نشر الدعوة، ليس ذلك فقط، وإنما تطبيق قانونها على المجتمع، بينما تمثلت غاية الدولة في مصطلح فضفاض هو "العدالة"، التي تتحمل السلطة السياسية مسؤوليتها مُتجسدة في الخليفة.

وفقاً لأيوبي تأسست السياسة الفقهية ونظريتها الخاصة بالدولة والقانون في ظل ندرة المناحي السياسية في القرآن والسنة

ظلت العدالة آمالاً نظرية مثالية، وأصبحت مقاربات الفقهاء تبريراً لسلطات الخليفة التعسفية بصفتها متوافقة مع الشرع الإلهي، حتى وإن خالفت مقتضيات العدالة، تحت  تأثير مثال "وحدة الأمة"، الذي دفعهم للارتياب بأي ظاهرة لتوزيع سلطة الخليفة بإنابتها إلى الوزراء، أو الولاة. دُفِع الفقهاء برُهاب الفتنة الأولى، ثم تفكك الدولة العباسية لخلافات، وسلالات حاكمة؛ الشيعية منها خصوصاً، ما أفرز أولوية الوحدة المتمثلة في سلطة الحاكم المُطلق، على متطلبات العدالة، أو توزيع السلطة.

لكن كيف تحولت مقاربات الفقهاء رغم مثاليتها الواضحة، لأداة تبرير أيديولوجيا مدعومة من الخلفاء؟ يُفسر أيوبي ذلك مُتبعاً العروي، بأن تلك المثالية الأيديدولوجيّة جعلت من التصورات التي تصيغها أمراً مُستحيلاً على التحقق العملي، يدفع متلقيها بطريقة لاواعية للتسليم بالأمر الواقع، طالما أنّه عاجز عن تحقيقها، استُحضرت تلك اليوتوبيا مراراً بصفتها ماضياً نموذجياً حقيقياً، مع حنين جارف أثناء مواجهة عدو خارجي، أو أزمة سياسية.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي.. إشكاليات مستقبلية

تَشكّلت السياسة بالأساس، وفقاً لأنماط الإنتاج السائدة في البلاد التي فتحها المسلمون، وليس كما هو شائع من أنّها تأسست وفق عقيدة الإسلام، فقد ساد بمصر وفارس ما يدعوه أيوبي بـ "دولنة الإنتاج"؛ أي التَحكم المُعمَّم للدولة بالاقتصاد، وذلك بتحكمها في نظام الري "كمُنشِئ للأعمال الهيدروليكية ومُستخرِج للفائض الزراعي"، وذلك لندرة موارد المياه، أو وجود مصدر ري رئيسي يتطلب نظاماً تقنياً يتم التحكم به مركزياً (النيل أو الفرات على سبيل المثال)، وتنظيمها حركة التجارة، كمُنشِئ وحامٍ لطرق التجارة غير الآمنة بسبب طبيعة البلاد الجغرافية، وأساطيل الشحن التجارية والعسكرية.2

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي الشيعي.. لماذا فشل؟
ساهم قرار الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بالاحتفاظ بالأراضي تحت سيطرة الدولة؛ بهدف عدم تدمير منظومة الري، في إدامة نمط الإنتاج الدولتي، وهكذا تشكلت طبقة بيروقراطية خاضعة لسلطة الخليفة، تقوم على تنظيم الري، وجباية الضرائب، شبيهة بالطبقات الحاكمة قبل الإسلام.. حيث تبنّت الخلافة النظام الإداري الفارسي، واعتمدت على كوادر فارسية في ضبط منظومة الخراج المفروضة على الأراضي الزراعية التي استمر أهل البلاد بالعمل بها. 

اقرأ أيضاً: كيف ستواجه فرنسا الإسلام السياسي؟
احتوت المُؤثرات الفارسية أفكاراً حول طبيعة الكون المُنظَمة والهرمية (اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً)، بواسطة السلطة الكونية العليا، المُتجاوزة للإرادة الإنسانية، وقد انتهى ذلك لتنصيب الخليفة ظلاً لله على الأرض، وليس حتى بِوارث الرسول، محمد صلى الله عليه وسلم، لذا اعتُبر الاعتراض على هرميات الخلافة، واستئثار الخلفاء بالموارد والفائض الاقتصادي، اعتراضاً على النظام الإلهي الذي مَنح الخليفة سلطته، وهذه فكرة تأثر بها الفقهاء عميقاً، والمُتكلمون من مُتبني آراء الجبرية3  والكسب4.  حيث دُوِنت الأدبيات الإسلامية الأولى بداية من القرن الثاني الهجري؛ أي بعد ضم مُعظم أراضي الامبراطورتين؛ الفارسية والبيزنطية، ودمج أيديولوجياتهما السياسية داخل النسيج الإسلامي، وحين كان الفقهاء يكتبون آراءهم في العقيدة والأخلاق وسياسة الدولة، فإنّهم لم يكونوا مُحمّلين بالشورى و"روح المساواتية البدوية" الممتدة في التقليد الإبراهيمي، حيث البشر سواء أمام خالق واحد، بقدر ما كانوا مُحمّلين بكوزمولوجيا ونظام فارس الكهنوتي الهرمي، والذي سيناظره تقديس السلف/ الأئمة الكبار وإجماع العلماء، وتضمنت آراؤهم، حتى بالمواضيع البعيدة ظاهرياً عن السياسة، مُؤثراتٍ أيديولوجية، مثل "الجبر" الذي برر سلطة الخليفة المُطلقة، كما أثرت على انحيازات المسلمين السياسية، لحد قمعها تماماً.

خضع الإسلام لسلطة السياسة المدنية إذاً، وتم تكييف الدين وفقاً لإرادة الحاكم "المدني" المطلق، هكذا يخالف أيوبي التصورات الشائعة عن الإسلام بصفته ديناً سياسياً، فقد كُتبت الأدبيات السياسية الإسلامية (خاصة التقليد السني) "في ظل الدولة" التي أقرّت وشجعت منهجية للتفكير تعتمد على البيان (التفسير اللغوي المنفصل عن السياق التاريخي)، والقياس، وإجماع العلماء، المنظومة التي وضع الإمام الشافعي إطارها.

اقرأ أيضاً: سوداوية الإسلام السياسي

وهكذا احتكرت الدولة (على النمط الشرقي) الدين مثلما احتكرت الفائض الاقتصادي والمبادرة الاجتماعية، وشكلت طبقة العلماء المثقفة التي رسخت التقليد الشافعي، واحتكرت بدورها تفسير النصوص الدينية، فقدمت دفاعاً أيديولوجياً عن سلطة الدولة على الاقتصاد والمجتمع، وقد مَثّل ذلك لدى أيوبي الاختلاف الأساسي بين الشرق الأوسط وأوروبا، فبينما حاولت الكنيسة التدخل في شؤون الدولة، وهو ما سهّل عملية فصلهما، كان الدين في الشرق الأوسط ملكية للدولة، تديره باستقلال عن المجتمع.

اقرأ أيضاً: كيف تكيّف الإسلام السياسي مع "سيولة" الحداثة؟
غير أنّ ذلك لم يمنع تأويل الإسلام بصور متعددة، تتناقض جذرياً فيما يخص مسائل السلطة والثروة، فمثلما ابتُدِع تأويل استبدادي ونخبوي، ابتُدِعت أيضاً تأويلات مساواتية و"ديمقراطية" بمقاييس الحقبة التي ظهر بها الإسلام، فالتاريخ الإسلامي الذي برّر سلطة "الاستبداد الشرقي"، هو الذي برّر الانتفاضات المتعددة ضد نفس السلطة، والتي لم يخلُ منها التاريخ الإسلامي، وتحدت آراء المُعتزلة والفلاسفة المسلمين معتقدات الجبرية، كما شهدت طبقة العلماء نفسها انشقاقات ملحوظة، مُناوِئة للخلافة، انطلاقاً من نفس الخلفية الفقهية التي برّرتها، وظهرت تلك الانشقاقات كرد فعل على الانحلال السياسي، وأيدت تمسكاً أكبر بالشريعة، عبر المزايدة على السلطة، كان ابن تيمية أبرزها، وقد لجأ للشريعة كمصدر لوحدة الأمة رداً، وذلك تحت ضغط الهجمات المغولية والصليبية، وضعف العباسيين، حيث بحث عن مصدر لعقد اجتماعي جديد، يسدّ فراغ مؤسسة الخلافة المنهارة، وقد وجد في الشريعة مطلبه.

اقرأ أيضاً: بداية نهاية الإسلام السياسي في المنطقة
ليس النموذج السائد هو الإسلام الأصيل أو الواحد، بقدر ما هو تأويل أنتجه خيال المُنظرين الأوائل وأوضاعهم التاريخية، وقد انتصر، لكن ليس كلياً، فما يُعد إيماناً أصيلاً ببلد، يُعد هرطقة أو انحرافاً ببلد آخر، ما يدل على أنّ الإسلام لم يحتفظ بصورة واحدة أصلية، بل انشطر إلى تصورات متنافسة، خاصة السياسي منها، في وقت مُبكر للغاية، يمكن رده للساعات الأولى عقب وفاة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم.

الجذور الفكرية للإسلام السياسي

نشأ الإسلام السياسي بين القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، داعياً لإحياء الخلافة، و"دمج الدولة داخل الشريعة" على أساس أنّ "الإسلام وضع أسس السياسة الاجتماعية المدنية " كما كتب رشيد رضا.
مثّل الإسلام بالنسبة لرضا، كنظام عقائدي وسياسي متكامل مصدر مجد المسلمين عبر التاريخ، وكان ركود الحركة الفكرية في الإسلام من جهة، والتخلي التدريجي عنه من جهة أخرى، برأيه السبب في تخلف المجتمعات المُسلمة، وقد مثّلت أطروحاته حول حلول الإسلام الشاملة لمشكلات المجتمع وسيلة لمواجهة تحديات التحديث والعلمنة في أجندات الأيديولوجيات الجماهيرية: القومية، والليبرالية، واليسارية الصاعدة. حيث ظهرت حركات الوهابية في الجزيرة العربية، والسنوسية في الصحراء الليبية، والمهدية في السودان، كرد فعل بالمقام الأول على التداعي الداخلي وليس التهديد الخارجي.5

اقرأ أيضاً: كيف يمكن تفسير براغماتية الإسلام السياسي؟
بينما مالت مدرسة الإصلاحيين الإسلاميين؛ كالأفغاني ومحمد عبده لتطبيق مقاربة أكثر تحرراً في قراءة المصادر، بتطبيق القياس والاستحسان، و"المصالح المُرسَلة" ( المصالح العامة للمجتمع)"6 لكنها امتنعت في النهاية عن تبني قيم التنوير الأوروبي (العقلانية، الفردانية، العلمانية) بشكل كامل. 
يستعين أيوبي بسمير أمين لتفسير ذلك؛ حيث يرى أمين أنّ قصور الصناعة الوليدة، وهشاشة وطفيلية البرجوازية المحلية، ساهما في سيطرة قراءة محافظة للإسلام، وانتقائية تجاه قيم الليبرالية البرجوازية.
يُحدد أيوبي مصادر الإسلام السياسي الفكرية الأساسية كالتالي:
1- ابن تيمية: يتفق مع الإجماع الأرثوذكسي على تجنب الفتنة، وتنفيذ الشريعة بقوة السلطة السياسية، وتأييده لقتال من يرفض الاستسلام للقانون الإلهي، المُتفوق، برأيه، على كل القوانين المدنية، فلديه تتمثل وظيفة السلطة في تنفيذ الشريعة بدقة، وسيطرتها على المجالين؛ العام والخاص.

اقرأ أيضاً: هل يصبّ لاهوت التحرير الإسلامي في صالح الإسلام السياسي؟
أثّرت أفكاره على الحركة الوهابية بالجزيرة العربية، ثم على مفكر هندي هو أبو الأعلى المودودي، والذي سيمثل إلهاماً للمفكرين الإسلامين الأصوليين المُستقبليين.   

2- الخوارج:

استعار الإسلاميون منهم ثلاثة مفاهيم أساسية:

1- حاكمية الله المطلقة.
2- إصدار أحكام الكفر، وعزل الكفار واستباحة دمائهم، واستباحة دماء مرتكبي الذنوب بخلط "المعصية" بـ "الكفر". 
3- رفض تأسيس سلطة سياسية على أساس إثني (قومي) أو طبقي.

3- أبو الأعلى المودودي: نشأ المودودي تحت الحكم البريطاني للهند، وقد قرأ النصوص الإسلامية بأصولية صريحة، فأراد إنشاء "دولة إسلامية، لا ينبغي أن يُديرها إلا أولئك الذين يؤمنون بالأيديولوجيا التي تقوم عليها (القرآن والسنة)، وبالقانون الإلهي الذي كُلّفت بإدارته" (Mawdudi, 1982:256–257)، تبنى المودودي أفكار ابن تيمية الخاصة بأنّ المسلم لا يكون مسلماً لمجرد نطقه الشهادتين، وإنما يجب عليه "تطبيق الخير ومنع الشر" وفقاً للشريعة التي عدّها قانوناً مُنزهاً عن الخطأ البشري.

اقرأ أيضاً: إشكاليات لم تتجاوزها بعد جماعات الإسلام السياسي.. ما هي؟

4 - سيد قطب: تأثر قطب بالمودودي في صياغة أفكاره حول ما دعاه "الجاهلية"، واصماً بها مظاهر المجتمع الحديث: "تصورات الناس ومعتقداتهم، والعادات والتقاليد، مصادر ثقافتهم وفنونهم وآدابهم، والقوانين والتشريعات الخاصة بهم، حتى الكثير مما يُعتَقد بأنها ثقافة إسلامية، أو مصادر إسلامية أو فلسفة وفكر إسلاميين هو في الواقع من صناعة هذه الجاهلية." (S. Qutb, 1985:21–22) لكنه لم يُقدّم بناءً منهجياً لنقد الحضارة الحديثة، بل دعاوى أيديولوجية على أساس الحاكمية الإلهية، وأولوية الشريعة.

اقرأ أيضاً: فشل الإسلام السياسي
وحينما يتحدث عن "انتزاع السلطة من مغتصبيها الآدميين، وردها إلى الله، حيث سيادة القانون الإلهي وحده، وإلغاء القوانين البشرية" (:831985:81 S.Qutb,) فهو لا يُميز أنّ القانون الإلهي، ليس سوى نتاج وضعي لتطلعات مجموعة مُفسرين في ظروف تاريخية واجتماعية وسياسية بعينها، وبالتالي فهو بالمحصلة قانون وضعي بشري، وأنّ السلطة الإلهية، ظلت محل نزاع بين مُدّعي حيازتها، الذين استندوا لنفس النصوص لتسويغ ادعاءاتهم، والتي خضعت بالضرورة لسياقاتهم التاريخية الدنيوية، ربما لأنّ ما لم يستوعبه قطب وأتباعه، أنّه لا توجد تجربة بشرية مُفارِقة للطبيعة والتاريخ، وأنّه مُستحيل، الإمساك بمحتوى قانوني إلهي مُجرَد ومُنزه عن الأوضاع البشرية (الطبيعية والتاريخية والاجتماعية بل والنفسية).

اقرأ أيضاً: كيف نظر الإسلام السياسي إلى مفهوم الأمة؟
لم يضع قطب نظاماً سياسياً واجتماعياً واضحاً، وكان وافق الخوارج، الذين رفضوا السياسة بصفتها تفاوضاً، أو صراعاً دنيوياً بين مصالح متعارضة، لا تولي أهمية للنص الإلهي باعتباره حكماً، ذلك النص الذي لم يحتو بدوره تصورات سياسية واضحة، لكن هذا الأمر لم يكن ليشغل باله كثيراً، على أساس أنّ نظرته اليوتوبية لـ "ما بعد الجاهلية" لا ينبغي تلويثها بمصطلحات "الجاهلية"، وإنّما يجب كما يرى اختراعها في المجتمع الجديد الذي يعد به.
مدفوعاً بميتافيزيقا أولويتها تأكيد الحضور الإلهي في العالم، ولو على حساب العالم نفسه، أراد قطب تعميم الاستسلام الفردي للإله بالإسلام على المجتمع، لضمان إظهار الشرائع والشعائر بواسطة السلطة، كما وردت بالرواية الفقهية التي عزلها عن سياقها، واستوعبَها بصفتها مثالاً مقدساً للفرد والمجتمع المثاليين، تُلزِم بقراءة الحاضر في مرآة الماضي، وحيث "يُقرَر التاريخ داخل الفقه، وليس العكس".
مَثّل الفقه أساساً "عملية لغوية، حيث تحليل العلاقة بين الكلمات ومدلولاتها، وإصدار رأي بطريقة القياس"، وذلك في حالة عدم وجود نص صريح (يُؤخذ بمعناه الظاهر)، وقد أثّر هذا التقليد على الفكر الإسلامي، حيث ظل الوعي راكناً إلى قالبين في التفكير:
1- البيان: المنطق والاستدلال اللغوي.
2- العرفان: المعرفة الغنوصية/ الصوفية.

اقرأ أيضاً: هل ينفي العمل السلمي تطرف الإسلام السياسي؟
ولذلك ظل أقل اعتماداً على البرهان المادي، وبسبب ذلك التعلق المنغلق بالأدبيات الفقهية، وعزلها عن سياقاتها الوضعية، مُنِح النص الفقهي لدى قطب وغيره سُلطة التشريع الإلهي الأزلي، وليس المحكوم بانحيازات واضعيه، وحيثياتهم التاريخية، فكان ما يقصده قطب دون وعي هو "تطبيق الفقه الذي تشكل بواسطة الفقهاء الأوائل"، وليس شريعة إلهية مُثْبتة وواضحة. 

الجذور الاجتماعية للإسلام السياسي

يرد أيوبي توسع الإسلام السياسي المعاصر بالمقام الأول إلى الأزمتين؛ التنموية والحضرية، والمتمثلة في "إطلاق العنان لقوى اجتماعية جديدة دون استيعاب طاقاتها سياسياً ودون أن تُلبّي تطلعاتها الاقتصادية والاجتماعية، مع تزايد عدم المساواة الاجتماعية والاغتراب الثقافي".

اقرأ أيضاً: محمد العيسى: الإسلام السياسي خطر يهدد الجميع
أراد أعضاء الطبقات الوسطى والدنيا التعبير عن نقمتهم إزاء المشاريع التنموية الفاشلة، والفساد والبطالة، خاصة سكان الضواحي والعشوائيات التي استوعبت هجرة الريف، حيث الظروف الصعبة، والخدمات الحكومية الضعيفة.7  ولمّا كانت التقاليد السياسية والحزبية ضعيفة للغاية؛ ففي سوريا؛ أغلق نظام الحزب الواحد تحت سيطرة "الأقلية" الحاكمة المجال السياسي، ونَمّى نزوعاً طائفياً لدى الإسلاميين باعتبارهم "صوت" الأكثرية السنّية المعزولة عن الحكم، بينما في مصر، ساهم عداء الناصرية لحق التنظيم السياسي، وللحياة الحزبية بإفقار الإشباع السياسي والفكري.8

اقرأ أيضاً: أحمد داود أوغلو يكشف فشل الإسلام السياسي من جديد
هكذا مَثّلت الأفكار الجهادية القُطبية، والمساجد غير المُنظَّمة، في المناطق التي تقلصت فيها سيطرة الدولة، بديلاً لإفراغ النقمة السياسية، حيث لجأ شباب الطبقة الوسطى والطبقات الدنيا المُحبَطون نتيجة الإهمال المتزايد وتخلي الدولة عنهم. وقد رَدّوا فشل المشاريع التنموية، والهزيمة إلى علمانية الأنظمة القومية العربية، مدفوعين للإسلام الذي مثّل آخر قوى المجتمع المدني التي لم يتم سحقها، أو احتكارها من قبل الدولة. وقد ساعد في ذلك أن أحد أكثر تأويلات الإسلام المتنافسة شيوعاً، كان التأويل القائل بشموليته السياسية، والذي كان حاضراً بأذهان الإسلاميين الإصلاحيين والراديكاليين على السواء منذ نهاية القرن الثامن عشر، وجاهزاً للتبني الاجتماعي واسع النطاق.

اقرأ أيضاً: كيف قرأ فرانسوا بورجا الإسلام السياسي؟
ارتبط الإسلام السياسي بالطبقات الوسطى والوسطى الدنيا، التي توسّعت، وتصاعدت طموحاتها مع توسع الدولة في التعليم والصناعة، عبر خمسينيات وستينيات القرن العشرين. وقد أُحبِطت بالهزيمة، وتخلي الدولة تدريجياً عن التزاماتها الأبوية تجاهها 9، برز ذلك في مصر بين الطلاب، الذين مَثّل التعليم استثمارهم الأساسي، (يُلاحِظ أيوبي أنّ نسبة منتسبي الحركات الإسلامية من الطلاب كانت أكبر دائماً بين طلاب الكليات التطبيقية، حيث تميل الأخيرة لقبول أصحاب الدرجات العليا، ممن ترتفع توقعاتهم عن غيرهم، لذلك تتحطم آمالهم بشكل مؤلم بسبب البطالة أو سوء التشغيل)، تحوّل الطلاب للإسلام السياسي، مع أفول الوعود الناصرية بالضمان الاجتماعي والتوظيف المستقر عقب الانفتاح، وتحولت أوساط الطلاب لحواضن ثقافية لتجلياته المُتعددة من الجهاد وحتى الدعاة الجدد.

اقرأ أيضاً: كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟
انحدر الطلاب من خلفيات الطبقة المتوسطة المُحافِظة المثالية، والتي ضمت مهنيين وموظفين عموميين وأكاديميين، بالإضافة إلى المُدرّسين، والأئمة، والعمال والحرفيين المهرة، وسائقي الأجرة، ممن لهم أبناء في الجامعات، أو متخرجون عاطلون عن العمل،  10 وقد تخبطوا أمام التحول الاستهلاكي للمجتمع عقب الانفتاح، الذي لم يجنوا ثماره، حيث ربطوه بالتفاوت الاقتصادي الناتج عن تربّح نخب الدولة ورجال الأعمال، فكان يسيراً جذبهم لخطاب يحتوي اعتراضاً على التفاوت والفساد،  كما يُدين "الانحلال" الاستهلاكي الغرب-علماني، والذي عجزوا عن تحقيقه، وربط الإدانة بنزعة إسلامية زاهدة، لاءمت صدمتهم أمام التحولات الاستهلاكية التي صاحبها تخلي الدولة عنها. 
لم يتشكل تيار إسلام سياسي بنفس القوة بالبلدان التي مالت لدمج المؤسسة الدينية ببنية الدولة، والتي تستمد من الإسلام روايتها القومية، لكنها لم تخلُ من تجليات الإسلام السياسي، وتداعياته العنيفة، كما في السعودية مثلاً، فرغم نشأتها نتيجة تحالف قبلي-ديني، إلا أنّه يمكن رد ظهور إسلام سياسي بها لعوامل اجتماعية أكثر منها دينية/ أيديولوجية.

اقرأ أيضاً: ماذا تفعل جماعات الإسلام السياسي بالأتباع والمريدين؟
يستنتج أيوبي انطلاقاً من تجارب مصر وسوريا والسعودية، بالإضافة للسودان والأردن وتونس، أنّ "الإسلام السياسي يبدو بالأساس حركة استجابة للأنظمة التي تُعتبر أكثر "حداثة" و"علمانية"؛ فكلما مال النظام لتبني توجهات أكثر حداثة، وتحديداً مع فشله في تحقيق الحداثة المطلوبة، كلما زاد نشاط الإسلام السياسي، لذلك لم يتسارع الإسلام السياسي، في رأي أيوبي، بتسارع وتيرة التحديث، بل لأنّ التحديث على العكس من ذلك، لم يكن سريعاً كفاية.
تعطش منتسبو الإسلام السياسي لثمار التحديث والتغريب، ولم يجدوها، أو وجدوها؛ لكن مُحتكَرة من قِبل نخبة صغيرة، فشلت مشاريعها التحديثية، بعد أن جرّفت تربة المجتمع الاقتصادية والسياسية والثقافية، بحيث لم تبقَ سوى البذور المُتطرفة، ما دفع أيوبي للاعتقاد بأنّ أولئك الذين أصبحوا إسلاميين "يكرهون الحداثة لأنهم لم يستطيعوا جني ثمارها، فهم ليسوا غاضبين لأنّ الطائرة حلّت محل الجمل، لكن لأنّهم لم يجدوا مكاناً في الطائرة."11


هوامش:

1- مقالات الإسلاميين، الجزء الأول، 31
2-  Political Islam: Religion and Politics in the Arab World by Nazih N. Ayubi, p: 21
3-  الجَبْرية هي فرقة كلامية تنتسب إلى الإسلام، تؤمن بأنّ الإنسان مسيّر لا قدرة له على اختيار أعماله، وأنّ إرادة الإنسان العاقلة عاجزة عن توجيه مجرى الحوادث (بما في ذلك الحوادث السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، وأنّ كل ما يحدث للإنسان قد قدّر عليه أزلاً، فهو مسيّر لا مخيّر.
4-  نظرية كلامية مفادها أنّ الإنسان ينوي الفعل، وعندما ينوي يخلق الله الفعل الذي نواه العبد، وبذلك يكون كسب الفعل للعبد، ويكون خلق الفعل لله
5-  Political Islam: Religion and Politics in the Arab World by Nazih N. Ayubi, p: 43
6-   Ibid, 43
7-   Ibid, 65
8-   Ibid, 107
9-  Ibid, 121
10-  Ibid, 130
11-  Ibid, 134


الصفحة الرئيسية