"الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟

"الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟
8492
عدد القراءات

2019-02-17

تبدو ظاهرة الإسلام السياسي اليوم وعلى ضوء صعود نجم تنظيماته الحركية الأكثر عنفاً ودموية وفي عصر العولمة وثورة الإنفوميديا وتطور وسائل التواصل الاجتماعي وعصر الصورة، وبعد الانتفاضات التي طالت "استقرار" العالم العربي والإسلامي بغير مكان وكأنّها ظاهرة حادثة طارئة، إلا أنّ المتبصر في تاريخ نشأتها وظروف تكونها التاريخي لا تأخذه الدهشة والاستهجان باعتبارها ظاهرة مفاجئة.

مكمن خطورة  الإسلام السياسي أنّه يهدف إلى إعادة صياغة المجتمعات العربية وفقاً لنموذج إسلامي برؤية ضبابية

في هذا السياق، يعد الباحث والمؤرخ المصري الدكتور محمود إسماعيل واحداً من أعلام الفكر العربي المعاصر الذين تنبّهوا لخطورة تلك الظاهرة ووقفوا على أسبابها وحذّروا من كارثية نتائجها في وقت مبكر، إذ أفرد لها عدداً من كتاباته ومؤلفاته الكثيرة؛ حيث أشار في كتابه "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين" إلى أنّ ظاهرة  "الإسلام السياسي" قد اجتاحت العالم العربي منذ أوائل السبعينيات، وباتت في التسعينيات تعد من أخطر الظواهر التي تواجهها البلاد العربية، ومكمن خطورتها، كما يقول، أنّها تهدف إلى إعادة صياغة المجتمعات العربية، وفقاً لنموذج إسلامي برؤية ضبابية، وصورة عن "دولة الخلافة" لا توجد إلا في ذهن ومتخيل أصحابها أصلاً.

 كتاب "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين"
ويشير إسماعيل أنّ الأكثر خطورة في الأمر هو اتخاذها العنف المسلح للوصول إلى السلطة قسراً كوسيلة لتطبيق تصورات تجنح إلى الماضوية وتفتقر إلى النضج والواقعية، "فالجدل حول الخلافة منذ وفاة الرسول، عليه السلام، إلى حين ألغاها الزعيم التركي كمال أتاتورك العام 1924 لم يُحسم يوماً إلا بسفك الدماء، وأنّ استشراء هذه الظاهرة وانتشارها بين الأميين وأنصاف المتعلمين يعكس ما وصل إليه العالم العربي من تردٍ سياسي وإفلاس اقتصادي اجتماعي وعجز فكري، كما يكشف عن هشاشة الأيديولوجيات السائدة وإخفاقها في التماس الحلول لمشكلات الواقع المتفاقمة".

اقرأ أيضاً: جماعات الإسلام السياسي باعتبارها الابن الشرعي للثورة الإيرانية
كتاب المؤرخ محمود إسماعيل الذي جعل بابه الأول تحت مسمى "أدلجة التراث" والذي يقوم على عرض ونقد كتاب المفكر المصري محمود أمين العالم "الوعي والوعي الزائف" أساساً ومنطلقاً، يشكل وثيقة تاريخية مهمة وشهادة واقعية تعكس صورة الساحة السياسية والفكرية بتياراتها المختلفة، وتعرض الواقع السوسيوثقافي المصري كونه الرحم الذي احتوى الفكر الأصولي السلفي وولدت منه أولى تنظيماته الحركية ممثلة بحركة "الإخوان المسلمين" أولاً وحركات الإسلام الجهادي التي تفرعت منها في وقت لاحق.

الأكثر خطورة تبنّي العنف المسلح للوصول إلى السلطة كوسيلة لتطبيق تصورات تجنح إلى الماضوية

وهو إذ ينوه منذ البدء أنّ "أدلجة التراث" تعني انسياقاً مع مفهوم "الأيديولوجيا" الذي عمل المفكر المغربي عبدالله العروي على تأصيله في كتابه "مفهوم الأيديولوجيا" واجتهد الكاتب بتعريبه في ضوء التراث العربي الإسلامي بما يقابل "الدعوة" "والتي تعني مجموعة الرؤى والتصورات ومنظومات الأفكار والسياسات التي تبنّتها أحزاب المعارضة في الإسلام بقصد تطبيقها إذا ما وصلت إلى السلطة"، وموضحاً أنّ استخدامه هذا المصطلح الضبابي كان للدلالة على القراءات الخاطئة للتراث التي تضبب المعرفة وتصادر عليها نتيجة وقوعها في منزلق الأدلجة في قراءة التراث رغم اختلاف مشاربها الفكرية ومناهج بحثها وتطلعاتها السياسية. فالتراث، كما يرى المؤلف متفقاً مع رؤية ومنهج سلفه محمود أمين العالم، "ليس تراكمات الماضي وحسب بقدر ما هو قراءتنا وموقفنا منه وتوظيفنا له"؛ حيث يفقد التراث زمنه ويقفز إلى زمن قراءته، أي سياق الحاضر والمستقبل،  وبناء على ذلك فقد قسّم خريطة التوجهات الفكرية حسب رؤيتها للتراث إلى ثلاث اتجاهات رئيسية رغم ما فيها من تفاوت بين أقطاب كل تيار لكنها تتفق في المنطلقات والنهج وتصل إلى نفس الأحكام في النتائج:
اتجاه سلفي ذو نزعة دينية تتخذ من العودة إلى التراث بمفهومه الديني الضيق -بحكم اقتصارها على الجانب السني وحسب-معياراً أساسياً لتقييم الحاضر والتطلع إلى المستقبل، ولا يختلف قديم هذا الاتجاه عن جديده، فكلاهما يجعلان من المستقبل صورة ذهنية للماضي المتخيل في أزهى ألوانه، وإن كان التيار الجديد "أكثر إلماماً وإحاطة بعلوم الغرب وفكره، وأكثر اقتداراً على تجميل وجه السلفية المجعد"، ويحكم المؤلف على نهاية هذا التيار إلى العدم بحكم فقره الفكري وجهله بتراث الإسلام وتاريخه وسماحة عقيدته، وبحكم تحديه للعالم أجمع باعتباره دار جاهلية تستوجب جهاد السيف، ولا تستثنى من ذلك حتى دار الإسلام نفسه.

اتجاه علماني ليبرالي: ينتمي أقطاب هذا التيار في المجمل إلى الفلسفات والمنهجيات الغربية كالهيغيلية والبنيوية والظاهراتية والفرويدية والوضعية المنطقية وغيرها، ويجمعهم تصديهم للسلفية ودفاعهم الانتحاري عن العقل والعقلانية والمنهج العلمي ضد الخرافة والهوس الديني والتخليط الفكري.

اقرأ أيضاً: دولة جماعات الإسلام السياسي المستحيلة
كما يجمعهم تبنّيهم لفكر التنوير الغربي وانفتاحهم على الثقافة الغربية بشكل عام مع إلمام معقول بالتراث الإسلامي؛ لكن مواقف تيارات هذا الاتجاه من التراث ظلت تتراوح بين الانتقائية والتوفيقية والرفض، الأمر الذي حال دون مقدرة هذه التيارات على تقديم رؤية نقدية شاملة للتراث تؤسس مشروعاً فكرياً نهضوياً متكاملاً بقدر ما قدمت محاولات نقدية للعقل العربي وتجديده. لكن هذا النقد  مع رفض التبعية الابيستمولوجية  للغرب وفكر الاستشراق عند بعض أقطابه أو الاندفاع بنزعة تغريبية عند البعض الآخر، قد أوقع بعض أقطابه في موقع تكريس السلطات الديكتاتورية والتسلطية من منطق عدائها للسلفية والأصولية. ويخلص الكاتب إلى القول إنّ "الليبراليين العرب إنّما يسهمون على المدى البعيد في تكريس السلفية أو التبعية للغرب.. وإنّ أسهم بعضهم آنياً في مناجزة تيارات الهوس الديني المتطرف".

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟
اتجاه علماني تقدمي بوجه عام ماركسي على وجه الخصوص: وينقسم بدوره إلى عدة تيارات لكنها غير متباينة على الصعيد المعرفي من حيث الرؤية والمنهج والغاية من دراسة التراث؛ إذ يجمعها اقتناعها بجدوى المادية الجدلية والتاريخية كمنهج وأداة بحث، والباحث محمود إسماعيل واحد من أصحاب هذا الاتجاه، لذلك يقول فيه إنّه "رغم الحصار المفروض على المفكرين الماركسيين من قبل النظم الثيوقراطية والعسكرية، وبرغم مواصلة نضالهم في السجون والسراديب والمهاجر، كانوا أكثر إنجازاً في الحقل المعرفي عموماً وفي حقل التراث بشكل خاص".

يدخل المؤلف إلى نقاش قضية محورية في التراث العربي الإسلامي وهو مفهوم الدولة في الإسلام أو الدولة الثيوقراطية

وما يميز هذا الاتجاه، كما يقول، أنّه يرى إلى التراث من منظور إنساني باعتباره جزءاً من التراث الإنساني، وحلقة من حلقاته تأثّر بما قبله وأثّر بما بعده، وفي ذلك رفضٌ لدعاوى الخصوصية التي جنحت نحوها الاتجاهات السابقة الذكر من سلفية وعلمانية ليبرالية، "وأن القوانين العامة للمادية الجدلية والتاريخية قمينة باستيعاب أية معطيات بل إنّ ما يبدو خصوصياً يمكن أن يفسر في إطار تلك القوانين العامة نفسها".
من هذا المدخل التأسيسي يدخل المؤلف إلى نقاش  قضية محورية في التراث العربي الإسلامي وهو مفهوم الدولة في الإسلام أو الدولة الثيوقراطية باعتبارها قضية خلافية كبرى وخاصة بعد تنامي قوى الإسلام السياسي التي تتبنى الدولة الثيوقراطية وتعتبرها الغاية الأساسية من "جهادها" وتحاول التدليل على وجهة نظرها استناداً إلى النصوص المقدسة والواقع التاريخي في آن.

ويخلص الكاتب بعد الإسهاب الطويل واستعراض العديد من الآراء والحوادث التاريخية في هذا الصدد إلى أنّ الدولة في الإسلام ما زالت مفهوماً خلافياً يعجز الذين تبنوا هذا المفهوم عن تحديد أساسياته في الفكر السياسي الإسلامي، أو في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وتضرب معظم تصوراتهم في وهم الخيال، فيما تشذ بعض التصورات المستنيرة نحو الفهم العلماني للدولة تأسيساً على استقراء الواقع التاريخي؛ فمفهوم "الحكم في الإسلام" قد عبّر عنه القرآن الكريم بلفظة "الأمر"، "وقد فهم الصحابة وخاصة أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، هذا المعنى وقالا به، وكلها نصوص تشي بتأكيد الطابع الزمني للحكم". 

اقرأ أيضاً: هل فشل الإسلام السياسي في غزة.. ولماذا؟
ويشدّد إسماعيل أنّ ما سبق يؤكد أنّ الحكم في الإسلام ذو طابع زمني، "ولو كانت المسألة تتعلق بصميم الدين، لحكم النص فيها بقطع وحسم، أما أن يترك "الأمر" شورى بين المسلمين فيؤكد نفي المفهوم الثيوقراطي".

اللافت في دراسة إسماعيل رغم صرخته التحذيرية من خطر التطرف الديني هو رؤيته التفاؤلية للمستقبل

ولعل في تفسير الكاتب لنشوء واستشراء حركات الإسلام السياسي، التي أفرد لها فصلاً مهماً من كتابه عنونه "ظاهرة التطرف الديني إلى أين"، تفسيراً إضافياً لهذا الموضوع الشائك؛ فيقول إنّ ظاهرة التطرف الديني حقيقة شهدتها المجتمعات الإسلامية منذ صدر الإسلام، "حيث نشأت الفرق والمذاهب عاكسة صراعاً اجتماعياً وسياسياً، وتباينت تأويلات النصوص الدينية ما بين تطرف واعتدال حسب الظروف التاريخية وبما يخدم أهداف القوى المتصارعة سياسياً، مؤكداً أنّ مسألة الخلافة والإمامة كانت في مقدمة وصلب تلك المشكلات وما زالت كذلك حتى اليوم.
وإذ يتبنى المؤلف "التاريخانية" منهجاً علمياً لتحليل تلك الظاهرة فإنّه يخلص من خلاله إلى القول "بارتباط ظاهرة التطرف الديني خصوصاً والفكري بشكل عام، بالصراع بين البرجوازية والإقطاع"؛ رابطاً التطرف بنمط الإنتاج الإقطاعي مدللاً على ذلك بأنّ الظاهرة تخف أو تذوب في أحضان الصحوات البرجوازية التي شهدها العالم الإسلامي، "أما طغيانها على معظم التاريخ الإسلامي فيرجع إلى أزمة البرجوازية وعجزها عن إنجاز تحول رأسمالي يسفر عن حركة إصلاح ديني" على غرار الغرب.

اقرأ أيضاً: في غياب السؤال النظري لدى الإسلام السياسي
ويمثل الكاتب على ذلك من تاريخ مصر القديم والمعاصر وما تناوب على هذا التاريخ من لحظات نهوض وتنوير أو تطرف وانتكاسات وصولاً إلى ثمانينيات القرن الماضي الذي شهد تفجّر ظاهرة الإسلام السياسي  بحكم تفاقم  الأزمة الاقتصادية الاجتماعية بفعل سياسة الانفتاح الاقتصادي، وهيمنة بعض القيادات الأصولية على النشاط الاقتصادي والمالي، وتعاظم خطر التيارات الدينية المتطرفة في التسعينيات مستفيدة من المتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية مثل انهيار المنظومة الاشتراكية التي أدت إلى إضعاف القوى الاشتراكية العربية والمحلية، وحرب الخليج التي شكلت انتكاسة للأحزاب القومية، وتعاظم تأثير الثورة الإسلامية الإيرانية وتبنيها مبدأ تصدير الثورة ودعمها الحركات الأصولية بالمال والسلاح بعد أن خلت لها الساحة السياسية.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي التقليدي والديمقراطي وإشكالية الحريات
اللافت في دراسة المؤرخ إسماعيل هذه، ورغم صرخته التحذيرية من خطر التطرف الديني وفعل تنظيماته الجهادية المدمر للدولة والمجتمع والفكر في آن، هو رؤيته التفاؤلية للمستقبل رغم هول الكارثة؛ إذ يرى أنّ ظاهرة التطرف الديني "ظاهرة عابرة في تديّن المصريين المعتدل المتسامح ولسوف يختفي التطرف باختفاء الظروف التي أفرزته"، وأنّ محاولة إحياء الماضي وإلباسه الحاضر والمستقبل منافٍ لقوانين التاريخ؛ "فقوانين التاريخ كفيلة باحتواء "الماضوية"، وأن عجز تلك التيارات عن فهم الجوهر الحقيقي للدين ورسالته "سيحكم عليها بالإعدام"، ومع ذلك يُبقي الكاتب السؤال مفتوحاً: كيف يمكن تحاشي الكارثة؟ أو ما الحل نحو تحجيم القوة المتنامية لتلك التيارات؟

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حركات الإسلام السياسي والسلطة في العالم العربي.. إلى أين؟

2020-03-30

أفضت التحولات الدراماتيكية والأحداث السياسية المتتالية التي شهدتها دول "الربيع العربي" منذ أواخر العام 2010 إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني في معظم دول "التغيير المؤجل"، وفتحت مستقبل تلك الدول على طيف واسع من الاحتمالات يصعب ترجيح أحدها على الآخر، في ظل الغموض وعدم اليقين الذي يلف المشهد السياسي فيها، وصراع القوى والانقسام الداخلي الذي خلّفه الفراغ الناتج عن انهيار منظومات سياسية وأمنية عتيدة استمرت في الحكم أعواماً طويلة بدون منافسة سياسية حقيقية، وظهور قوى سياسية جديدة لا تملك الخبرة الكافية في مجال الإدارة والحكم من جهة، وعدم الارتسام الكامل لمعادلات القوى واستراتيجيات الهيمنة في هيكل النظام الدولي وتوازنات القوى الإقليمية في المنطقة في إطار ظاهرة العولمة من جهة ثانية.

وفق هذه المعطيات، اصطدمت تطلعات الشباب الثائر وآماله في الحرية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم وتحقيق الانتقال السياسي السلمي نحو النظام الديمقراطي بالصعود السريع لقوى الإسلام السياسي التي قفزت من الهامش إلى  قلب المشهد السياسي، مستغلة تفوقها النوعي في القدرات التنظيمية والمالية، ومهارتها في الحشد والتعبئة اعتماداً على جاذبية الخطاب الديني وسحر تأثيره في قطاعات واسعة من الشعوب العربية، فتصاعدت حالة الاستقطاب الديني مع تنامي أطماع بعض الحركات والتنظيمات الإسلامية بالسلطة ومحاولتها السيطرة الشاملة على جميع مفاصل الدولة، وتفاقمت المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية لدرجة باتت تنذر بتفكك بعض دول "الربيع العربي" وتحولها إلى مصاف الدول الفاشلة وظيفياً.

في بداية "الربيع العربي" لجأ الإخوان إلى براغماتية سياسية مستقاة من تجاربهم السابقة مع أنظمة الحكم

هذا يفتح باب التساؤل حول أسباب وصول الانتفاضات العربية إلى هذا المآل، وحول ظاهرة وصول أحزاب وتنظيمات إسلامية إلى سدة الحكم في عدد من الدول العربية في أعقاب تلك الانتفاضات وما يمكن أن تحدثه من تغيير في نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتأثير في هوياتها الوطنية وتفاعلها وتكاملها مع العالم المحيط.
فهل ستؤدي ظاهرة صعود الإسلام السياسي إلى حالة من العزلة والانكفاء على الداخل ورفض الخارج؟ أم ستدفعها ظروف الانتقال من هامش المشهد السياسي إلى قلبه ومن دائرة الخطابة والتنظير إلى دائرة الممارسة والعمل إلى الانفتاح والتأقلم مع الممارسات الحديثة التي قامت من أجلها ثورات الشعوب؟

اقرأ أيضاً: هكذا تغلغلت تيارات الإسلام السياسي في موريتانيا.. ما علاقة قطر وتركيا؟
يقدم كتاب "حركات الإسلام السياسي والسلطة في العالم العربي: الصعود والأفول" الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث 2014 بإعداد وتحرير الباحثين جمال سند السويدي وأحمد رشاد الصفتي، قراءة شاملة للواقع السياسي العربي المستجد من خلال مساهمة مجموعة من الأكاديميين المتخصصين الذين سعوا لاستقصاء البعد الغائب في تفسير الصعود السياسي للإسلاميين، ومحاولة رسم ملامح مستقبل أحزاب الإسلام السياسي المنبثقة عن حركة الإخوان المسلمين التي تسيدت المشهد السياسي في أعقاب الثورات الشبابية العربية، وتسليط الضوء على الواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه تلك الحركات بعد التغيير، ومدى قدرتها على التعامل مع الديناميكيات والتحديات التي أفرزتها مرحلة التغيير.

غلاف الكتاب
ورغم اعتماد كل باحث منهجية مختلفة نسبياً في معالجته للموضوع المطروح، وانطلاقه من فرض أولي مختلف في رصد وتحليل الصعود السريع والأفول السريع لأحزاب وحركات الإسلام السياسي، سواء في الدول التي طالها التغيير مباشرة ونجحت الانتفاضات الشعبية في إطاحة زعاماتها السياسية العتيدة؛ كما في تونس ومصر وليبيا في وقت قصير، أو الدول التي حصل فيها تغيير هادئ نسبياً أو استباقي من قبل السلطة السياسية بحكم اختلاف نظمها السياسية واختلاف شرعية الحاكم السياسية والدينية فيها؛ كما في المغرب والأردن، أو التي تعثرث عملية الانتقال السياسي فيها بحكم طبيعة سلطاتها والتركيبة الاجتماعية فيها وموقعها في المعادلة الجيوبولتيكية الإقليمية والعالمية كالحالة السورية واليمنية، إلا أنّ اللافت أنّ جميع الباحثين المشاركين قد توصلوا في استنتاجاتهم وخلاصات أبحاثهم إلى نتائج عامة مشتركة، ووجهات نظر متقاربة في خطوطها العامة، وإن اختلفت في بعض التفاصيل بين دولة وأخرى. 
هل انقلب "الربيع العربي" إلى "ربيع إسلامي"؟
ما من شك أنّ الإسلاميين قد حصدوا نتائج الانتفاضات العربية في جميع دول "الربيع العربي" واستأثروا بمعظم مفاصل الدولة والحكم، بداية في الدول التي تحققت فيها عملية انتقال سياسي للسلطة بالرغم من التباس دورهم في الاحتجاجات الشعبية في بداية انطلاقتها، وإعراضهم عنها أو ترددهم في المشاركة فيها قبل أن تتضح ملامح نجاحها.

الانخراط في اللعبة الديمقراطية لم يؤمن بها الإخوان يوماً ولم تكن ضمن منطلقاتهم الفكرية

فقد أفتى السلفيون بداية برفض المشاركة في تلك الاحتجاجات انسياقاً مع أيديولوجيتهم الدينية التي تقول بعدم جواز الثورة على الحاكم الجائر، ثم تراجعوا عن مواقفهم لاحقاً، فيما لجأ الإخوان إلى نوع من البراغماتية السياسية المستقاة من تجاربهم السابقة مع أنظمة الحكم، والتي تقوم على عدم المجازفة في إعلان المشاركة الرسمية في الاحتجاجات قبل أن تتكشف آفاقها والموقف الدولي منها، والذي بدأ يميل ومنذ أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 إلى التلويح بقبول الحوار مع الإسلاميين المعتدلين واحتوائهم في اللعبة السياسية للاستفادة من دورهم في مكافحة الإرهاب الجهادي المتطرف، وعدم المجازفة بخسارة جمهورهم الشبابي الذي اندفع للمشاركة الفردية في تلك الاحتجاجات، وعدم القطع النهائي مع أطراف السلطة لحفظ خط الرجعة.

وهو ما دفع جماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى قبول التفاوض مع نائب الرئيس المصري عمر سليمان مباشرة، خلافاً لغيرهم من الأطياف المشاركة في الانتفاضة الشعبية، الأمر الذي يعبّر عن انتهازية سياسية واضحة، ويشي بطموح الإخوان للاعتراف العلني بشرعية وجودهم السياسي وطمعهم بالسلطة من أي طريق أتت، وهذا الموقف قابل للتعميم مع بعض الاختلافات الجزئية على حركة الإخوان المسلمين في بقية الدول العربية.

أبرزت تجربة الإسلاميين بالحكم ضبابية مشروعهم السياسي وفقر أفكارهم حول مفهوم الدولة وعجزهم أمام تحديات المرحلة

يجمع الباحثون على أنّ وصول الإسلاميين إلى السلطة وانتقالهم السريع من دائرة "الحضر" والهامش إلى قلب المشهد السياسي، والانخراط في اللعبة الديمقراطية التي لم يؤمنوا بها يوماً، ولم تكن ضمن منطلقاتهم الفكرية في الأصل لا ينم عن تغير حقيقي في أيديولوجيتهم السياسية والتوجه نحو قبول المشاركة السياسية والتعددية الديمقراطية، وتقبّل دولة المواطنة والقانون التي تكفل المساواة لجميع مواطنيها على اختلاف معتقداتهم وجنسهم وانتماءاتهم، والتخلي عن مفهوم "المغالبة" وإقصاء الآخر بقدر ما ينمّ عن مناورة سياسية لاستثمار الظرف السياسي المناسب، واقتناص اللحظة التاريخية التي قد لا تعوض في وقت آخر.
وهو ما تبين فيما بعد بعودتهم للمغالبة في انتخابات الرئاسة وإقرار الدستور في مصر، وفي التناقض في الخطاب السياسي لحزب النهضة في تونس بين الموجه للخارج والخطاب الموجه للداخل وللبطانة الداخلية للحزب حول تلك الحيثيات.

اقرأ أيضاً: هل ينهي تصدّع "النهضة" آخر آمال مشروع الإسلام السياسي؟
إنّ حصول الإسلاميين على نتائج عالية في الانتخابات النيابية لم يأت من كثافة مشاركتهم في التظاهرات وفاعليتهم فيها أو من توسع شعبيتهم أو اقتناع الناخبين بمشروعهم السياسي الغائم، إنما يجد تفسيره في ضعف البديل المدني وغياب فاعليته السياسية في ظل أنظمة الحكم السابقة، وتشتت القوى الشبابية الصاعدة ونقص خبرتها السياسية، وصعوبة فهم خطابها السياسي من قبل الكتل الشعبية البسيطة والريفية التي شكل الخطاب الديني المسيس جاذبية خاصة لها.

يضاف إلى ذلك قدرة الإخوان التنظيمية وصرامة انضباطهم الذي يقوم على الطاعة والولاء للمرشد، واستغلال خطبائهم للجوامع والمناسبات الدينية لاستمالة مشاعر الناس بتعويم خطاب المظلومية والاضطهاد الذي تعرضوا له في  ظل الأنظمة السابقة، واستغلال قدراتهم المالية في تقديم الخدمات للناس في المناطق التي لم تحظَ باهتمام كافٍ من قبل الدولة.

اقرأ أيضاً: "ما بعد الإسلام السياسي"... نعم ولكن!
كما يلفت الكتاب النظر إلى التركيبة الاجتماعية للبلدان العربية، وضعف المجتمع المدني والأطر الحديثة فيها أمام الأطر الاجتماعية التقليدية والأولية كالقبيلة والعشيرة خاصة في دول مثل؛ ليبيا والعراق وسوريا واليمن.. وإمكانية توظيفها في العملية السياسية.
هل فشل الإسلاميين يؤشر إلى بداية أفول "المشروع الإسلامي"؟
أبرزت تجربة الإسلاميين في الحكم ضبابية مشروعهم السياسي وفقر أفكارهم السياسية حول مفهوم الدولة، وعجزهم عن الإجابة عن أسئلة وتحديات المرحلة، ولم تختلف السياسات التي انتهجوها لمواجهة تلك التحديات عن سياسات الحكومات السابقة سواء في تونس ومصر أو في المغرب، وسرعان ما اختفى شعارهم الأثير "الإسلام هو الحل"  أمام التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية بشكل عام بعد أن وضع "المشروع الإسلامي" على محك الاختبار العملي، وبات يتعين على هذه الحركات أن تطبّق رؤاها وشعاراتها البلاغية، وتجابه تلك المشكلات من موقع السلطة والقرار؛ فتآكلت مشروعيتهم السياسية وانخفضت شعبيتهم، وبدأت نُذر الانقسام والصراع الجيلي في داخل حركة الإخوان نفسها ونذر الاختلاف بينهم وبين التيارات السياسية القائمة أو المتشكلة حديثاً في خضم عملية التحول السياسي، وخاصة التيارات السلفية التي حملت شعاراتهم من قبل؛ الأمر الذي زاد من حدة الاستقطاب الديني ومن حدة المشكلات الأمنية ودفع عدد من التنظيمات الجهادية الرافضة للديمقراطية والمشاركة السياسية في موجة جديدة من أعمال العنف.

فيما اندفع القسم الآخر الذي قَبِل الدخول في اللعبة الديمقراطية إلى معارضة حكم الإخوان، وتأييد عزل محمد مرسي في مصر، وما حصل في مصر خلال حكم الإخوان قد ترك أثره على باقي الأحزاب الإسلامية في معظم الدول العربية، إذ تبقى حركة الإخوان المسلمين في مصر هي الحركة الأم، والمرجع الأساسي لجميع فروع وتنظيمات الإسلام السياسي التي انبثقت منها أو تفرعت عنها.

مستقبل حركات الإسلام السياسي سيبقى متعلقاً بالنقطة التي ابتدأ منها وهي حسم العلاقة بين السياسة والدين

يخلص محررا الكتاب جمال سند السويدي وأحمد رشاد الصفتي إلى وضع مجموعة من الملاحظات الختامية المهمة، تتضمن الإشارة إلى بعض الجزئيات التي قد يكون أغفلها المشاركون في أبحاثهم رغم التنويه بدقتها وصرامة مناهجها البحثية، وتقديمهم رؤية نقدية رصينة لواقع سياسي لم يرتقِ إلى طموحات من انتفضوا لتحقيق طموحاتهم في الخلاص من الفقر والبطالة والتهميش والاستبداد.
وتلخص حصيلة الاستنتاجات التي توصلوا إليها والتي يمكن من خلالها تصور ملامح مستقبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة على ضوء التغيرات الجيوبوليتكية الدولية والإقليمية من جهة، وعلى ضوء التحولات الحاصلة في دول "الربيع العربي" ما يمكن أن تضيفه تجربة الإسلاميين في الدول التي لم تحسم فيها عملية التحول بعد كما في سوريا مثلاً، والتغيرات والانقسامات الحاصلة في تنظيمات الحركات الإسلامية نفسها من جهة ثانية، مع التنويه بأنّ مستقبل حركات الإسلام السياسي سيبقى متعلقاً بالنقطة التي ابتدأ منها وهي حسم العلاقة بين السياسة والدين، وإيجاد المخرج من دوامة تديين السياسة وتسييس الدين.

للمشاركة:

هل خطر الإرهاب البيولوجي مستبعد؟

2020-03-24

على خلفية الاهتمام العالمي بمرض فيروس كورونا المستجد، وبهدف إلقاء المزيد من الضوء على خطر الإرهاب البيولوجي، من المفيد تسليط الضوء بالقراءة والتحليل لاحتماليات خطر الإرهاب البيولوجي، والتوعية المجتمعية منه، وكيف تم تناوله في التأليف والأبحاث والاهتمام الأكاديمي من قبل الباحثين والخبراء، بهدف أن نبيّن للقراء والمهتمين أنّ هذا الموضوع كان محطّ اهتمام كبير في الغرب تحديداً، حيث نشرت حوله الكثير من الكتب والمقالات والأبحاث.

اقرأ أيضاً: لماذا قرر الاتحاد الأفريقي تشكيل قوة لمكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل؟
والإرهاب البيولوجي الذي نقصده، والذي سبق أن أشرنا إليه أكثر من مرة، "هو إرهاب ينطوي على الإطلاق المتعمد للمواد البيولوجية أو نشرها بقصد القتل والإرهاب. هذه العوامل هي البكتيريا أو الفيروسات أو السموم، وقد تكون في شكل طبيعي أو معدّلة من قبل الإنسان".

الملاحظة الرئيسة حول الاهتمام بخطر الإرهاب البيولوجي هي أنّ فورة الاهتمام والإنتاج والتأليف (كتب، مقالات، أبحاث) حوله جرت بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ضد الولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضاً: هل أضحى جبل الشعانبي ومغاراته وكراً لعتاة الإرهابيين؟
ودليل ذلك أنّنا لو قمنا بالبحث باللغة الإنجليزية عن مصطلح "الإرهاب البيولوجي" (Bioterrorism) على منصة البحث الأمريكية الأكاديمية المتخصصة "كويستيا" (Questia) (وهي مصدر أبحاث وكتابة على الإنترنت، تم تأسيسها في شيكاغو العام 1998، لمساعدة الطلاب في العثور على أبحاث علمية عالية الجودة والاستشهاد بها، مع التركيز على المواد المتعلقة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية) سنجد عدداً من الإحصائيات المثيرة حول الموضوع؛ على رأسها أنّ هناك ما مجموعه 2398 عنواناً أو نتيجة بحث حول الإرهاب البيولوجي وجميعها باللغة الإنجليزية، وهي موزعة على النحو التالي: 448 كتاباً، و264 بحثاً محكّماً في مجلات أكاديمية، و604 عنواناً في المجلات، و1075 مقالاً في الصحف، و7 موسوعات.

يحذر المؤلف من إمكانية حيازة الجماعات الإرهابية مثل القاعدة وداعش للمواد البيولوجية واستخدامها

بالطبع دون أن ننسى روايات الخيال العلمي وهي كثيرة جداً، ولعل من أشهرها وأحدثها رواية الجحيم للكاتب الأمريكي الشهير (دان بروان) التي ظهرت العام 2013 وتدور أحداثها حول (برتراند زوبريست) وهو عالم فذ في حركة فكرية ودولية تُدعى "ما بعد الإنسانية" Transhumanism تدعم استخدام العلوم والتكنولوجيا الجدية لتعزيز القدرة الإنسانية العقلية والفيزيائية، وقدرة تحمله وحتى إلغاء ما يعتبر غير مرغوب في معظم الأحيان مثل؛ الغباء، المعاناة، المرض، الشيخوخة وأخيراً التخلص من الموت، أراد هذا العالم وضع حل لمشكلة التعداد السكاني عن طريق نشر فيروس عبر ما يسمى تقنية "الناقل الفيروسي" في أنحاء العالم يسبب تفشي مرض العقم.
جميع هذه المواد ظهرت بعد العام 2001، ولا أظن أنّ الأسباب وراء هذا الاهتمام خافية على أحد، نظراً للاهتمام الذي حظيت به هجمات 11 أيلول الإرهابية التي تُعد نقطة تحول في تاريخ العلاقات بين الدول والجماعات الإرهابية، وبالتالي إمكانية نجاح هذه الجماعات التي استخدمت الطائرات التجارية كأسلوب للإرهاب في أن تستخدم الأسلحة البيولوجية والجرثومية.

اقرأ أيضاً: من المسؤول عن ارتفاع جرائم الإرهاب في ألمانيا؟
في هذا السياق، أثارت هجمات الإنثراكس (Anthrax) في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2001، التي تُعتبر حسب الخبراء من المواد البيولوجية الإرهابية (bioterrorism agent)، المزيد من الهلع، وفتحت عيون الأجهزة الاستخبارية والأمنية في العالم تجاه احتمالية هذا الخطر. حيث توفي خمسة أشخاص وأُصيب 22 بالعدوى في كافة أنحاء الولايات المتحدة.
وبالمناسبة؛ فقد دفعت هذه الهجمات السلطات الأمريكية إلى تطبيق الحجر الصحي، وقام الكثير من الموظفين في البيت الأبيض والساسة والمُشرّعين بالعمل من البيوت، وهذا يحيلنا اليوم إلى ما يحدث في العالم أجمع تجاه التعامل مع فيروس كورونا.
ومن جملة الكتب (448) التي أشرنا إليها اخترنا أحدث هذه الكتب في أول عرض له باللغة العربية، وهو بعنوان "الأمن البيولوجي والإرهاب البيولوجي ( Biosecurity and Bioterrorism) لمؤلفه جيفري رايان (Jeffrey Ryan) الصادر العام 2016/ الطبعة الثانية.

غلاف الكتاب
مؤلف الكتاب، الذي يتكون من 392 صفحة، هو ضابط متقاعد في الجيش الأمريكي وحالياً بروفيسور في قسم إدارة الطوارئ في جامعة جاكسونفيل في ولاية الاباما في معهد التأهب لحالات الطوارئ، وهو متخصص في بحوث الكشف عن مسببات الأمراض والأخطار البيولوجية والإرهاب الزراعي، ودور القوات العسكرية في الاستجابة للكوارث والمساعدة الإنسانية. وهو ما يعني أنّ المؤلف يملك الخبرة العملية كعسكري والخبرة البحثية كأكاديمي متخصص، ويقدم الاستشارات لكافة القطاعات العسكرية والمدنية.

من المفيد تسليط الضوء بالقراءة والتحليل لاحتماليات خطر الإرهاب البيولوجي والتوعية المجتمعية منه

في مقدمة الكتاب يؤكد المؤلف ما سبق أن ذكرناه أنّ هجمات 11 أيلول 2001، وما تلاها من هجمات الإنثراكس، نبّهت السلطات الأمريكية الى مخاطر الإرهاب البيولوجي، ودعت إلى تحديث الإجراءات الوقائية والقوانين والأنظمة لمواجهة مخاطر الإرهاب، ونحن نتحول من عصر المعلومات إلى عصر الإرهاب في القرن الواحد والعشرين، وأنّ هدف الكتاب هو لتوعية الجمهور بهذا الخطر على المجتمعات.
في وصف الكتاب، نلاحظ أنّه يأخذ نهجاً شاملاً للأمن البيولوجي، مع تغطية مسببات الأمراض، والوقاية، ومنهجية الاستجابة، وهو يعالج هذه المخاطر في سياق تقييمات الضعف واستراتيجيات التخطيط التي يمكن للحكومة والصناعة استخدامها للتحضير لمثل هذه الأحداث والتصدي لها.
والكتاب منظّم في أربعة أقسام حسب الموضوع: الجزء الأول يقدم شرحاً مفاهيمياً للحرب البيولوجية والإرهاب البيولوجي والقوانين التي يتعين علينا التصدي لها.
ويعرف الإرهاب البيولوجي بأنّه "الاستخدام المتعمد للميكروبات، أو السموم المستخرجة من الجزئيات الحية بهدف التسبب بالموت أو المرض للإنسان، والحيوانات، والمزروعات التي يعتمد عليها الإنسان" (ص5).

اقرأ أيضاً: مع التدخل التركي في ليبيا.. معركة تونس ضد الإرهاب تزداد صعوبة

ويتحدث عن تاريخ الإرهاب البيولوجي فيقول إنّه قديم في التاريخ، وإن كان في حاجة إلى المزيد من دراسة الحوادث والوثائق التي تؤكد ذلك، خاصة أنّه ليس هناك معلومات مؤكدة عن استخدام واسع ومتعمد للسموم والميكروبات حتى القرن الثامن عشر وظهور الأعمال الفردية للعلماء: باستور، وكوخ، وليستر، واكتشاف الميكروبات، لكن الإشارات الأولى تشير إلى قيام الجيوش في العصور الوسطى بتسميم مصادر المياه كنوع من الحرب ضد الأعداء.

لكنه لا ينسى أن يشير الى بعض الحوادث التاريخية على استخدام الجراثيم والسموم في الحرب؛ مثال على ذلك استخدام الآشوريين في القرن السادس قبل الميلاد لفطر الشوفان السام لتسميم آبار المياه لأعدائهم في الحروب. (ص8)
ويشير المؤلف الى أنّ أول حالة معروفة ومسجلة في الولايات المتحدة لدى الأجهزة الأمنية حول النية في استخدام الإرهاب البيولوجي تعود الى العام 1970 من قبل جماعة يسارية نشطت في الستينيات والسبعينيات تُدعى "منظمة الطقس تحت الأرض (WUO)"، وكانت جماعة إرهابية محلية يسارية متطرفة تأسست في حرم آن أربور بجامعة ميشيغان، تُسمى في الأصل الأرصاد الجوية، وأصبحت المجموعة معروفة بالعامية باسم الأرصاد الجوية. تم تنظيمها في العام 1969 كفصيل من الطلاب من أجل مجتمع ديمقراطي مؤلف في معظمه لقيادة المكتب الوطني لـ"خطة القرار الاجتماعي SDS" وأنصارهم.

أثارت هجمات الإنثراكس العام 2001 التي تُعتبر حسب الخبراء من المواد البيولوجية الإرهابية المزيد من الهلع

كان هدفهم السياسي، بعد العام 1974، هو إنشاء حزب ثوري للإطاحة بالإمبريالية الأمريكية. حاولت هذه الجماعة الإرهابية ابتزاز أحد الضباط الأمريكان الذين يعملون في أحد المختبرات للحصول على مواد بيولوجية بهدف تسميم مصادر المياه في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك قائمة بعدد من هذه الحوادث مرتبة حسب التاريخ. (ص14)
ويبحث الجزء الثاني من الكتاب في العوامل البيولوجية المعروفة والتهديد الناجم عن الأمراض الناشئة؛ ويركز الجزء الثالث على الإرهاب الزراعي والأمن الغذائي؛ ويعرض الجزء الرابع المبادرات الدولية والأمريكية والمحلية للدفاع البيولوجي والأمن البيولوجي، وهناك "دراسات حالة" توضح كيفية الدفاع البيولوجي ضد الإرهاب المتعمد، والانتشار وتفشي الأمراض الطبيعي على حد سواء.

أما السمات الرئيسية لمواد الكتاب فهي تغطي التهديدات الناشئة من الأنفلونزا الجائحة، وسلالات مقاومة للمضادات الحيوية من مسببات الأمراض البكتيرية، وأمراض الجهاز التنفسي الحادة الناجمة عن الفيروسات الجديدة، عروض التغطية الدولية المتزايدة، بما في ذلك مبادرات لمكافحة البيولوجية الأسلحة والتهديدات، والأمن الغذائي وتحديث البروتوكولات الطبية للتعامل مع التهديدات البيولوجية ودراسات حالة جديدة.

اقرأ أيضاً: الإرهاب: النظرية والتاريخ والتحديات المعاصرة
ويشتمل الكتاب كذلك على مواد تعليمية للطلاب المدربين على الإنترنت، وعرض الشرائح PowerPoint، وأسئلة الاختبار، ودليل للمدربين لزيادة فعالية قراءة وتحليل مواد الكتاب للمهتمين خاصة مديري أمن الرعاية الصحية؛ لما فيه من فائدة في كيفية إدارة الخوف والذعر إذا كان أحد مسببات الأمراض غير معروف ويمكن أن يسبب الموت، كذلك هو مفيد لأمن المختبرات الطبية التي تبحث في مجال الأمراض البيولوجية.

هذا ويحذر المؤلف من إمكانية حيازة الجماعات الإرهابية مثل؛ القاعدة وداعش للمواد البيولوجية واستخدامها إذا توافرت لها القدرة والإمكانيات المناسبة، خاصة في ظل حديث الكثير من الأبحاث والمصادر عن ضعف وانكشاف وهشاشة الكثير من المجتمعات في مواجهة خطر الإرهاب البيولوجي في ظل تزايد إمكانية الحصول عليها بسبب التطور التكنولوجي المتاح للبشرية اليوم، ونجاح الجماعات الإرهابية في تبنّي واستخدام الكثير من منتجات العولمة التكنولوجية.

عدم قدرة البعض تخيل أن يستطيع إرهابي استخدام المواد البيولوجية للإرهاب لا يعني أنّه لن يحدث مستقبلاً

ومثلما كانت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 نقطة تحوّل في تاريخ العلاقات الدولية، والمجتمع الدولي، والعالم وفتحت الباب لكثير من حركة التأليف والنشر والجدل التاريخي والفلسفي، فإنّ فيروس كورونا المستجد شكل نقطة تحّول أكثر عمقاً واتساعاً من هذه الهجمات، وهذه التحولات ستضرب عميقاً في أسطوغرافية الأحداث التاريخية التي سيشهدها عصرنا الحالي وتؤثر في الأجيال القادمة.
ونقتبس من رواية الجحيم لدان بروان قوله "إنّ مجرد كون العقل البشري لا يستطيع تخيل حدوث شيء.. لا يعني أن ذلك لن يحدث"؛ ولذلك، فإنّ عدم قدرة البعض منّا على تخيل أن يستطيع إرهابي مجنون أو عبقري أن يستخدم المواد البيولوجية للإرهاب، لا يعني أنّه لن يحدث مستقبلاً.

للمشاركة:

"سيد قطب والأصولية الإسلامية": هل تجاوز الإخوان هذا الفكر؟

2020-03-17

يرى الكثير من الباحثين والمتتبعين لمسيرة الأصولية الإسلامية أنّ سيد قطب قد شكّل مرحلة انعطاف راديكالي في تاريخ الفكر الأصولي الإسلامي بشكل عام، والفكر الحركي والسياسي الإخواني في مصر بشكل خاص، وذلك بتكريس القطيعة النهائية مع الفكر السلفي الإصلاحي النهضوي، وتبنّي خطاب التكفير والجهاد والعنف الحاقد في مواجهة الدولة والمجتمع تحت شعارات "الحاكمية" و"الجاهلية" و"التكفير"... التي تبنّاها قطب في مواجهة النظام الناصري والدولة القومية الناشئة آنذاك، بعد أن طور تلك الأفكار عن المودودي رغم تباين السياقين؛ الهندي والمصري.

يرى كثيرون أنّ سيد قطب شكّل مرحلة انعطاف راديكالي في تاريخ الفكر الإسلامي الأصولي والحركي

وقد عملت تلك الأفكار على التمهيد النظري والحركي لميلاد جيل جديد من التنظيمات والجماعات الإسلامية الجهادية التي اتخذت العنف منهجاً وطريق الاغتيالات مسلكاً وأسلمة الدولة والمجتمع وبناء الدولة الإسلامية أو الخلافة الإسلامية غاية وهدفاً، "كحركة الجهاد" و"حركة التكفير والهجرة" وغيرها فيما بعد.
لكن يبقى السؤال الذي يحتاج إلى التفسير: ما طبيعة التحول الذي أدى بسيد قطب الشاعر والناقد الأدبي الرومانسي الذي كان تلميذاً ومريداً وثيق الصلة بالأديب المصري عباس العقاد، متنوراً على طريقة طه حسين، وفدياً من أنصار الوطنية المصرية، ومصلحاً اجتماعياً ذا نزعة يسارية واضحة، وواحداً من رجال الانتليجنسيا القومية شبه العلمانية في ذلك العصر، ليختار الانضمام إلى صفوف الإسلام السياسي ويحمل لواء حركة الإخوان المسلمين التي طالما انتقدها من قبل؟ هل هو الفشل في تحقيق الأحلام الطوباوية لذات الشاعر الرومانتيكية الحالمة؟ أم هي صدمة الحداثة الغربية التي تركت أثرها البين على فكر الكثيرين من رجالات النخبة المصرية آنذاك وقطب واحد منهم؟

عملت أفكار قطب على التمهيد النظري والحركي لميلاد جيل جديد من التنظيمات والجماعات الإسلامية الجهادية
وهل يعود الأثر الذي تركه في فكر وتوجهات جماعة الإخوان المسلمين وتفرعاتها اللاحقة إلى صفات خاصة في شخصية وفكر سيد قطب؟ أم إلى ملابسات المرحلة التاريخية التي عاش فيها سيد قطب والنسق الفكري الأيديولوجي السائد الذي يعلي من دور الفرد في التاريخ؟

من هذا السؤال ينطلق الباحث والمؤرخ المصري شريف يونس في كتابه "سيد قطب والأصولية الإسلامية" الصادر عن دار طيبة للدراسات والنشر في مصر في طبعة أولى وعن مكتبة الأسرة في مصر بطبعته الثانية 2012 لدراسة الأصولية الإسلامية من خلال حياة وتحولات أفكار واحد من أهم أعلامها في مجال الفكر الأصولي، ومحاولة تقديم رؤية موضوعية لحياة سيد قطب في مختلف مراحلها، ورؤية جامعة لأفكاره السياسية في إطار الأفكار السياسية التي عاصرها، من خلال تتبع سيرة حياته وتحولاته العاصفة ودراسة تطوره الروحي والفكري وبنية أفكاره الأخيرة التي تركت أثرها الواضح على الفكر السياسي لمختلف الجماعات والتيارات الإسلامية.

ما طبيعة التحول الذي أدى بسيد قطب ليختار الانضمام إلى صفوف الإسلام السياسي؟

يستعرض الكتاب على مدار خمسة فصول متداخلة طفولة ونشأة سيد قطب، وخلفيته الاجتماعية والفكرية في أسرة ريفية من صغار الملّاكين الميسورين في قرية موشا القريبة من أسيوط في الصعيد المصري، ودور الأم ذات الشخصية القوية والمنحدرة من عائلة عريقة النسب في تربيته وعلو ذاتيته وطموحه، ثم انتقاله إلى المدينة لاستكمال تعليمه، وترافق ذلك مع تدهور حال الأسرة المادي واضطراره ليكون السند والمعيل لها في مرحلة مبكرة من شبابه، والتي شكلت أول صدمة اختبار لتلك الذاتية المشبعة بأحلام العظمة الرومانتيكية لإثبات ذاتها في مدينة كبيرة بدون السند الاجتماعي الذي كان يعضدها ويغذي تميزها في الريف الصغير. وهو ما "جعله يهرب من كل مظاهر الطفولة واكتساب شخصيته نوعاً من التصلب والتقوقع النفسي".

ويلجأ الباحث للاستعانة بمنهج الديالكتيك الهيغلي لدراسة تحولات سيد قطب الفكرية وتطوره الروحي، والانطلاق من فرض أولي يقول بالطبيعة النخبوية للإنتليجنسيا المصرية وأفكارها الاجتماعية، ورؤيتها المتمركزة حول الذات للإصلاح الاجتماعي والسياسي والفكري، والتي تستند إلى إدراك صريح أو ضمني لوضعها كفئة اجتماعية متميزة ذات مصالح خاصة، بالإضافة لكونها معبرة عن مصالح طبقات اجتماعية أخرى، وأنّ هذه الإنتلجنسيا قد تعرضت لمفاعيل تهميش اجتماعي ضاغطة دفعت بقطاعات واسعة منها إلى تبني أيديولوجيا نخبوية انعزالية رافضة لقيم المجتمع الحديث في غمار الأزمة المزمنة لمسيرة التحديث في العالم العربي.
فرغم اتصال سيد قطب في مرحلة مبكرة من شبابه بالعقاد وانفتاحه من خلاله على عالم ثقافي جديد وثيق الصلة بالثقافة الأوروبية، سواء بالنسبة لمدارس الأدب أو الثقافة الأوربية عامة، سرعان ما اعتزل أستاذه الذي طالما كال له المديح وخاض لأجله الكثير من المعارك الأدبية، بل وهاجم العقاد نفسه بشكل غير مباشر في كتاباته الصحفية لأنّه لم يحظ منه بالاعتراف الذي يطمح إليه، علماً أنّ العقاد كان قد فتح السبيل أمامه لتأكيد ذاته وانتشال أسرته من ظروفها المادية الصعبة عن طريق العمل في الصحف، إضافة لوظيفته في وزارة المعارف.

اقرأ أيضاً: سيد قطب وفلسطين ... محاولة للفهم
وما زاد من التمزق النفسي والشعور بالاغتراب في ذات الشاعر الوافد من ثقافة ريفية أمام ثقافة وعادات وأخلاق النخبة المدينية هو عدم تحقيقه للمكانة التي يصبو إليها ويعتقد أنّه يستحقها سواء في عالم الأدب أو في المركز الوظيفي المتميز الذي كان يطمح إليه ويرى نفسه فيه، رغم كل ما قدمه من إسهامات واقتراحات لمحاولة إصلاح التعليم.

يستعرض الكتاب على مدار خمسة فصول متداخلة طفولة ونشأة سيد قطب وخلفيته الاجتماعية والفكرية وتحوّلاته

ولعلّ الفشل الأكبر في حياة سيد قطب بالتأقلم مع حياة المدينة والتي لفت إليها الكاتب وإن لم تأخذ الكثير من الاهتمام هو فشله في أعمق تجاربه الإنسانية بعلاقته العاطفية الوحيدة مع واحدة من بنات المدينة أكثر تشرباً لقيمها المتحررة نسبياً قياساً بالريف الصعيدي؛ "فازداد تمزقه الداخلي ما بين الميل إلى التأقلم مع مفاهيم الحضارة الحديثة-في إطار محافظ-وبين النزعة الصعيدية التقليدية في رؤيتها للمرأة ومعايير الحكم على أخلاقها".
تلك العلاقة ستترك أثرها البيّن فيما بعد في موقف قطب الأصولي من المرأة ومن القيم الحديثة والحضارة الغربية كلها، وستدفعه نحو عزلة داخلية صوفية، خاصة بعد تجربة سفره إلى الولايات المتحدة موفداً من وزارة المعارف لتطوير مناهج التعليم في بعثة أُثير حولها الكثير من الشكوك والتساؤلات؛ فمهمة "إصلاح التعلم" كانت وما زالت حتى اليوم هدفاً لحركة الإخوان للسيطرة على مناهج التعليم والثقافة في جميع البلدان العربية.

وهنا كما يشير الكاتب إلى أنّه "يبدأ تاريخ الداعية الإسلامي سيد قطب الذي حاول أن يجمع حوله الوطنيين (الحزب الوطني الجديد) والاشتراكيين (مصر الفتاة) والإخوان"، وأن يهلل للضباط الأحرار وانقلاب يوليو منتظراً تولي وزارة المعارف التي طالما كانت هدفاً له لتنفيذ برنامجه الإصلاحي الإسلامي، ويتحول بعد تردد إلى الانضمام إلى الإخوان المسلمين بعد أن خذله الضباط الأحرار، فيختار الطريق الأقرب إلى أفكاره ليهاجم السلطة الجديدة، ويتلقى حكماً بالسجن خمسة عشر عاماً في السجن الحربي ونصيباً فائضاً من التعذيب الجسدي الذي دفعه إلى الحقد حتى على الشعوب "التي تحطم من يريدون لها الخير وتصفق للمهرجين"، حسبما وصفها.

اقرأ أيضاً: سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة
ويقدم قطب خياره الوقوف في صف الإخوان كخيار استشهادي، ويصور نفسه مشروع شهيد، ويعمل من خلال تقويمه لتجربة الإخوان على بناء حزب انقلابي إسلامي من صفوةٍ مقاتلةٍ عقائديةٍ (العصبة المؤمنة)، ويتبنى ويطور أفكار المودودي، ويطعّمها بالنزعة الحنبلية-الوهابية المتشددة ليعلن كفر النظام والمجتمع، وشمول الجاهلية العالم كله، ويعلن مهمة بناء الإسلام من جديد التي تقوم على مبدأ الحاكمية والدمج التام بين الإسلام والسياسة، ويحتفي في داخل سجنه بنشر كتابه "معالم في الطريق" الذي سيصبح دليل عمل الحركة الإسلامية الراديكالية، ليستقيل سيد قطب الداعية وينبعث المقاتل، وتصبح العصبة المؤمنة أو الصفوة أو الفئة المختارة هي ذاتها الأمة الإسلامية المنوط بها إقامة النظام الإسلامي، أو دار الإسلام التي من حقها أن تغزو العالم كله. ويخلص من التوحيد بين الإسلام والحاكمية ورصد شمول الجاهلية للعالم كله إلى تعين مهمة الإخوان "بإعادة إنشاء الإسلام في الأرض" والفصل الحاسم بين الإخوان والعالم باعتبارهم "كينونة جديدة" تنشأ منفصلة عن جميع التشكيلات الوطنية أو القومية أو العالمية، وهو ما أطلق عليه سيد قطب "المفاصلة الشعورية".

يقدم قطب خياره الوقوف في صف الإخوان كخيار استشهادي ويصور نفسه مشروع شهيد

وهذه ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها سيد قطب الأحزاب والقوى الوطنية والحضارة الغربية، لكنها الأكثر حقداً وعنفاً، إذ سبق له أن اعتزل العمل الحزبي في حزب الوفد وغيره، واتهم النخبة المصرية بالتغرب ومداهنة الاستعمار وخيانة القضايا الوطنية والتآمر على الهوية القومية والإسلامية.
يخلص المؤرخ شريف يونس بعد العرض المسهب والتحليل التفصيلي لأحداث حياة سيد قطب العاصفة وتاريخ الحركة الأصولية وأحداث التاريخ المصري التي عاصرها، وتأثر وأثر بها، إلى القول إنّ اهتمامه بدراسة حياة سيد قطب ينبع من إيمانه بأنّ "للعلوم الإنسانية، خصوصاً في بلادنا، رسالة أيديولوجية تتمثل في تحرير الإنسان من دوغما العقائد المغلقة وإخضاعها للمناقشة الفكرية وأنسنتها، فضلاً عن تحرير الإنسان من أفعال الإيمان غير العقلانية، ومن الاندفاع نحو هاوية التعصب الأعمى النابع من الرغبة في الفناء في مبدأ أو شخص أو اتجاه يفرض نفسه باعتباره اختزالاً كاملاً للحقيقة". وأنّ مواجهة سيد قطب وتحليل أفكاره علمياً لا يقلل من احترام تجربته الشخصية التي أدت به إلى تشييد هذه البنية اللاعقلانية المغلقة ودفع حياته ثمن ذلك، وفهم مجريات تطوره الروحي والفكري باعتبارها ظواهر موضوعية لها أساسها في العصر وتياراته وظروفه الاجتماعية والسياسية، وأنّه لابد من الكشف عن قوة تأثير هذا البنية الفكرية وميزاتها التي مكنتها من منافسة عقل التنوير المجرد الذي فقد إلى حد كبير حدس الواقع.

إنّ رفض الخطاب الأصولي الراديكالي لمنطق العقل والقيم والأخلاق الحديثة لا يجد تفسيره في الطبيعة الطوباوية والأخلاقية لمشروع الإسلام السياسي فحسب، بل في استخدام هذه القيم ومنطلقات العقل المجرد في تبرير وضع الدولة القومية واستبداد سلطاتها السياسية، وفشل سياساتها التنموية التي أدت إلى تهميش قطاعات واسعة من السكان ومن الانتليجنسيا خصوصاً، وسدت الأفق أمام الحراك الاجتماعي للطبقة الوسطى ذات الأصول الريفية؛ فهذه الفئة الاجتماعية التي مثلت الحامل الاجتماعي لأفكار الأصولية الإسلامية الراديكالية اللاعقلانية "تعبر عن لاعقلانية وضعها الاجتماعي في إطار مفاعيل التهميش الجارية، وعن "لاعقلانية" عقل التنوير المجرد وفشله في إدراك أزمتها".

للمشاركة:



كورونا يهدّد ثلث الشعب التركي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

حذّر المدير العام لمؤسسة "KONDA" التركية للدراسات والأبحاث، بكير أغيردير، من أنّ فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19)، يهدّد عدداً كبيراً من المواطنين في تركيا.

أغيردير: التدابير التي تتخذها الدولة لمواجهة كورونا وحملة أردوغان لجمع التبرعات تفتقر للحسّ الجماعي

وأشار بكير أغيردير إلى أنّ الأطباء والعلماء يحذرون من أنّ الخطر الأكبر لفيروس كورونا يكون على كبار السنّ (أكبر من 65 عاماً)، أو المصابين بأمراض مزمنة، مشيراً إلى ثلث الشعب التركي إما من كبار السنّ أو مصاب بأمراض مزمنة.

أغيردير أوضح أنّ التدابير التي تتخذها الدولة لمواجهة فيروس كورونا وحملة التبرعات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية أردوغان تفتقر للحس الجماعي، مؤكداً أنّ مسودة قانون العفو الجديد المقدمة من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية غير كافية؛ لأنّها لا تشمل المعتقلين السياسيين والصحفيين، على حدّ تعبيره.

وأعلن وزير الصحة، فخر الدين كوجا، أمس، أنّ إجمالي عدد الإصابات بفيروس كورونا داخل تركيا قد وصل إلى 15 ألفاً و679 حالة، وأنّها سجلت 277 حالة وفاة.

قانون العفو الجديد المقدّم من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية لا يشمل السياسيين والصحفيين

وفي سياق متعلق بقانون العفو العام انتقد حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، حزمة الإصلاح القضائي الجديدة في تركيا، والتي تتضمن تعديلات على قانون العقوبات، ضمن مشروع قانون "العفو العام"، الذي تسعى حكومة حزب العدالة والتنمية لتمريره من البرلمان خلال جلسات الأسبوع المقبل.

وأكّد وكيل رئيس تكتل نواب حزب الشعب الجمهوري في البرلمان، أنجين ألتاي، أنّ التعديلات لا تقضي بالإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وبعد انتظار طويل، قدَّم حزب العدالة والتنمية وبدعم من حليفه حزب الحركة القومية، قبل يومين إلى البرلمان اقتراحه الخاص بـ "قانون العفو"، والذي يتضمن تعديلات على مدد العقوبات والإفراج المشروط عن معتقلين.

للمشاركة:

وفاة نحو 3 آلاف إيراني بسبب كورونا.. ومسؤولون يكذّبون تصريحات روحاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

أعلنت وزارة الصحة الإيرانية؛ أنّ عدد ضحايا كورونا بلغ أكثر من 3 آلاف حالة وفاة، مؤكدة أنّ إيران لم تصل بعد إلى "مرحلة احتواء" تفشي الفيروس.

وأعلن كيانوش جهان بور، المتحدث باسم وزارة الصحة في إيران، أمس، عن الإحصاءات اليومية لتفشي كورونا في البلاد، قائلاً: "توفَّى 138 شخصاً بفيروس "كوفيد-19"، خلال الـ 24 ساعة الماضية، وبلغ العدد الإجمالي للوفيات 3036 شخصاً".

وزارة الصحة الإيرانية تعلن أنّ عدد ضحايا كورونا نحو 3 آلاف حالة وفاة و47593 إصابة

وقال جهان بور أيضاً: "من بعد ظهر أمس وحتى اليوم، وبناءً على معايير تشخيصية نهائية، تم تسجيل 2987 مصاباً جديداً بفيروس "ـكوفيد-19" في عموم إيران، ووصل العدد الإجمالي للمرضى الذين تم تأكيد إصابتهم بهذا بالمرض إلى 47593 شخصاً".

وبحسب ما قاله المتحدث باسم وزارة الصحة؛ فإنّ 3871 من المصابين بالفيروس في حالة حرجة، فيما تماثل للشفاء حتى الآن 15473 شخصاً وغادروا المستشفيات.

ووفق وثائق وزارة الصحة الإيرانية، التي حصلت عليها "إيران إنترناشيونال"، فقد جاءت نتائج أكثر من 104 آلاف اختبار كورونا إيجابية، في حين رفضت بعض المراكز الطبية والمستشفيات إجراء اختبارات كورونا لعدد من المشتبه في إصابتهم بالفيروس.

هذا وقد بعث 8 مديرين سابقين في القطاع الصحي وأعضاء هيئات علمية في جامعات العلوم الطبية في إيران، رسالة مفتوحة إلى الرئيس الإيراني، حسن روحاني، انتقدوا فيها وجود إحصاءات ومعلومات خاطئة في تصريحاته حول أزمة كورونا، مشيرين في رسالتهم إلى الإحصاءات الرسمية بهذا الخصوص.

ولفت الموقعون في رسالتهم، التي تم نشر نصّها أمس، إلى الوتيرة المتصاعدة للإحصاءات المتعلقة بالإصابات الجديدة بفيروس كورونا، خلال الأيام الثلاثة الماضية، بناء على تقارير اللجنة الوطنية لمواجهة الفيروس، منتقدين تصريحات روحاني حول "تحسن الأوضاع".

مسؤولون سابقون في قطاع الصحة الإيراني: روحاني يقدم معلومات خاطئة عن كورونا

وقارن الموقعون بين إحصاءات الوفيات بفيروس كورونا في إيران والصين، وأكدوا وجود "أفكار واستشارات خاطئة" لدى الحكومة.

وفي جزء من رسالتهم، أعرب هؤلاء الأساتذة والمسؤولون السابقون عن استيائهم إزاء "نصيحة وذمّ" الشعب من قبل النظام.

كما انتقدوا استمرار عمل البنوك والدوائر، وتجاهل الأوضاع المالية لدى العمال، خاصة عمال المياومة، والعمال الموسميين.

وطلب الموقعون من الرئيس الإيراني تقديم إيضاحات حول مبلغ الـ 200 مليون يورو الذي تمّ وضعه لهذا الأمر، ودعوه إلى أن يبين المبلغ المخصص لإنتاج الأدوية، والمبلغ المخصص للاستيراد.

للمشاركة:

في مناطق طالبان.. تفجير يقتل مدنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

لقي سبعة مدنيين، على الأقل، مصرعهم، وأصيب مدنيان آخران، أمس، في انفجار هزّ إقليم هلمند، جنوب أفغانستان.

وقال الناطق باسم حاكم الإقليم، عمر زواك، إنّ حافلة صغيرة انفجرت، بسبب قنبلة زرعت على جانب طريق بمنطقة جريشك بالإقليم، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية.

انفجار هزّ إقليم هلمند الذي تسيطر حركة طالبان على مناطق واسعة منه وقتل 7 مدنيين

وأضاف زواك؛ أنّ أرقام الضحايا هي حصيلة أولية، وربما ترتفع، وأكّد عضو مجلس الإقليم، عبد الماجد أخوند زاده، أيضاً، حصيلة القتلى.

يذكر أنّ مسلحي حركة طالبان يسيطرون على منطقة واسعة من الإقليم.

في غضون ذلك، قال مسؤول أمني كبير؛ إنّ الحكومة الأفغانية ستفرج عن 100 سجين من طالبان اليوم، مضيفاً: "في المقابل ستفرج طالبان عن 20 من أفراد الأمن الأفغان".

اقرأ أيضاً: من هو شارلي شابلن أفغانستان وماذا يفعل؟

ويأتي تبادل الأسرى ضمن إجراءات بناء الثقة التي تعدّ أمراً حاسماً لنجاح اتفاق السلام الموقع بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، لإنهاء ما يقرب من عقدين من الحرب.

الحكومة الأفغانية ستفرج اليوم عن 100 سجين من طالبان مقابل 20 من أفراد الأمن الأفغان

ويمثل الإفراج عن 100 من مقاتلي طالبان الخطوة الأولى نحو تبادل 6000 سجين محتجزين لدى الحكومة الأفغانية وطالبان.

وكان فريق من طالبان، المكوّن من ثلاثة أعضاء، قد وصل إلى كابول لبدء عملية مبادلة السجناء واجتمع بمسؤولين أفغان، رغم إجراءات العزل العام المطبقة في البلاد للحدّ من انتشار فيروس كورونا المستجد.

للمشاركة:



إبراهيم الزيات.. "عنكبوت" الإخوان في أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

حسام حسن

قبل عام، قدم الإخواني إبراهيم الزيات أوراق اعتماده كهمزة وصل بين شبكة تنظيم الإخوان في أوروبا والنظام التركي، حتى أصبح "عنكبوت" الجماعة في القارة العجوز، بحسب وثائق برلمانية وأمنية أوروبية.

ففي الثاني من يناير/كانون الثاني 2019، التقى مسؤولو الاتحاد الإسلامي التركي (ديتيب) مع قيادات الإخوان في المسجد الكبير بكولونيا غربي ألمانيا، لتأسيس مجلس تنسيقي للمسلمين، يعمل كغطاء للتحالف المشبوه بين منظمات الطرفين.

ومنذ ذلك الوقت، برز اسم إبراهيم الزيات الذي يربط خطوط شبكة الإخوان في أوروبا، والعقل المدبر لأنشطة الجماعة، وحامل دفاترها المالية، وهمزة الوصل مع النظام التركي.

وبدا واضحاً أن الزيات يعد أهم الشخصيات المركزية في شبكة الإخوان بأوروبا، ويرتبط ارتباطا وثيقا مع كل التنظيمات المتطرفة في الشرق الأوسط، والمؤسسات الإسلامية في تركيا، خاصة ميللي جورش (الرؤية الوطنية)، بحسب هايكو هاينش، الكاتب والباحث النمساوي المتخصص في شؤون الإخوان.

وفي حديثه لـ"العين الإخبارية"، أزاح هاينش الستار عن أن "الزيات هو العنكبوت الذي يربط خيوط شبكة الإخوان ببعضها، ويحمل أختام دفاترها المالية".

وتضع هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) في ألمانيا الزيات تحت رقابتها؛ حيث قاد لسنوات طويلة منظمة المجتمع الإسلامي، كبرى مؤسسات الإخوان بألمانيا، وفق تقرير لمجلة دير شبيجل.

وعادة ما تُخضِع هيئة حماية الدستور، التنظيمات والأفراد الذين يمثلون خطرا كبيرا على الديمقراطية ويهدفون إلى تقويض النظام السياسي، لرقابتها.

وأضافت مجلة دير شبيجل: "يمكن القول إن الزيات، هو قائد الفرع الألماني للإخوان، وأكد المرشد السابق للجماعة مهدي عاكف قبل سنوات، هذا الأمر في تصريح رسمي".

مناصب متعددة
وبالإضافة لدوره كقيادي في شبكة الإخوان بأوروبا، يعد الزيات مؤسس ومدير اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE)، وشغل في السابق منصب أمين المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، وجميعها منظمات محسوبة على الإخوان. 

ويتولى الزيات موقعا مسؤولا في مجلس إدارة منظمة الإغاثة الإسلامية التي قالت مذكرة حكومية ألمانية في أبريل/نيسان الماضي، إن فرعها في برلين؛ يملك صلات شخصية مهمة بالإخوان، وصلات مؤسسية بمنظمات قريبة من الجماعة.

لذلك، تصف التقارير الرسمية لهيئة حماية الدستور في ألمانيا، الزيات بأنه "مثل العنكبوت في شبكة المنظمات (الإسلامية) المتطرفة" في أوروبا.

الزيات نفسه يعتبر حلقة وصل أساسية بين تركيا والإخوان، ويمثل معبر الدعم التركي للجماعة في الدول الأوروبية ذات الجاليات الإسلامية الكبيرة مثل ألمانيا والنمسا وهولندا.

ويحظى الزيات بهذه المكانة بسبب علاقته القوية مع النظام التركي التي تشمل بعدا شخصيا، حيث إنه متزوج من ابنة أخت نجم الدين أربكان، مؤسس حركة ميللي جورش، وفق تقرير لمجلة فورين بولسي الأمريكية نشر في مايو/أيار الماضي.

وخلصت دراسة "الإخوان في النمسا" التي أشرفت عليها هيئة حماية الدستور النمساوية "الاستخبارات الداخلية" في 2017 إلى أن الزيات يملك أيضا روابط أيديولوجية قوية للغاية مع ميللي جورش، أحد أهم أذرع أردوغان في أوروبا، ويراها تنظيما عابرا للحدود، وذا تأثير قوي في الدول الإسلامية.

وذكرت وثيقة للبرلمان النمساوي تعود لـ25 يناير/كانون الثاني 2013، اطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منها، أن "إبراهيم الزيات يقود الإخوان في أوروبا، ويملك علاقة قوية مع المنظمات التركية، خاصة ميللي جورش".

وأضافت أن "الزيات لا يبحث عن الاندماج في المجتمعات الأوروبية، وإنما عن تعزيز التيارات الإسلامية المتطرفة".

ولفتت إلى أن الرجل "يملك روابط مالية قوية مع التيارات الإسلامية في الشرق الأوسط"، و"أن السلطات في ألمانيا والنمسا تملك العديد من الملفات عن أنشطته، خاصة المعاملات المالية والاتصالات المريبة".

فيما ذكرت وزارة الداخلية بولاية شمال الراين ويستفاليا غربي ألمانيا في تقرير رسمي، أن "علاقات منظمة المجتمع الإسلامي في ظل رئاسة الزيات، كانت تتراوح بين الروابط الشخصية والمشاريع المشتركة، وتشمل المنظمات الإسلامية المتطرفة في الشرق الأوسط وتركيا، ومؤسسات مانحة يشتبه في دعمها الإرهاب".

شخصية مثيرة للجدل
ودائما ما يثير إبراهيم الزيات الجدل، حيث إنه غير مرحب به في كل مكان يوجد به. ففي سبتمبر/أيلول 2015، قدم النائب البارز في البرلمان النمساوي آنذاك، فيندلين مونتسر، طلب إحاطة للحكومة، اطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منه، حول مشاركة الرجل في أحد المؤتمرات في فيينا، واصفا إياه بأنه "قيادي كبير في جماعة الإخوان".

وفي مايو/أيار 2007، أحدث الزيات ضجة كبيرة في ألمانيا عندما حضر مؤتمر الاندماج الذي تنظمه وزارة الداخلية هناك.

وتسبب حضور الزيات للمؤتمر في انتقادات كبيرة للحكومة الألمانية آنذاك، لكن وزارة الداخلية الألمانية ذكرت في بيان حينها، أنها "لم تدع الزيات للمؤتمر، وفوجئت به".

وفي تصريحات لـ"دير شبيجل"، قال السياسي البارز بالحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في ألمانيا: إن "رجلا مثل الزيات لا يمكن أن يكون شريكا في حوار مع الحكومة".

فيما ذكرت وثيقة للبرلمان الألماني تعود لـ23 أكتوبر/تشرين الأول 2003، واطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منها: "لم يكن إبراهيم الزيات في أي وقت من الأوقات شريكا معترفًا به في الحوار مع الحكومة الفيدرالية".

وأوضحت أن الزيات كان الممثل الأوروبي للرابطة العالمية للشباب الإسلامي، وهي منظمة تأسست في الولايات المتحدة، ونشطت حتى 11 سبتمبر 2001.

وتملك جماعة الإخوان وجودا قويا في ألمانيا، بـ1600 قيادي، إلى جانب العديد من المؤسسات.

وتصنف هيئة حماية الدستور "الاستخبارات الداخلية" في ألمانيا، الإخوان بأنها تهديد للنظام الدستوري والديمقراطي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

حول مستقبل الإسلام السياسي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

بابكر فيصل

كتب رئيس حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، مقالا بعنوان "هل فشل الإسلام السياسي حقا؟"، حاول فيه قراءة مستقبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، مقدما العديد من الدفوعات التي تنفي أفول نجم تلك الحركات.

قال الغنوشي إن "ما يسمى بالإسلام السياسي ليس في حالة تراجع وإنما هو بصدد إصلاح أخطائه والتهيؤ لطور جديد غير بعيد من الممارسة الأرشد للحكم، وإنه لا يحتاج إلى عشرات السنين ليسترجع فرصا أكبر تنتظره في زمن الفضاءات الإعلامية المفتوحة، وفي مواجهة مشاريع انقلابية عارية من غطاء قيمي وحضاري وسياسي".

وأضاف أن "الحركة الإسلامية في خطها العريض ودعك من الهوامش المتشددة التي لا تخلو منها أيديولوجيا وأمة، قدمت الإسلام مُتمما لمنجزات ومكارم الحضارات وليس باعتباره نقيضا من كل وجه لمنجزات التحديث كالتعليم للجميع ذكورا وإناثا ولقيم العدالة والمساواة حقوقا وحريات دون تمييز على أساس الاعتقاد والجنس واللون بما يكفل للجميع حقوق المواطنة والإنسانية والحريات الدينية والسياسية كما هو متعارف عليه في الديمقراطيات المعاصرة باعتبار المساواة في الحقوق والحريات تفريعا لازما من أصل التكريم الإلهي لبني آدم 'ولقد كرمنا بني آدم'".

لا شك أن زعيم حركة النهضة في حديثه أعلاه لا يصدر عن المقولات والأفكار الأساسية بل وحتى الممارسة التاريخية التي شكلت عقل وروح الحركات الإسلامية الحديثة التي ظهرت إلى الوجود في مصر عام 1928 على يد الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.

فهو ربما يكون يُعبر فقط عن حركة النهضة التي يزعم كاتب هذه السطور أن لها خصوصية لا يمكن تعميمها على الحركات الشبيهة في المنطقة العربية والإسلامية. هذه الخصوصية نابعة من تأثرها وسعيها للاستجابة لضغط معطيات الواقع الفكري والسياسي التونسي الذي يتميز على العديد من المجتمعات الأخرى.

فمن الناحية الفكرية طغى على ذلك الواقع تراث التنوير الديني الذي أفرزه "جامع الزيتونة" على يد علماء مستنيرين كبار من أمثال الطاهر بن عاشور، كما ساد مجتمع سياسي ومدني قوي تأثر كثيرا بقيم الحداثة الغربية، وهذا على العكس من القطع الذي أحدثه البنا مع إرث الإصلاح الديني الذي قاده الإمام محمد عبده وعلماء ومصلحين آخرين مثل الشيخ حسن العطار والطهطاوي وقاسم أمين وعلي عبد الرازق.

هذا الفارق الحاسم يتبين من خلال الأفكار الجوهرية التي عبر عنها البنا، فعلى سبيل المثال نجده يقول في قضية منح المرأة الحق في العمل والانتخاب: "ما يريده دعاة التفرنج وأصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال بالمحاماة مردود عليهم بأن الرجال، وهم أكمل عقلا من النساء، لم يحسنوا أداء هذا الحق، فكيف بالنساء وهن ناقصات عقل ودين".

كتب البنا كلامه أعلاه في عام 1947 وبعد ذلك التاريخ بتسعة أعوام فقط، أي في عام 1956 كانت تونس قد أقرت قانون الأحوال الشخصية الذي أضحى وثيقة فارقة في التشريع ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي ولكن على مستوى العالم حيث منح المرأة حقوقا غير مسبوقة.

لم يصدر قانون الأحوال الشخصية التونسي من فراغ بل مهدت له حركة فكرية تنويرية عبر عنها كتاب الطاهر الحداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي أصدره في العام 1929، واعتبر فيه قضية المرأة من دعائم تقدم البلاد ولا تتعارض مع عقيدته.

أما حقوق المواطنة التي يتحدث عنها الغنوشي فلم يكن البنا يؤمن بها أصلا، فنجده على سبيل المثال يقول في "رسالة التعاليم" "لا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة ولا عبرة بالشكل الذي تتخذه ولا بالنوع، ما دام موافقا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي".

ليس هذا فحسب بل أن زعيم حركة الإخوان المسلمين في السودان الدكتور حسن الترابي لم يكن حتى وقت قريب يؤمن بقضية المواطنة، وكان يقول إنه لا يمكن لغير المسلم أن يُصبح رئيسا للدولة في الوقت الذي كان فيه المجتمع السوداني ومختلف قواه السياسية والحزبية قد تجاوزت هذه البديهية.

يحاول الغنوشي في حديثه كذلك أن ينفي عن تيار الإسلام السياسي صفة التشدد ويحصرها في هوامشه بينما التشدد والعنف هما مكونان أصيلان من المكونات الفكرية لهذا التيار. فالشيخ البنا كان في غالبية كتاباته وخطبه ومقالاته يخاطب أعضاء جماعته بلفظ الجنود، والتنظيم العسكري كان العمود الفقري للجماعة، وهو لم يكن ينفي ضرورة استخدام القوة للوصول للأهداف وإحداث التغيير.

يقول الغنوشي كذلك إن "الإسلاميين اليوم أكثر من أي وقت مضى يقفون على أنبل وأصلب موقع، فهم إلى موقع القرب العقدي والمفاهيمي الثقافي من الناس، هم يقفون كما في مصر يحملون أنبل الشعارات، مثل الدفاع عن إرادة الشعب والاحتكام لصناديق الاقتراع".

فما هو رأي المرشد المؤسس في قضية الديمقراطية؟ يقول البنا في رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي "ولو أخذنا بالحزم وأعلناها صريحة واضحة: أننا معشر أمم الإسلام لا شيوعيون ولا ديمقراطيون ولا شيء من هذا الذي يزعمون"، وهو لا يكتفي بذلك بل يصف الديمقراطية بالنظام "التافه".

أثبتت التجربة العملية أن رأي البنا في قضية الديمقراطية هو المبدأ الثابت والأصيل لدى أهل الإسلام السياسي، وأن تماهيهم مع العملية الديمقراطية لا يُعبِّر عن إيمان بها أكثر من تعبيره عن مصلحة مؤقتة، فهم متى ما رجحوا الفوز في الانتخابات تحوَّل أنصارهم إلى مدافعين عن صناديق الاقتراع ومتى ما عجزوا عن الوصول للسلطة عبر التصويت لجأوا للانقلاب العسكري، وخير دليل على ذلك هو التجربة السودانية حينما استولوا على السلطة في 1989 بعد الإطاحة بحكم شرعي ديمقراطي كانوا هم جزءا منه.

من المعلوم أن إرادة الشعب لا تقتصر على مجرد إيصال حزب ما للسلطة ومن ثم يُصبح في مقدوره العبث بالعملية الديمقراطية وتغيير قواعدها، فقد وصل هتلر للحكم في 1933 عبر الانتخابات، ولكنه بدأ في تحطيم النظام من الداخل حتى تمكن من إجهاضه بالكامل ومن ثم تحول لأسوأ دكتاتور أوروبي.

المدهش في الأمر هو أن أولى الخطوات التي اتخذها هتلر لتقويض النظام الديمقراطي تمثلت في تمرير قانون أطلق عليه اسم "قانون التمكين"، وهو قانون يُغيِّب البرلمان، ويمنح مجلس الوزراء سلطات تشريعية لمدة أربع سنوات، وهي خطوة شبيهة بتلك التي اتخذها الرئيس المصري الراحل محمد مرسي عند تمريره لمرسوم جمهوري يحصِّن قراراته ضد أية طعون قضائية.

إن إصلاح الأخطاء يتطلب مراجعة جذرية للأصول الفكرية التي قامت عليها جماعة الإخوان المسلمين، هذه المراجعة تشمل بالأساس الموقف المبدئي من مفاهيم الوطنية والديمقراطية والعلاقة بالآخر (المسلم وغير المسلم)، إضافة لنبذ منهج العنف والتشدد والإقصاء والتخلي عن الاستعلاء الذي يقود بالضرورة لطائفية بغيضة ظل يتميز تيار الإسلام السياسي منذ نشوئه وحتى اللحظة الراهنة.

عن "الحرة"

للمشاركة:

اليمن يعاني أزمات عدة.. إلا كورونا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

من المفارقات العجيبة واللافتة، أن بلدا فقيرا كاليمن الذي يعاني من ويلات الحرب وتبعاتها، كما يعاني الصراع والتفشي المتكرر للأوبئة؛ يعيش سليما معافى حتى اليوم من فايروس كورونا الذي ضرب معظم دول العالم وأدى إلى وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص وإصابة مئات آلاف منهم.

ولم يسجل اليمن حتى اليوم أي إصابات بفايروس كورونا، وسط مخاوف متكررة وتحذيرات من أنه في حالة وصوله إلى البلد، ستكون له تبعات ونتائج كارثية في شتى المجالات، لاسيما أن هذا البلد الفقير يعاني من تدهور حاد في القطاع الصحي الذي بات شبه مدمر.

وعلى الرغم من عدم انتشار هذا الوباء في اليمن، صنع هذا الفايروس تأثيرات كبيرة على حياة السكان وعلى أعمالهم وحياتهم اليومية، وسط الإجراءات المتكررة المتخذة من قبل السلطات الحاكمة، سواء الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، أو جماعة أنصارالله الحوثية، التي تسيطر على صنعاء ومحافظات أخرى مكتظة بالسكان.

وضمن الإجراءات الاحترازية الرامية إلى منع وصول فايروس كورونا إلى اليمن، اتخذت مختلف السلطات إجراءات احترازية بينها إغلاق المنافذ الجوية والبرية وإيقاف العملية التعليمة بشكل عام، إضافة إلى إغلاق صالات الزفاف والمناسبات والمؤتمرات، مع إغلاق الحدائق العامة وبعض الأسواق.

ويشكو اليمنيون من التأثيرات السلبية التي جلبها هذا الفايروس على حياتهم، رغم عدم وصوله إلى البلاد، بسبب الإجراءات المتخذة التي أوقفت العديد من الأعمال، وأثرت بشكل كبير على حياة المواطنين الذين يعانون بالفعل من أزمة إنسانية كبيرة، حتى ما قبل المخاوف التي أثارها الفايروس التاجي.

وأجبر العديد من اليمنيين على إيقاف أعمالهم مؤقتا وبقائهم في منازلهم حرصا على سلامتهم من الفايروس، فيما يشكو آخرون من أن المخاوف من انتشار الفايروس قد أدى إلى ضرب حركة السكان في الأسواق والمؤسسات وغيرها.

الآلاف من العالقين في قلب اليمن

المخاوف من انتشار الفايروس، جعل جماعة الحوثي تقرر منع دخول أي مسافر ومواطن إلى المناطق الخاضعة لسلطتها من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، فيما قامت الحكومة الشرعية بإجراء مماثل.

وأدى هذا القرار إلى خضوع الآلاف من المسافرين للحجر الصحي في ظروف سيئة بمحافظة البيضاء التي توصف بأنها قلب اليمن، وسط شكاوى من الظروف الصعبة التي يعانيها هؤلاء الخاضعون للحجر الصحي.

وقال مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، “إن هناك مخاوف بشأن الآلاف من الأشخاص،  بينهم مهاجرون (من القرن الأفريقي) بمرافق الحجر الصحي في ظروف سيئة ومزدحمة بمناطق مختلفة في البلاد، كجزء من التدابير الاحترازية ضد كورونا”. وأكد أن “شركاء العمل الإنساني، يقدمون مساعدات منقذة للأرواح، للأشخاص في مرافق الحجر الصحي”.

ويقول محمد القحم، وهو أحد العالقين الخاضعين للحجر الصحي في منفذ عفار بمحافظة البيضاء لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ)، إنه يعيش ظروفا صعبة بسبب عدم وجود خدمات أساسية في الحجر الصحي.

ويضيف أن “الظروف هنا مأسوية للغاية، والناس يعيشون في واقع مزدحم غير خاضع لأي إجراء صحي سليم، ما قد يؤدي إلى انتشار هائل للفايروس إذا كان أحد المتواجدين مصابا بكورونا”.

ويتابع لافتا إلى “أنه إذا كانت هناك ضرورة وتشديد من قبل السلطات حول الحجر الصحي، يفترض أن يتم تقديم الخدمات الأساسية للمتواجدين هناك، ومحاولة التفريق في ما بينهم وعدم الزج بالعديد من الأفراد في غرف ومدارس تخلو من أي خدمات صحية”.

كورونا يفقد اليمنيين الدخل
مع بدء الإجراءات الاحترازية الرامية لمنع وصول كورونا، تأثر العديد من اليمنيين وفقدوا فرص عملهم، بسبب توقف المؤسسات أو الأماكن التي يعملون فيها، والتي أغلقت إجباريا، كما حدث في العديد من دول العالم.

ومن بين الذين فقدوا أعمالهم حاليا وتوقف دخلهم، عصام مهيوب، وهو يعول 6 من الأطفال ويعيش في صنعاء. يتحدث مهيوب عن وضعه مشيرا إلى أن فايروس كورونا تسبب في صنع تأثيرات سلبية على حياته، بعد أن توقف عمله في إحدى الوكالات المعنية بخدمات الحج والعمرة والسفر بصنعاء. قائلا “حاليا أعيش دون دخل، وأتمنى انتهاء هذه الجائحة التي سببت لنا أزمات نفسية ومعيشية، رغم أنها لم تصل اليمن”.

مأساة في بلد تطحنه الحرب

لم يكن فايروس كورونا هو الوباء الأول الذي يخشاه اليمنيون حاليا؛ فقد عانوا كثيرا خلال الفترة الماضية من تفشي الأوبئة كالكوليرا الذي أودى بحياة أكثر من 3700 شخص منذ العام 2017، وفقا لتقارير أممية رصدت أيضا وجود أكثر من مليوني حالة يشتبه إصابتها بالوباء ذاته في اليمن خلال الفترة ذاتها.

وفي حال مجيء فايروس كورونا إلى اليمن، فإن الوضع سيكون مختلفا ومأسويا بشكل أكبر من السابق، خصوصا أن هذا الوباء عجزت العديد من الدول عن التصدي له. وتقول الصحافية اليمنية المختصة بالجانب الإنساني عفاف الأبارة إن كورونا له تأثيرات كبيرة على المجتمع اليمني الذي تطحنه الحرب والأوبئة للعام السادس على التوالي.

وتضيف “لقد لاحظنا الكثير من الإجراءات الاحترازية التي قامت بها الأطراف المتصارعة من أجل مكافحة الفايروس؛ لكننا شاهدنا إجراءات بها الكثير من الاستفزاز والاستغلال لوضع المواطن، وتعريض حياته للخطر الحقيقي”.

وتطرح كمثال “استغلال جماعة الحوثي لوضع المواطنين القادمين من الخارج واستخدامهم كورقة سياسية للانتقام من خصومها في المملكة العربية السعودية والحكومة الشرعية، حيث لم تراع الجماعة وضع المواطنين المصابين بالأمراض المزمنة والأمهات والآباء الكبار في السن، الذين تم وضعهم في حجر صحي يفتقر لأدني مقومات الحياة”.

وتختم قائلة “بالتكاتف وتوحيد الجهود سيخرج الشعب من أزمة كورونا بأقل الخسائر، لكن ما نراه على أرض الواقع العكس، فالميليشيات والتشكيلات العسكرية التي أفرزتها الحرب ستواصل مشاريعها التخريبية، ولن يأتي اليوم الذي يهمها معاناة شعبها وآلامه وكل همها تنفيذ ما يملى عليها الخارج فقط”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية