"دماء على رمال سيناء": كيف ظهرت كل هذه التنظيمات الجهادية؟

6992
عدد القراءات

2018-04-05

أسعد البيك، زعيم أهل السنة والجماعة بمنطقة العريش في شمال سيناء، الذي ألقي القبض عليه في أيلول (سبتمبر) 2013، كان دائم التأكيد على عدم وجود أي تكفيريين في المنطقة، قد ينسب أحياناً بعض العمليات المسلحة لمجموعات من الأفراد، توجه عنفها للداخل الإسرائيلي، في إشارة إلى أنّهم لا يواجهون الشرطة أو الجيش المصري، لكنه ينكر وجود نفوذ للتكفيرين في سيناء.

مشهد أربك الجميع

البيك وجماعته في سيناء امتداد لدعوة "أهل السنة والجماعة"، التي أسسها عبد المجيد الشاذلي، وأحمد عبد المجيد عبد السميع، وآخرون، كانوا ضمن المعتقلين في تنظيم 1965، مع سيد قطب، ومحمد يوسف هواش، وعبد الفتاح اسماعيل. دعوة تأسست بعد خروجهم من السجن، منتصف السبعينيات، اشتهرت أيضاً باسم "التيار القطبي"، ورغم تأثيرهم الكبير مادياً ومعنوياً في العديد من التكفيريين وأعضاء السلفية الجهادية، إلا أنّهم دائمو النفي لوجود أي عنف مسلح في المنطقة، في تجاهل صريح لقتل أفراد الجيش والشرطة في القاهرة بشكل شبه يومي، في الفترة التي أعقبت ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 ، وتراجع القبضة الأمنية للدولة.

تفجر الوضع في سيناء على خلفية الثورة المدعومة من الجيش ضد حكم الإخوان أربك الجميع

تفجّر الوضع في سيناء على خلفية الثورة ضد حكم الإخوان المدعومة من الجيش المصري، كان مربكاً في تلقيه من الجميع؛ سواء على المستوى الأمني، أو الإعلامي، أو البحثي، أو حتى على المستوى الجماهيري؛ مندهشين من تفجّر مفاجئ للوضع، وظهور بؤر تكفيرية مسلحة في أغلب نواحي القاهرة، دون أدنى مقدمات تسبق ذلك، أغلبها جماعات كان يرى البعض أنّها خرجت من العدم، وروّج آخرون من أعضاء تنظيمات الإسلام السياسي، أنّها مدعومة من الأجهزة الأمنية في القاهرة؛ من أجل استخدامها فزّاعة تخويف، تعطل مطالبات المعارضة، وتكون سبباً لتحجيم دعوات التيار الديني.

أسعد البيك، زعيم أهل السنة والجماعة بمنطقة العريش في شمال سيناء

إزالة الإرباك في هذا المشهد هو ما يسعى إليه الباحثان في شؤون جماعات الإسلام السياسي: ماهر فرغلي، وصلاح الدين حسن في كتاب "دماء على رمال سيناء"، الذي صدر مؤخراً عن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، ومركز "دال" للأبحاث والإنتاج الإعلامي.

الكتاب، الذي جاء في 427 صفحة، تضمن في نهايته ملاحق، جاوزت المائة صفحة، عبارة عن وثائق أمنية، ومحاضر تحقيق، مع أطراف التنظيمات الجهادية، وبعض المراسلات بين أطراف تلك الجماعات، إلا أنّ الميزة الأبرز للكتاب، إلى جانب الوثائق، كانت في تلاحم الباحثين مع تلك التيارات منذ اللحظة الأولى لتشكلها من جديد، في أعقاب وصول مد ثورات الربيع العربي إلى مصر في 25 كانون الثاني (يناير) 2011، ورصدهما للتطورات وإحالات ذلك التشكل، خلال السنوات الأخيرة.

تتبع المؤلفان تشكل التيارات الإسلاموية من جديد في أعقاب الربيع العربي ورصدا تطورات وإحالات ذلك

لم يعتمد الباحثان فقط على الوثائق، التي جاوزت 70 ألف وثيقة خاصة بالتنظيمات الجهادية المسلحة، فقد بدأت رحلة الكتاب معهما عند الشرارة الأولى للثورة، عندما قررا النزول إلى الميدان، والتواصل مع أعضاء تيارات الإسلام السياسي، المشاركين في الثورة تحت مسميات مختلفة، ليكتشفا أنّ أعضاء التنظيمات التكفيرية، التي كانت حبيسة بالأمس القريب، تخطّت أسوار محابسهم، إمّا هرباً خلال أحداث اقتحام السجون المصرية في 28 كانون الثاني (يناير) 2011، أو بالعفو؛ بعد أن أسقطت عنهم التهم، بضغط من جماعة الإخوان المسلمين.

ومن خلال هذا الجهد، بالمزج بين الوثيقة وشهادة أطراف القصة من التكفيريين، يسعى المؤلفان إلى أن يقدما للقارئ صورة متماسكة عما حدث في سيناء.

تفرقت المجموعات المقاتلة في أفغانستان بعد الهزيمة السوفييتية

خلفيات الجهاد والتكفير

برزت المجموعات الجهادية منتصف السبعينيات من القرن العشرين، وإن بدأ تشكلها نهاية الستينيات على خلفية المواجهات الأمنية بين الدولة، ومجموعات الإخوان، التي حاولت إعادة إحياء الجماعة من جديد العام 1965، فقبل ذلك التاريخ بعام تأسست "جماعة الجهاد"، وفي فترة لاحقة تأسست "جماعة التكفير والهجرة"، ووصلت تلك المجموعات إلى قمة نشاطها نهاية السبعينيات، وبداية الثمانينيات؛ مع انتقالهم إلى أفغانستان، وتدريب الأعضاء على جميع أنواع الأسلحة، وفنون الحرب والقتال.

شكلت تيارات الإسلام السياسي الخريطة الجهادية التي نهضت تحت مسميات سلمية مع بداية ثورة يناير

تفرقت المجموعات المقاتلة في أفغانستان بعد الهزيمة السوفييتية، وتأسست على خلفية ذلك بعض التنظيمات الجهادية الأخرى، بدأها تنظيم "القاعدة" الذي كُشف عنه أوائل التسعينيات. ثمَّة جماعات أخرى تشكلت في مصر والعراق والأردن وصحراء شمال أفريقيا، على خلفية العمليات العسكرية التي وجهتها أمريكا للعراق، كانت أبرز تلك الجماعات "التوحيد والجهاد"، التي أسسها الأردني أبو مصعب الزرقاوي في العراق، التي تطورت بعد ذلك حتى أصبحت "دولة الإسلام في العراق والشام – داعش"، ظهرت أيضاً مجموعات موالية للزرقاوي في مصر ومالي تحت نفس المسمى، "التوحيد والجهاد"، غير أنّ الملاحقات الأمنية لتلك التنظيمات، والقبض على آلاف المنتمين إليها، وقتل معظم قياداتها، أوحى للجميع أنّ الإرهاب ينكسر، أو أنّه بالفعل سقط، وظلت تلك المجموعات في السجون لسنوات، حتى قيام ثورات الربيع العربي، في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، التي من خلالها استعادت تلك التنظيمات تشكيلاتها من جديد، بعد أن كانت قد فقدت السيطرة على نفوذها داخلها، إما بتصفية قيادات تلك الجماعات، أو التصديق على مراجعات قيادات أخرى، تراجعت عن فكر التكفير والمواجهة المسلحة.

بيعات في ميدان التحرير

الباحثان استطاعا من خلال الرصد الميداني، لتجمعات أعضاء تيارات الإسلام السياسي، رؤية الخريطة الجهادية، وهي تنهض من جديد، تحت مسميات مختلفة بدت سلمية في أوائل ثورات الربيع العربي، مثل تنظيمات "طلاب الشريعة"، و"حازمون"، و"الجبهة السلفية"، وأيضاً رصد تجمعات لقيادات الجهاد القدامى، وهم يأخذون البيعة من شباب الدعوة السلفية في ميدان التحرير، وكان على رأسهم توفيق فريج زيادة، الذي تواجد في الميدان تلك الفترة، وهو نفس الشخص الذي أسس تنظيم "أنصار بيت المقدس"، امتداداً لتنظيم "التوحيد والجهاد"، الذي أسسه خالد مساعد في سيناء أوائل الألفية الثالثة، وبايع تنظيم "داعش" نهايات العام 2014، ليصبح "ولاية سيناء".

كشف حقيقة الخلافات التي أدت إلى خروج بؤر جهادية متعددة تشعبت ولاءاتها بين القاعدة وداعش

أخطر ما رصده الكتاب تلك الانشقاقات المتزايدة والمتسارعة، بين شباب الدعوة السلفية، وجماعات الإخوان المسلمين، وأهل السنة والجماعة، والجهاد، والجماعة الإسلامية؛ على خلفية مواجهات فكرية كانت تسعى لتحديد آلية العمل الدعوي، في الفترة اللاحقة على خلع الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، لتعود للساحة من الجديد النزاعات حول التكفير، والتوقف والتبين، والولاء والبراء، وهل تتجه الجماعات بعمليات القتل للجيش والشرطة في القاهرة أم للعدو الصهيوني في سيناء، أم للجميع؛ على أرض "تحكم بغير شرع الله"، تلك الانشقاقات وإن اختلفت في الفقه والرؤية وآلية العمل، إلا أنّها اتفقت على المواجهة المسلحة، وكان العامل المشترك بينها جميعاً، شمال سيناء.

تتركز العمليات الإرهابية ضد الجيش المصري في سيناء، داخل ما يعرف بالمنطقة "ج"

إدارة التوحش

تتركز العمليات الإرهابية ضد الجيش المصري في سيناء، داخل ما يعرف بالمنطقة "ج"، وهي المنطقة منزوعة السلاح طبقاً لاتفاقية كامب ديفيد. ضعف التواجد الأمني في تلك المنطقة، سمح لتلك الجماعات بالتواجد في مناطق شبه آمنة لممارسة عملياتها، وأيضاً شبه آمنة لجميع الجهاديين في مصر، والدول العربية المحيطة، من أجل تلقّي التدريبات على السلاح والقتال، وفي السجون تلاقت أهداف أعضاء التيارات الجهادية والتكفيرية المختلفة، وتوطدت العلاقات التي سمحت لهم بسهولة العمل، بعد هروبهم من السجون في كانون الثاني (يناير) 2011، وكان الفرار الأكبر إلى سيناء، بعد أحداث فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة آب (أغسطس) 2013. بعضهم عجز عن الالتحاق بمجاهدي سيناء، فعمل على تأسيس بؤر جهادية صغيرة في القاهرة والدلتا، أبرزها تنظيم "أجناد مصر"، و"خلية مدينة نصر"، و"كتائب حلوان"، وتنظيم "حسم".

يكشف تسلسل العلاقات بين أعضاء التنظيمات الجهادية السابقة وصولاً للعاملة حاليا حقيقة ما يحدث في سيناء

الإرباك الحادث في قراءة خريطة التنظيمات الجهادية في السنوات الأخيرة، بدأت تتكشف خيوطه، التي أوضحها الباحثان في كتابهما، الذي تميز أيضاً بشرح طريقة العمل، وفقه الجهاد، المصاحب للعمليات المسلحة، المنتشرة في بؤر الجهاد الصغيرة داخل المحافظات المصرية، فيما أطلق عليه "إدارة التوحش"، وهو المصطلح الذي أفرد له الباحثان مساحة كبيرة داخل الكتاب، انطلاقاً من مُؤَلَّف بنفس العنوان، لجهادي يحمل الاسم الحركي "أبو بكر ناجي"، وإن أشار الباحثان لبعض الأسماء، التي ربما تكون قد سطّرت الكتاب، الذي وضّح من خلاله أبو بكر، مانيفستو الجهاد، الذي يستطيع من خلاله أي عضو إدارة عمليات التوحش، في المناطق التي يتواجد فيها، دون أن يحتاج للالتحاق بأماكن سيطرة الجماعات الجهادية، وهي العمليات التي تربك الدولة، وتضعف قوتها؛ من خلال مواجهات متفرقة ومختلفة، تعتمد على أبسط الإمكانات المتاحة، وأقل الأعداد.

ويوضح الكتاب، تسلسل العلاقات بين أعضاء التنظيمات الجهادية على مدار العقود الأخيرة، وصولاً للتنظيمات العاملة حالياً، وهي المسألة التي تكشف حقيقة ما يحدث في سيناء، الذي حاولت جماعات الدعوة السلفية والإخوان نفيه في مراحل عديدة، أو إلصاقه بأجهزة الدولة، ويكشف الباحثان أيضاً حقيقة الخلافات التي أدت إلى خروج بؤر جهادية متعددة، من رحم الجماعة الجهادية الأم، تلك البؤر التي تشعبت ولاءاتها ما بين تنظيمي القاعدة وداعش، المتصارعين على السيطرة، وضم العدد الأكبر من الجهاديين في العالم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: