كيف تكيّف الإسلام السياسي مع "سيولة" الحداثة؟

كيف تكيّف الإسلام السياسي مع "سيولة" الحداثة؟

مشاهدة

29/10/2019

هل يمكن أن يكون الإسلام السياسي ظاهرة سائلة؟ بمعنى أنّه دائم التغير ولا يعرف ثباتاً؛ فلا يستطيع الباحث موضعته لمرة واحدة وإلى الأبد؛ أي تشكيله باعتباره موضوع دراسة ويدرسه في ثبات واستقرار تتطلبه أيّة ظاهرة محل بحث؟ نظراً للتغيرات الكثيرة والسريعة التي تشهدها ظاهرة الإسلام السياسي، فإنّ الباحث ما إن يضع يده على معالم هذه الظاهرة حتى تتغير وتتحول إلى شيء آخر، مما يجعل الأدوات المنهجية والتصورات النظرية التي كان يستخدمها في دراسته غير صالحة، ويتقادم الإطار النظري كلّه، وتتهافت كلّ النتائج التي توصل إليها، وكلّ التعميمات والتنظيرات التي تمّ بناؤها على هذه الظاهرة "السائلة".

اتصف الإسلام السياسي بحالة من السيولة طوال تاريخه واستقراره الحالي مرحلي

فيما يلي أحاول اختبار فرضية "سيولة" الإسلام السياسي، هذه السيولة إذا ثبتت ستعني شيئاً واحداً؛ هو أنّ "السيولة" علامة على "المرونة" والقدرة على التكيف مع الكثير من الظروف، والتلون مثل الحرباء بلون العصر والبيئة التي يجد الإسلام السياسي نفسه فيها؛ كما ستعني "المراوغة"؛ أي قدرة هذه الأيديولوجيا على الإفلات من أيّ هجوم أو نقد أو تفكيك، بهروب أو بحركات التفافية، تتأسّس كلّها في اللجوء إلى النصوص الدينية كحائط صدّ وترهيب لكلّ نقد. 
سوف أتناول ظاهرة الإسلام السياسي بقياسها على أطروحة عالم الاجتماع، زيجمونت باومان (1925–2017)، صاحب مقولة "السيولة"؛ التي وصف بها الحداثة، وكلّ مظاهرها؛ من اقتصاد وسياسة وثقافة، ووضع بشري يشمل الحياة اليومية وثقافة الاستهلاك، مع ما يرافق هذا الوضع من ظواهر الحبّ والشرّ والأخلاق، لقد اتصف الإسلام السياسي بحالة من السيولة طوال تاريخه، وإذا كان قد اتّصف بشيء من الثبات في عصرنا الحالي، واستقرت بعض أهم خصائصه، فإنّ استقراره الحالي هذا هو استقرار مرحلي، وقد كان في كلّ مرحلة من مراحله السابقة يبدو مستقراً ثابتاً كما هو حاله الآن؛ لذلك لا يجب أن يخدعنا ثباته الحالي، ويدفعنا لتعميم هذا الثبات، الذي يمكن أن يكون عابراً، على كلّ مراحله التاريخية السابقة؛ لأنّ الفحص في هذه المراحل يبين لنا سيولته لا ثباته.

اقرأ أيضاً: أسرار اتصالات الإخوان بـ "CIA"
هل يمكن أن تكون ظاهرة الإسلام السياسي "سائلة" بالمعنى الذي قصده باومان من هذا المصطلح؟ لقد أطلق باومان هذا المصطلح كصفة للحداثة، وكلّ مظاهرها، وكان يقصد به التغير المستمر للحداثة، وارتباطها بالأزمنة الخاصة التي توجد بها، وتغير صفاتها باستمرار مع تغير حامليها الاجتماعيين، واختلاف طبائع العصور المتعددة والشعوب التي شملتها، هذا التوظيف للمصطلح يغرينا بأن نبحث عن تطبيق له على ظاهرة الإسلام السياسي، التي تشهد هي الأخرى حالة من السيولة، الآتية من العوامل نفسها التي جعلت الحداثة عند باومان "سائلة".
فالإسلام السياسي، مثله مثل الحداثة، يتلون بلون المنطقة الجغرافية التي ينتشر فيها، وبلون الشعوب التي ينتشر بينها، وبلون العصر الذي يسود فيه، وبلون الظرف السياسي المحيط به؛ فعلى مستوى الإقليم الجغرافي، لا شكّ في أنّ ظاهرة تسييس الإسلام في المناطق الصحراوية من العالم العربي، والتي ما تزال محتفظة بالبناء القبلي، يرتبط بالقبيلة وبالأعراف القبلية هناك، مما أنتج الوهابية.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" في الدول الإسكندنافية
أما المناطق الأخرى التي شهدت حضارات زراعية قديمة واتصلت بالحداثة منذ وقت مبكر، مثل مصر وبلاد الشام وتونس، فإنّ ظاهرة الإسلام السياسي فيها اتخذت شكلاً آخر، وهو صورة الحركة السياسية الساعية إلى اخترق المجال السياسي للحصول على مكاسب داخل الجهاز السياسي لدولة قائمة، وهو ما كانت تحاوله جماعة الإخوان المسلمين في فترات معينة من القرن العشرين.

الإسلام السياسي مثله مثل الحداثة يتلون بلون المنطقة الجغرافية التي ينتشر فيها

وبذلك ترتبط ظاهرة السيولة التي للإسلام السياسي بالسياقات المختلفة التي نشأ فيها، من شبه الجزيرة العربية في حالة الوهابية، إلى الهند التي قدمت صورة مختلفة للإسلام السياسي في القرن التاسع عشر، ثم المودودي في القرن العشرين، إلى مصر في العصر الليبرالي القصير، الذي ظهر فيه حسن البنا، ومصر في العصر الناصري الذي ظهرت فيه القطبية، إلى مصر في العصر الساداتي، الذي تبلور فيه الإسلام الجهادي العنيف.
أرجع علي مبروك، في كتابه الأخير "مفهوم الشريعة: بين تسييس الإسلام وتحريره"، ظاهرة التسييس إلى الوهابية أولاً، قبل أن يرجعها إلى السياق الهندي لتسييس الإسلام على يد الأفغاني وأبي الأعلى المودودي، والسبب في تسييس الإسلام لدى الوهابية هو ما كشف عنه مبروك، مستعيناً بابن خلدون، في ارتباط الدعوة الدينية لدى العرب بالعصبية القبلية، وأنّ "العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية؛ من نبوة، أو دعوة، أو ولاية، أو كرامة، أو أثر من الدين على الجملة".

اقرأ أيضاً: قراءة في مراجعات "الإخوان"
ويضفي مبروك على هذا الشرط القبلي والبيئي الأنثروبولوجي لتسييس الإسلام طابع النسبية، ويحصره في المجال التداولي للإسلام في شبه الجزيرة وحدها، في تمييزه لها عن الأقطار العربية الأخرى التي شهدت أنواعاً أخرى من العمران "المدني"، في اختلاف عن العمران "الوحشي" أو "القبلي"، الذي اتجه بفهم الشريعة وتوظيفها ناحية التسييس من جهة، وناحية النظر إليها على أنها نصوص ثابتة وحدود وأحكام من جهة أخرى.
اختلف الإسلام السياسي في السياق الهندي عن نظيره في السياق القبلي لشبه الجزيرة العربية، وشهدت الهند حكماً إسلامياً لفترة طويلة سابقة على الاحتلال الإنجليزي، وعندما جاء الاحتلال، الذي اتبع سياسة متسامحة ومنفتحة مع كلّ الأديان هناك، فأنهى الحكم الإسلامي في الهند، وأدى إلى تآكل البناء التقليدي للمجتمع الهندي وتفككه، وكان الاحتلال هناك عنيفاً وفي غاية الاستغلال والقهر، في ظلّ هذه الأوضاع كانت خبرة الهند بالحداثة صدامية وصراعية منذ بدايتها، وثبت في الوعي الهندي المسلم أنّ الحداثة متناقضة مع الإسلام، وقام هذا الوعي بالربط بين الحداثة الغربية ووجهها الاستعماري المستغل.

جاءت كلّ خطابات الإحياء الإسلامي من الهند مسيّسة وصدامية مع الحداثة وتسعى لإعادة تأسيس دولة الخلافة

من هنا جاءت كلّ خطابات الإحياء الإسلامي من الهند مسيّسة وصدامية مع الحداثة، وتسعى لإعادة تأسيس دولة الخلافة، التي رأت أنّ الإسلام لن تقوم له قائمة بدونها، وكان هذا هو العنصر الثابت في فكر الأفغاني وأبي الأعلى المودودي، الأصل الأول لتسييس الإسلام عند رشيد رضا وحسن البنا وسيد قطب، ومن هذا الأصل الهندي في تسييس الإسلام جاءت كلّ الأفكار المميزة للإسلام السياسي العربي، مثل: الحاكمية، وأستاذية العالم، والوصاية الدينية على الدولة المدنية، وتكفير المجتمع المسلم، وانقسام العالم إلى ديار الإسلام وديار الحرب، وهي كلّ الأفكار التي شكلت وقوداً للإسلام الجهادي.
وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين والعقد الأول للقرن الحادي والعشرين؛ حدث تحوّل نوعي آخر للإسلام السياسي؛ ففي الداخل زاد تغلغل جماعاته في مؤسسات المجتمع المدني ووصل ممثلوه إلى العديد من برلمانات الدول العربية، ومن جهة ثانية أقام شبكات اتصال عالمية وانتشر في الدول الغربية جاذباً العديد من الأقليات المسلمة هناك، ومن جهة ثالثة زاد انتشار منظماته الإرهابية وتعدّدت مصادر تمويله حتى استفحلت خطورته.

اقرأ أيضاً: من هو حسن البنا "الساعاتي" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؟
أما عن خطاب الإسلام السياسي؛ فهو الآخر يشهد تنوعاً واختلافاً وانتشاراً على مستويات عدة، مما يجعله ظاهرة سائلة أيضاً، قد يظهر هذا الخطاب في نظر المؤمنين به أو المنخدعين على أنّه نضالي ومقاوم، مثير ومحفّز ومحرض، لكنّه يتضمن نزعة محافظة وتعصباً وانغلاقاً شديداً، وهو يلعب على العاطفة الدينية والتديّن التقليدي الطبيعي للجماهير، وعلى المخيلة الدينية والوعي الجمعي الديني، ما يمكّنه من الانتشار في الأوساط الدنيا من المجتمع، لكنّه، في الوقت نفسه، يستخدم مفردات تراثية ويقدّم نفسه على أنّه بديل للحداثة، مما يجعله جذاباً للفئات الاجتماعية الأعلى.
إنّ تنوّع خطاب الإسلام السياسي يكسبه مرونة وسَعَة في الانتشار في شرائح طبقية، ربما يكون بينها تناقض وصراع اجتماعي فعلي، لكنّه يضمّها معاً في رؤية أيديولوجية واحدة.  
إنّ تنوع أشكال الإسلام السياسي وانتشاره على مستويات عديدة ومرونته وقدرته على التلون، يرجع لارتباطه بالحداثة، لا أعنى بذلك أنّه ظاهرة "حداثية"، أو أنّه نتاج للحداثة، بل أعني أنّه ظاهرة تحدث في سياق الحداثة ومن داخلها، وبذلك يصير مشروطاً بالطابع العام لكلّ ما يدخل في نطاقها، وهو السيولة.


الصفحة الرئيسية