احتجاجات كازاخستان: هل خرج الناس من أجل العيش أم الديمقراطية؟

احتجاجات كازاخستان: هل خرج الناس من أجل العيش أم الديمقراطية؟

مشاهدة

08/01/2022

ترجمة: علي نوار

على مدار 30 عاماً ظلّت كازاخستان تُحكم بقبضة حديدية من جانب نورسلطان نزارباييف الذي تولّى السُلطة في آخر جمهورية تُعلن استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي البائد عام 1991. وعندما غادر نزارباييف المنصب عام 2019 استمرّ في الاحتفاظ بصلاحيات بفضل تأثيره وقدرته على التحكّم في الخيوط من وراء الستار. ولكي لا ينسى الكازاخيون أنّه لا يزال حاضراً على الساحة، أطلق اسمه على عاصمة البلاد الجديدة نورسلطان التي شُيّدت بالكامل خلال فترة حُكمه وصارت نموذجاً للبذخ الذي تعيشه دولة غنيّة بالبترول والغاز الطبيعي.

لكنّ الرئيس الذي جاء خلفاً لنزارباييف، وهو قاسم جومارت توكاييف، لا يبدو أنّه يحظى بنفس القدر من التقدير والاحترام من قبل مواطنيه البالغ تعدادهم 18 مليون نسمة، وهو ما يظهر في تواصل الاحتجاجات بجميع أرجاء البلاد لا سيما في مقاطعة مانكيستاو. وازدادت وتيرة التظاهرات بعد قرار رفع أسعار الوقود وتعريفة وسائل النقل والمنتجات الغذائية، وهي الإجراءات التي قوّضت قُدرة الكثير من العائلات الكازاخية على تدبير نفقاتها الشهرية الأساسية.

استمرار لمظاهرات بيلاروسيا

وبعد الاحتجاجات التي خرجت في بيلاروسيا ضد الدكتاتور ألكسندر لوكاشنكو، جاء دور كازاخستان، لكن بمطالب يغُلب عليها الطابع السياسي بدرجة أكبر رغم كونها مدفوعة بارتفاع أسعار المعيشة، حيث لا ينفك المتظاهرون يردّدون شعارات المناداة بالحرّية والديمقراطية. وألقت أجهزة الأمن الكازاخية القبض على مئات المحتجّين هذا الأسبوع، وللمرّة الأولى منذ بداية الاشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين يُصاب 95 شرطياً جراء العنف.

بعد الاحتجاجات التي خرجت في بيلاروسيا ضد الدكتاتور ألكسندر لوكاشنكو، جاء دور كازاخستان، لكن بمطالب يغُلب عليها الطابع السياسي بدرجة أكبر رغم كونها مدفوعة بارتفاع أسعار المعيشة

ومن أجل تخفيف وطأة الاحتجاجات، اضطّر الرئيس، أو قبل وفقاً للبيان الرسمي، استقالة رئيس الوزراء عسكر مامين وحكومته بالكامل. وعيّن توكاييف بدلاً منه وبصورة مؤقّتة عليان إسماعيلوف كي يمتصّ غضب الشارع، في الوقت الذي أعلن فيه حالة الطوارئ على جميع أنحاء البلاد مع فرض حظر تجوال خلال ساعات الليل.

إقرأ أيضاً: آخر تطورات الأحداث في كازاخستان... وهذه أبرز المواقف الدولية

ورُغم أنّ كازاخستان دولة ديمقراطية رسمياً، إلّا أنّ الانتصارات المتعاقبة والمتتالية للرئيس السابق نورسلطان نزارباييف في الانتخابات، وفرض حالة من الرقابة الصارمة والقمع العنيف، أدّت إلى تشكّل معارضة شرسة تطالب برحيل الرئيس والدائرة المحيطة به، بينما تسيطر على المباني الحكومية التي تضمّ أهمّ جهات الدولة. على أنّ توكاييف ألمح إلى احتمالية كون هؤلاء عناصر أجنبية، داعياً إياهم إلى التوقّف عن ارتكاب "أعمالهم الإجرامية" لأنّهم سينالون "عقاباً شديداً".

والحقيقة أنّ كازاخستان تحوّلت على مرّ الأعوام الـ30 المنصرمة إلى قوة اقتصادية كُبرى في آسيا الوسطى، لدرجة أنّ العديد من الشركات متعدّدة الجنسيات من جميع أنحاء العالم اتّجهت للاستثمار هناك وبأرقام ضخمة. ما أسهم في تحقيق معدّل تنمية مستدامة وصل إلى 10%، وتفوّق كازاخستان وبفارق شاسع عن باقي جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة في آسيا وهي أذربيجان وقيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان.

أسباب تظاهرات كازاخستان

بيد أنّ الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها روسيا، أبرز شركاء كازاخستان على المستويين الاقتصادي والتجاري، وانخفاض أسعار النفط عالمياً، تُرجمت في صورة قفزة هائلة في أسعار الاستهلاك وزيادة معدل التضخّم وبالتالي تراجع قيمة العملة المحلّية "التينج".

احتجاجات في كازاخستان

ومع المساحة الكبيرة التي تتمتّع بها كازاخستان- 2.8 مليون كلم مربع- وانخفاض تعداد سكّانها، بدأت الشرارة الأولى للاحتجاجات في مدينة جاناوزن بمقاطعة مانكيستاو، قبل أن تمتدّ سريعاً إلى العاصمة القديمة للبلاد ومركزها الاقتصادي ألماتي ومنها إلى أكتاو كُبرى المُدن الكازخية الواقعة على بحر قزوين.

وتراقب روسيا الأوضاع في كازاخستان عن كثب وبقدر كبير من القلق، خاصّة وأنّ نموذجي أوكرانيا وبيلاروسيا، اللتين تحاولان التخلّص من النفوذ الروسي، لا يزالان حاضرين في ذهن رئيس الكرملين فلاديمير بوتين الذي تراوده أحلام إعادة إحياء الإمبراطورية الروسية على أنقاض الاتحاد السوفييتي السابق، والذي أجرى الجزء الأكبر من تجاربه النووية على أراضي كازاخستان، تاركاً شعبها يُعاني ويلاتها وآثارها المُدمّرة حتى اليوم.

إقرأ أيضاً: توتر بين الصين وتركيا.. ما علاقة الإيغور والأكراد؟

لكنّ تطلّعات الكازاخيين الاقتصادية والسياسية لا يبدو أنّها ستتحقّق بسهولة، وقد أعلنت قوات الأمن بالفعل عن مقتل 10 متظاهرين مناهضين للحكومة على الأقل في ألماتي، وادّعى متحدّث باسم الشرطة أنّ المتظاهرين لقوا مصرعهم أثناء محاولة اقتحام عدّة أقسام للشرطة في المدينة. بالتالي يلحق هؤلاء الضحايا بثمانية قتلى آخرين كانوا قد لقوا حتفهم منذ بداية الاحتجاجات وحتى الآن، فيما كشفت وزارة الصحة عن إصابة ألف شخص يرقد المئات منهم في المستشفيات.

والواقع أنّ السرعة التي انتشر بها العنف أصابت الكثيرين بالدهشة سواء داخل البلاد أو حتى على المستوى الإقليمي، الأمر الذي يعني أنّ التظاهرات ليس سببها فقط ارتفاع أسعار الطاقة.

كيف وصلت الأمور إلى هذا الحدّ؟

في أعقاب قرار السُلطات الكازخية برفع أسعار الغاز المُسال، الذي يستخدمه أغلب المواطنين كوقود لسياراتهم، بدأ السخط الشعبي يوم الأحد الماضي، وبحلول يوم الثلاثاء التالي له كانت مُعظم مُدن البلاد تشهد احتجاجات عارمة وحاشدة واشتباكات دامية مع أجهزة الأمن.

واكتسبت الاحتجاجات طابعاً عنيفاً، بعد استخدام الشرطة لقنابل الغاز المُسيل للدموع والقنابل الصوتية ضد آلاف الأشخاص، لا سيما في ألماتي وسقوط مئات المصابين بينهم عناصر أمنية. وأعلن الرئيس حالة الطوارئ لكن لم يكترث بذلك الكازاخيون وظلّ آلاف المتظاهرين في الشوارع، بينما انقطعت خدمة الإنترنت في مناطق عديدة من البلاد.

وصفت المتحدّثة باسم البيت الأبيض بـ"ادّعاءات مخبولة" اتّهامات موسكو بوقوف واشنطن وراء الاحتجاجات في كازاخستان، وأكّدت أنّ هذه التُهم "مغلوطة تماماً ومثال واضح على استراتيجية روسيا في التشويه والتضليل"

وألقى قاسم جومارت توكاييف باللائمة على الحكومة السابقة؛ متّهماً إياها بالسماح بخروج التظاهرات ومتعهّداً بخفض أسعار الوقود "لضمان استقرار البلاد" وجاء ردّ المحتجّين متمثّلاً في اقتحام مبنى بلدية ألماتي وإضرام النيران فيه.

قبل حتى إعلان كازاخستان استقلالها عن الاتحاد السوفييتي في 1991، كان نورسلطان نزارباييف رئيساً للوزراء، ثم وبعد الاستقلال وصل إلى مقعد الرئاسة في انتخابات لم تشهد أي وجود للمعارضة، بينما نُصبت له التماثيل في جميع أنحاء البلاد وأطلق اسمه على العاصمة الجديدة نورسلطان.

وواجه الرئيس السابق تظاهرات رافضة له وحاول تهدئتها باستقالته عام 2019 وجاء خلفاً له توكاييف عبر انتخابات مشكوك في نزاهتها، وانتقدها المراقبون الدوليون الذين اعتبروا أنّ الرئيس الجديد ليس سوى واجهة يحكم من وراءها نزارباييف، وأنّ الاحتجاجات الحالية موجّهة في الحقيقة إلى نزارباييف.

وبالفعل، لم يتغيّر أي شيء تقريباً خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وبات الكثير من الكازاخيين ساخطين بسبب عدم حدوث أي تغيير أو إصلاح يُذكر، بل انخفض مستوى معيشتهم أكثر في ظل تراجع للحرّيات المدنية.

إقرأ أيضاً: إثيوبيا والصراع الأهلي... هل تنتصر المركزية أو الفيدرالية؟

وتقول المحُلّلة في المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتهام هاوس" كيت مالينسون إنّ "نزارباييف كان يرتبط بعقد اجتماعي مع الشعب الكازاخي. كان الناس يؤيّدون النظام لأنهم رأوا حياتهم تتحسّن على المستوى الاقتصادي. لكن بداية من عام 2015 أخذ الوضع في التدهور، وعلى مدى العامين الأخيرين ونتيجة لجائحة كوفيد، وصل معدّل التضخم لمستويات غير مسبوقة".

كما أنّ الحزب الحاكم دأب على الفوز بجميع الانتخابات وبنتائج تقارب 100% من الأصوات، في ظلّ عدم وجود معارضة سياسية واضحة الملامح. كان رفع سعر الغاز المُسال هو القشّة التي قصمت ظهر البعير.

وبرُغم إقالة الحكومة وخفض سعر الوقود، لا يظهر المحتجّون أي إشارات للتخلّي عن الشوارع، وقد تعلّموا على الأرجح من درس 2019 واستقالة نزارباييف، مدركين أنّ تغيير الحكومة لا يعني بالتبعية تحقيق النتائج المرجوّة. وأصبح السؤال المطروح في كل شارع وميدان بمدن وقُرى البلاد هو: ماذا فعلت لنا السُلطات خلال آخر 30 عاماً؟".

...

ومع تحوّل جاناوزن إلى مهد الاحتجاجات الحالية، يتذكّر الجميع كيف أنّها كانت بذرة تظاهرات حاشدة في السابق، وتحديداً عام 2011 حين قُتل 14 عاملاً في حقول النفط تحت وطأة القمع الأمني تجاه تظاهرة من أجل زيادة رواتبهم وتحسين ظروف عملهم. وفي تلك المدينة أيضاً تبلورت مطالب التظاهرات الجارية الآن.

ويدعو المتظاهرون إلى إحداث تغيير حقيقي في الحكومة، وإجراء انتخابات مباشرة لحُكّام المقاطعات الذين يعيّنهم الرئيس بنفسه، والعودة للعمل بدستور 1993 والذي كان يضع حداً أقصى لعدد ولايات الرئيس وصلاحياته، وإنهاء ملاحقة نشطاء المجتمع المدني.

وليس هناك أي قيادة أو رمز يلتفّ حوله المتظاهرون أثناء الاحتجاجات، ويرى المحلّلون أنّ هذا الأمر راجع إلى أنّ كل معارضة كانت تتعرّض للقمع والوأد منذ بداياتها المبكّرة، وأن الديمقراطية الانتخابية في كازاخستان لا وجود لها عملياً، لذا يرى خبير العلوم السياسية في جامعة سان بطرسبرج الأوروبية جريجوري جولوسوف أنّ المتظاهرين شعروا بأنّ صوتهم صار مسموعاً عندما احتلّوا الشوارع، مذكّراً بأنّه "تحت وطأة الحُكم الاستبدادي، يصير الاحتجاج في الشارع ردّة فعل طبيعية من الشعب تجاه الإجراءات الاقتصادية التي لا يقبلها".

ماذا بعد؟

لا تزال الرؤية غير واضحة في كازاخستان بل ويزداد الغموض بمرور الوقت، فالمتظاهرون يرفضون ترك الشوارع، بينما لا تردّ الشرطة بعنف بالغ، ويبدو أنّ السُلطات تحاول تسوية الأزمة دون اللجوء إلى القمع الشديد، وهو الطرح الذي يؤيّده جولوسوف: "يحاول الرئيس توكاييف على الأرجح توسيع صلاحياته مع الحفاظ على الصورة الليبرالية في الوقت ذاته. من الصعب حقاً التنبّؤ بما إذا كان الأمر سينجح أم لا".

إقرأ أيضاً: بوركينا فاسو: فصل جديد من مسلسل الإرهاب في الساحل الأفريقي

إلّا أنّ الخبير ألكسندر باونوف من مركز كارنيجي في موسكو له وجهة نظر مغايرة، حيث يعتبر أنّ كازاخستان ليست حليفاً تقليدياً للغرب، ما يعني أنّ الزعماء الغربيين سيفضّلون ترجمة الأحداث على أنّها "انتفاضة ديمقراطية ضد حكومة قمعيّة"، مضيفاً أنّه "سيكون من الصعب بالنسبة لزعماء الغرب عدم تأييد المتظاهرين، وعدم اتّخاذ السُلطات الكازاخية لأي رد. لذا فمن المُحتمل أن تتسبّب هذه الاحتجاجات في تقريب كازاخستان من موسكو بصورة أكبر على المدى البعيد".

بدورها، ترى الباحثة في جامعة كامبريدج البريطانية ديانا كودايبرجنوفا مؤشّرات على سعي حكومة كازاخستان لنزع فتيل الأزمة بشكل سلمي، موضّحة أنّ "إحدى طرق تسوية الأمور سلمياً هي جلوس الرئيس إلى مائدة المفاوضات مع بعض المتظاهرين وأن يكون صوت الناس مسموعاً".

اشتباك بين واشنطن وموسكو

على أي حال وبوصفها إحدى أهمّ الدول المصدّرة للغاز الطبيعي والنفط والمعادن، ينبغي على كازاخستان الاهتمام بمسألة ثقة المستثمرين، فالاستقرار السياسي عامل رئيس في الحفاظ على هذه الثقة. لكن الكثير من الكازاخيين ضجّوا من العيش في ظلّ الرئيس السابق نزارباييف، وباتوا مستعدّين للنضال من أجل تغيير جذري.

هناك نقطة جديرة بالذكر أيضاً ألا وهي أنّ الوضع في كازاخستان سيؤثّر بلا شكّ على المنطقة، فقد خرجت بعض وسائل الإعلام الرسمية في روسيا بالفعل لتكشف عن اعتقادها بأنّ "قوى الغرب" تقف وراء التحريض على التظاهرات في الجمهورية السوفييتية السابقة.

وطالب البيت الأبيض قبل أيام السلطات الكازاخية بالتعامل "باعتدال" مع المتظاهرين، قائلاً إنّه يتعيّن عليهم "التعبير عن رأيهم بشكل سلمي"، بينما وصفت المتحدّثة باسم البيت الأبيض جين بساكي بـ"ادّعاءات مخبولة" اتّهامات موسكو بوقوف واشنطن وراء الاحتجاجات، وأكّدت أنّ هذه التُهم "مغلوطة تماماً ومثال واضح على استراتيجية روسيا في التشويه والتضليل".

 

مصادر: https://bit.ly/31whYE2 ، https://bbc.in/3mZIv43

الصفحة الرئيسية