"احتجاجات فلويد" تصل أوروبا.. هل نشهد نهاية العنصرية في العالم؟

"احتجاجات فلويد" تصل أوروبا.. هل نشهد نهاية العنصرية في العالم؟

مشاهدة

04/06/2020

يعاني ذوو البشرة السوداء من التمييز العنصري في الولايات المتحدة منذ بداية حقبة الاستعمار الأوروبي لأمريكا بداية القرن السادس عشر؛ فقد جاء "الأمريكيون الأفارقة" إلى أمريكا الشمالية من أفريقيا من قبل تُجار العبيد وكانوا يعملون بالسخرة في الزراعة وغيرها من القطاعات عند البيض.

ظنّ الكثير من الأمريكيين أنّ البلاد قد دخلت في عصر ما بعد التمييز مع انتخاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما

وفي عام 1861 نشبت الحرب الأهلية الأمريكية، التي تُعد من أكثر الحروب دموية في تاريخ الولايات المتحدة، وكان سببها الأبرز هو مسألة العبودية، حيث كانت الولايات الجنوبية تعتمد على تجارة الرق في اقتصادها، خلافاً للولايات الشمالية التي بدأت تُسيطر على السلطة وتتبنى سياسات من شأنها إنهاء العبودية مع مرور الوقت، ما دفع الولايات الجنوبية لإعلان الانفصال وتكوين "الولايات الكونفدرالية الأمريكية" حتّى يحافظوا على تجارة الرق، وبعد 4 أعوام من القتال بين الانفصاليين والولايات الشمالية التي دعمها السود، انتهت الحرب الدامية بإعلان "لينكولن" التاريخي لتحرير العبيد، حيث أعلن الرئيس الأمريكي، أبراهام لينكولن، انتهاء حقبة العبودية في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

 

ورغم إعلان "لينكولن"، إلّا أنّ السود ظلوا يعانون من التمييز والعنصرية بموجب القوانين؛ فقد حصل الأمريكيون البيض المنحدرون من أصولٍ أوروبية على امتيازات وحقوق فيما يتعلق بالصحة والتعليم والهجرة والتصويت وغيرها من حقوق المواطنة، فيما ظل السود محرومين من هذه الحقوق. وبعد عقود من النضال، نجح الحراك الشعبي في الدفع إلى إصدار قانون الحقوق المدنية عام 1964 والذي حظر التمييز في الأماكن العامة والعمل والنقابات، تلاه قانون التصويت عام 1965، والذي أتاح للسود ممارسة حقوقهم الديمقراطية أخيراً.
ومع انتخاب الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، الذي يعد أول رئيس أمريكي أسود يصل إلى البيت الأبيض عام 2009، ظن الكثير من الأمريكيين أنّ أميركا قد دخلت في عصر ما بعد التمييز، لكن أزمة "التمييز العنصري" لم تنته؛ فلم تكن حادثة مقتل جورج فلويد هي الأولى التي يُقتل فيها مواطن أعزل أسود على يد الشرطة، حيث تُظهر بيانات نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" أنّ 1014 شخصاً أسود قتلوا على يد الشرطة عام 2019 فقط، وقد أشارت دراسة أجرتها منظّمة "Mapping Police Violence" إلى أنّ السود يقتلون على يد الشرطة أكثر بثلاث مرات من البيض، كما نشرت شبكة "بي بي سي" مؤخراً تقريراً يتضمن 11 حادثة قتل وحشية للسود من قبل الشرطة الأمريكية أشعلت احتجاجات في الولايات المتحدة، منها مقتل تلميذ الثانوية ترايفون مارتن برصاص جورج زيمرمان في سانفورد (فلوريدا) عام 2012، حيث حكمت المحكمة ببراءة الأخير عام 2013 مُدعية أنّه قتل طفلاً مراهقاً دفاعاً عن النفس، وكانت هذه الحادثة سبب انطلاق الحراك الاجتماعي "حياة السود مهمة"، والذي اشتعل اليوم في العالم وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بعد وفاة المواطن الأعزل جورج فلويد على يد أحد أفراد الشرطة بوحشية شديدة.

 

 

اقرأ أيضاً: فلويد.. شرارة عنصرية أم مماحكة انتخابية؟
الغضب يتخطى "السود" في الشارع الأمريكي
تسببت وفاة فلويد المأساوية وما تبعها من احتجاجات، وقبلها سياسات الدولة تجاه جائحة كورونا التي أدت إلى ارتفاع نسبة الإصابات والوفيات بشكل مهول في أمريكا، بالإضافة إلى ارتفاع البطالة وتعميق الفقر، في تغذية الانقسام الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد عانى من لم يكن يمتلك وظيفة جيدة وتأمين صحي ويعيش ظروفاً اقتصادية جيدة من فتك الفيروس بشكل كبير، الأمر الذي عمّق التفاوت الاجتماعي، ودفع فئات أخرى من غير السود للالتحاق بهذه المظاهرات، التي باتت اليوم لا تُعبّر عن رفض العنصرية فحسب، وإنما عن يأس الأمريكيين من سياسة الدولة التي يترأسها دونالد ترامب، والذي رد على هذه الأزمة بالعنف والتعصب الأعمى، ما تسبب بالمزيد من الغضب والعنف في الشوارع.

لم تقتصر الاحتجاجات الرافضة للعنصرية على شوارع الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل تعدتها إلى شوارع العواصم الأوروبية

وكان الرئيس الأمريكي قد هدّد، يوم الجمعة، باللجوء إلى القوة العسكرية القاتلة لمجابهة المتظاهرين في منيابوليس. كما وصف المتظاهرين بـ "الرعاع" في إحدى تغريداته، حيث قال؛ "هؤلاء الرعاع يشوهون ذكرى جورج فلويد ولن أسمح بحدوث ذلك. تحدثت للتو مع الحاكم تيم والز وأخبرته بأن الجيش معه قلباً وقالباً. سنسيطر على أي صعوبة لكن عندما يبدأ السلب والنهب يبدأ إطلاق الرصاص. شكراً لكم".
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي الألماني المتخصص في الشأن الأمريكي كريستيان هاكه، وفق ما أوردت "دويتشه فيله"؛ "أعتقد أنّ البلاد تواجه أصعب أزمة منذ الحرب العالمية الثانية"، مضيفاً؛ "وفاة فلويد هي في النهاية شرارة أدت إلى احتراق جميع البلاد".

 

 

فلم يقتصر الغضب والاحتجاج في شوارع الولايات الأمريكية على ذوي البشرة السوداء فحسب، حيث تُظهر التسجيلات ومقاطع الفيديو المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تضامن الكثير من المنظمات الحقوقية والإنسانية مع احتجاجات السود، فضلاً عن أفراد وجماعات من ذوي البشرة البيضاء، من الذين يقرون بالعنف والاضطهاد ضد السود وبقية الأقليات العرقية ويرفضونه، ومن الذين ذاقوا ذرعاً بالسياسات الأمريكية على الصعيد الداخلي والخارجي.

 

 

أعمال عنف في بريطانيا
اتسع نطاق الاحتجاجات على مقتل فلويد إلى خارج الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ خرج مئات الأشخاص في مدينتي لندن ومانشستر البريطانيتين، تضامناً مع المحتجين في أمريكا.
وتحدى المتظاهرون في لندن تدابير الإغلاق المرتبطة بفيروس كورونا المستجد، ونظّموا مسيرة احتجاجية وسط لندن، حيث جثا المحتجون على ركبهم في وسط المدينة لمدة 9 دقائق، وهي المدة التي واصل فيها الشرطي الأمريكي الضغط بركبته على رقبة فلويد، مرددين "لا عدالة .. لا سلام"، ثم ساروا إلى ‬‬مقر البرلمان البريطاني، ومن ثم إلى السفارة الأمريكية رافعين لافتات كُتب عليها "حياة السود مهمّة".

من الاحتجاجات في لندن
كما خرجت مسيرة احتجاجية أخرى، في مدينة مانشستر شمال بريطانيا، وشارك فيها المئات، رافعين لافتات كتب عليها شعارات مثل "ابدأوا في حماية حياة كل السود" و"توقفوا عن حماية رجال الشرطة المجرمين العنصريين".
وقد تجددت الاحتجاجات في لندن صباح اليوم الخميس؛ فقد احتشد آلاف الأشخاص في متنزه "هايد بارك"، وخرجوا في مسيرة انتهت بهم عند ميدان البرلمان، لتندلع الصدامات بين المتظاهرين ورجال الشرطة. وتخلّل الصدامات تبادل للضرب بالأيدي بين عدد من أفراد الشرطة والمحتجين، فضلاً عن قيام المتظاهرين بإلقاء قارورات المياه الفارغة على عناصر عناصر الأمن، وفق ما أوردت "دويتشه فيليه".

اقرأ أيضاً: ظاهرة العبودية الحديثة.. آخر انتهاكات الحوثيين في اليمن
الجدير بالذكر، أنّ وزير الخارجية البريطاني؛ دومينيك راب، علّق على المشاهد المصورة لواقعة مقتل فلويد بأنها "مؤلمة للغاية"، لكنّه امتنع عن التعليق على تغريدات وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المثيرة للجدل حول الاحتجاجات في الولايات المتحدة.

تحدّى المتظاهرون في لندن تدابير الإغلاق المرتبطة بفيروس كورونا المستجد، ونظّموا مسيرة احتجاجية تضامناً مع احتجاجات أمريكا

كما صرّح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، أمس، قائلاً؛ "نحن في حداد على فلويد، ولقد أصبت بالدهشة من هول ما رأيت"، مشيراً إلى أنّ حياة السود مهمة، وأنه يدعم حق التظاهر بطريقة قانونية تراعي التباعد الاجتماعي.
ومن المتوقع أن يشهد يوم السبت المقبل فعاليات مماثلة أمام البرلمان البريطاني، وأخرى يوم الأحد أمام مقر السفارة الأمريكية بالعاصمة البريطانية لندن.
شغب وحرائق في فرنسا
لم تكن الشوارع الفرنسية بعيدة عن حركة الاحتجاج، حيث عمّت المظاهرات شوارع فرنسا منددة بالعنصرية على خلفية مقتل الأمريكي جورج فلويد، وتحولت المظاهرات إلى أعمال شغب وحرق وتكسير بعد قمع الشرطة الفرنسية للاحتجاجات بسبب الحالة الصحية المترتبة على تفشي كورونا والتي تمنع التجمع والتجمهر.

 

 

وقالت الشرطة الفرنسية؛ إنّ حوالي 20 ألف شخص شاركوا في تظاهرة باريس، موضحة أنّها اعتقلت 18 شخصاً بعد وقوع صدامات؛ فقد أصيب 10 من رجال الشرطة بجروح طفيفة في نحو 10 تجمعات من التجمعات المقامة ضد عنف الشرطة في عدد من المدن الفرنسية.

 

 

تحوّلت الاحتجاجات في مدينة باريس إلى أعمال شغب وحرق وتكسير بعد قمع الشرطة الفرنسية للمحتجين

ووفقاً للسلطات الفرنسية، فإنّ التظاهرة في باريس كانت محظورة بسبب الحالة الطارئة الصحية في هذا البلد، الذي يمنع أي تجمع لأكثر من عشرة أشخاص، لأنّها "لم تتقدم بطلب ترخيص مسبق". وأوقف 7 أشخاص وأصيب 10 من أفراد الشرطة بجروح طفيفة في نحو 10 تجمعات ضد عنف الشرطة في عدد من المدن.
ودان اليمين الفرنسي التجمع المحظور، معتبراً أنه "غير مقبول" بسبب حالة الطوارئ الصحية، على حدّ قول زعيم كتلة الأعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ برونو ريتايو. فيما وصف زعيم اليسار الراديكالي الفرنسي، جان لوك ميلانشون صور التجمعات، بأنّها "تثير الإعجاب في تصميمها"، ودافع، في مدونته، عن "هذا الشباب الذي يهان باستمرار في عمليات التدقيق التي لا تتوقف والظلم الدائم وأعمال الشرطة التي تمر بلا عقاب".

اقرأ أيضاً: العبودية "لا تزال موجودة في بريطانيا"
احتجاجات في ألمانيا
شهدت العاصمة الألمانية، برلين احتجاجات شارك فيها الآلاف على مدار اليومين الماضيين، رفضاً لمقتل فلويد في الولايات المتحدة، وللمطالبة بوقف التمييز العنصري ضد السود في أمريكا خاصة وأوروبا والعالم بشكل عام.
كما شهدت مدينة ميونخ الألمانية احتجاجات شارك فيها المئات للتنديد بالعنصرية، واتسمت الاحتجاجات في ألمانيا بالطابع السلمي، وفق ما أوضحته الشرطة الألمانية.

تظاهر آلاف الأشخاص في مدينة تورونتو الكندية لإدانة أعمال العنف التي تقوم بها الشرطة في الولايات المتحدة وكندا

وفي تصريحات المتحدث باسم الحكومة الألمانية، شتيفن زايبرت، قال؛ إنّ الحكومة شعرت بالصدمة من وفاة فلويد على يد الشرطة، وإنّ بلاده لا بد أن تعمل على مكافحة العنصرية في الداخل مثلما فعلت دول أخرى، وأضاف؛ "موت جورج فلويد أصاب المواطنين بالصدمة في ألمانيا وجميع دول العالم، وأصاب الحكومة الاتحادية (في ألمانيا) بالصدمة أيضاً"، وتابع قائلاً؛ "أنا متأكد من وجود عنصرية في ألمانيا أيضاً. كل مجتمع، بما في ذلك مجتمعنا، مُطالب بمواصلة العمل على مكافحة هذا الأمر".
من جانبه، يعتقد وزير الخارجية الألماني، هيكو ماس، أنّ الاحتجاجات السلمية في الولايات المتحدة "مفهومة" و"مشروعة"، حيث قال؛ "لا يسعني إلا أن أعرب عن أملي في ألا تؤدي الاحتجاجات السلمية إلى العنف"، مضيفاً؛ في الوقت نفسه "آمل في أن تكون لها استجابة ذات تأثير فعال في الولايات المتحدة"، وفق موقع "يورو نيوز".

من الاحتجاجات في ألمانيا
فلويد جديد في كندا!
هذا وتظاهر آلاف الأشخاص في مدينة تورونتو الكندية، لإدانة ما وصفوها بـ "أعمال العنف" التي تقوم بها الشرطة في الولايات المتحدة وكندا، ويأتي هذا الحراك دعماً للتجمعات الحاشدة التي تشهدها جميع أنحاء الولايات المتحدة بعد وفاة جورج فلويد، وتزامناً مع وفاة امرأة سوداء في مدينة تورونتو بعدما سقطت من شرفة تقع في الطابق الـ 24، خلال عملية للشرطة في ظروف ما زالت غامضة.

من الاحتجاجات في كندا
ورفع المتظاهرون الكنديون، الذين وضع معظمهم كمامات بسبب فيروس كورونا المستجد، لافتات كتب عليها "حياة السود تهم" و"لم أعد قادراً على التنفس"، العبارة التي قالها فلويد عندما كان شرطي يثبته على الأرض، وكُتب على لافتة أخرى "العدالة لريجيس"؛ السيدة التي توفيت خلال الأسبوع الجاري في تورونتو.
وقال أحد المتظاهرين لوكالة "فرانس برس": "من المهم على الرغم من الوباء، أن نظهر أننا نكافح من أجل العدالة للجميع، بالنسبة للسود ولكل الأشخاص الملونين".

اقرأ أيضاً: أميركا تعرقل تحقيقاً لمجلس الأمن حول مجزرة الإثنين الأسود
وصرّح رئيس وزراء كندا، جاستن ترودو؛ بأنّ هناك عنصرية تمارس ضد السود في بلاده، قائلاً: "علينا جميعاً أن نحارب العنصرية بكل أشكالها، علينا أن نُعلّم أولادنا المساواة والعدل للجميع"، وأضاف أنه لن يسمح في بلاده بأي نوع من أنواع العنصرية وكندا لن تسمح العنصرية بكل أشكالها.

الصفحة الرئيسية