اتهامات إثيوبية غامضة لمصر باغتيال المغني الشعبي هاشلو

اتهامات إثيوبية غامضة لمصر باغتيال المغني الشعبي هاشلو

مشاهدة

14/07/2020

ما زالت أصداء اغتيال المغني الإثيوبي هاشالو هونديسا، الناشط السياسي المنتمي لعرقية الأورومو، التي ينتمي إليها أبي أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا تتفاعل، خالقة حالة جدل بين أبي أحمد من جهة، وكل من مصر والمعارضين السياسيين الأوروميين من جهة أخرى.

في محاولة للخروج من هذا الوضع الصعب الذي تورط فيه لجأ آبي أحمد إلى استثمار أزمة سد النهضة مع مصر، لجمع الشعب الإثيوبي وراء مشروع قومي واحد

يستغل أبي أحمد قضية الاغتيال لتحقيق مكسبين: الأول إيجاد فرصة لمهاجمة مصر بشكل غير مباشر، وتوجيه اتهامات عامة للأطراف التي تريد تعطيل سد النهضة (مصر المعنية)، وحشد الداخل الإثيوبي حوله، في ظلّ وجود خلافات كبيرة بين الأحزاب السياسية على قراره بتأجيل الانتخابات البرلمانية والإقليمية.

الهدف الثاني هو قمع رموز المعارضة الأورومية التي تنافس أبي أحمد على كتلته الانتخابية من عرقية الأورومو، صاحبة الكتلة التصويتية الأكبر بين بقية الأعراق والقوميات.

تصريحات مثيرة للجدل

اتهم رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد جهات خارجية بالوقوف وراء حادث اغتيال المغني الإثيوبي هاشالو هونديسا، وذلك في تصريحات له عقب عملية الاغتيال بعدة أيام، وقال أحمد، إنّ اغتيال هاشالو هونديسا، والاضطرابات التي أعقب ذلك، هي جزء من مؤامرة لنشر الفتنة في إثيوبيا، دون أنّ يحدد من يقف وراءها، كما نقلت وكالة "فرانس برس".

المغني الإثيوبي هاشالو هونديسا

عاد أحمد للحديث عن المؤامرة مرة ثانية، وذلك خلال جلسة مساءلة أمام البرلمان، يوم الثلاثاء الماضي، وصرح أحمد بأنّ من يقف وراء المؤامرة هم من لهم مصلحة في توريطنا في الصراعات الداخلية، لكي ننشغل عن سد النهضة. وقال: "يرغبون في أن ترفع الحكومة عينها عن السد".

اقرأ أيضاً: وزير الريّ المصري الأسبق لـ "حفريات": كارثة إذا أجبرتنا إثيوبيا على شراء المياه

تحمل تصريحات أحمد رسائل متعدّدة للداخل والخارج، وبالنسبة للداخل يسعى أحمد إلى حشد الشعب خلفه في ظل الرفض الواسع لقراره بتأجيل الانتخابات البرلمانية والإقليمية، والتي يراها مراقبون تلاعباً منه لكسب الوقت لتحقيق إنجاز باسمه، قبيل تنظيم الانتخابات، يضمن للائتلاف الحاكم وحزبه الأغلبية البرلمانية، وتشكيل الحكومة.

بالنسبة للخارج يسعى أحمد لتعويض الغضب الشعبي جراء قراره بتأجيل ملء السد لمدة أسبوعين، وذلك بدغدغة مشاعر الشعب بوجود مؤامرة ضد إثيوبيا من دولة لم يسمها، لكنّ أكد علاقتها بسد النهضة، في إشارة واضحة إلى مصر.

اقرأ أيضاً: اعتراف شخصين بقتل المغني الإثيوبي هاشالو هونديسا.. تفاصيل

تعليقاً على تصريحات أحمد، قالت "فرانس برس" إنّ رئيس الوزراء الإثيوبي لم يقدم أية أدلة حول هذه الاتهامات لا أمام البرلمان أو الشعب.

وفي هذا السياق، يقول الصحفي الصومالي المتخصص في الشؤون الأفريقية، عبد الفتاح موسى إلى الآن التحقيقات في مقتل فنان الثورة الإثيوبية هاشالو لا تزال مبهمة، لكن يد الاتهام تتجه نحو جبهة تحرير تيجراي؛ خصوصاً مع محاولة الانقلاب الفاشلة التي حصلت في إقليم أمهرة العام السابق، والتي تورطت فيها قيادات عسكرية محسوبة على قوميتي التيجراي والأمهرية.

وعن دوافع الاغتيال، يقول موسى لـ "حفريات" نستطيع التأكيد أنه خليط بين المشاكل الإثنية والمشاكل السياسية، فاحتجاجات قومية الأورومو هي من أوصلت آبي أحمد إلى السلطة، وانتزعت الحكم من جبهة تحرير تيجراي لذلك تسعى بكل قوة للانتقام ممن ساهم في ذلك. ويرفض الصحفي عبد الفتاح موسى الاتهامات الموجهة لمصر، ولا يرى أساساً لها.

المعارضة: أبي أحمد انتهازي

وجهت المعارضة الإثيوبية من عرقية الأورمو، العرقية الأكبر في البلاد، اتهامات شديدة لأبي أحمد، ووصفته بالانتهازي الذي يتربح من قضية اغتيال المغني هوشالو هونديسا.

ورداً على ذلك؛ اتهم أحمد المعارضة بمحاولة الوصول للسلطة عن طريق تخريب البلاد. وقال: "لو أصبحت إثيوبيا مثل سوريا أو ليبيا، سيخسر الجميع".

اقرأ أيضاً: هل بدأت إثيوبيا بملء سد النهضة؟ ماذا سيكون رد مصر والسودان؟

 تصريحات أبي المتناقضة حول المستفيدين من اغتيال هونديسا تكشف عن انتهازية حقيقة؛ وفق خصومه، فتارة يتهم جهات خارجية، وأخرى يتهم المعارضة الداخلية.

وفي محاولة لتحجيم الاحتجاجات التي أعقبت اغتيال هونديسا، آمر آبي أحمد، باعتقال رموز حراك الأورومو، وعلى رأسهم الناشط السياسي والمعارض جوهر محمد، أبرز الداعمين لحراك الأورومو، صاحب الفضل الكبير في صعود آبي أحمد إلى السلطة. كما اُعتقل الناشطين بيكيلي جربة، وحمزة بورانا، وعدد كبير من قيادات الصف الثاني من حراك الأورومو، في سجن مكالاوي، الذي يُعتبر رمزاً للظلم في إقليم أوروميا.

اقرأ أيضاً: من هو هاشالو هونديسا الذي تسبب مقتله باضطرابات في الشارع الإثيوبي؟

بالإضافة إلى ذلك؛ وُضعت جميع قيادات الأورومو تحت الإقامة الجبرية، ومنهم داوود أبسا قائد جبهة تحرير أوروميا، والسيد جودينا رئيس حزب المؤتمر الاتحادي الأورومي، وفق ما نشرته الإعلامية الإثيوبية شاكيرا أدم، عبر صفحتها على الفيسبوك، وأكدته "بي بي سي" و"فرانس برس".

بعد انتهاء الاحتجاجات التي خلفت 155 قتيلاً من عرقية الأورومو على يد الشرطة، و 11 قتيلاً من الشرطة، بجانب مئات المصابين، قامت حكومة أبي أحمد بتوجيه اتهامات بالقتل العمد لجوهر محمد، واتهمته هو وأحد حراسه بقتل ضابط شرطة في العاصمة أديس أبابا، أثناء الاحتجاجات.

 ورأى داعمو جوهر ومناصروه أنّ التهمة باطلة، ولا هدف منها سوى تصفية خصوم أحمد.

اقرأ أيضاً: آبي أحمد مُهدد بعد مقتل مغنٍّ إثيوبي شهير... ما القصة؟

ويُعد جوهر أباً روحياً لنضال المجموعات الشبابية، ويتمتع بقاعدة شعبية عريضة في أرجاء أوروميا ولا ينافسه أحد في ذلك، بحسب تصريحات لعبد المعين عبد السلام، الناشط الإثيوبي، لجريدة "الشرق الأوسط". ويخشى آبي أحمد من جوهر، نتيجة معارضة الأخير لمشروعه المركزي للدولة الإثيوبية، وحرصه على الاستقلال الذاتي للإقليم.

يبدو من خطوة آبي أحمد بإعادة فتح سجن مكالاوي أنّه يبتعد عن نضال قومية الأورومو، في إطار تبني خطاب أفريقي عابر للقوميات الفرعية. وكتبت الإعلامية شاكيرا أدم معبرة عن دلالة هذه الخطوة: "الشعب الذي حرر المعتقلين من هذا السجن، وأرغم الحكومة السابقة على غلقه وتقديم استقالتها، لن يمنعه غير الموت من تحرير قادته وإغلاقه مرة أخرى".

وضع آبي أحمد نفسه في موقف عسير؛ بتقديم مصلحة الائتلاف الحاكم على قوميته، رغبةً في الفوز بالانتخابات المقبلة، والتي أثار تأجيلها موجات من الاضطراب والغضب في أوساط قومية وسياسية عديدة، خصوصاً التيجراي التي أعلنت تنظيم الانتخابات الإقليمية في موعدها، دون الالتزام بقرار التأجيل.

شقاق داخل الأورومو

من ناحية أخرى لا ينظر الحراك الأورومي بعين الرضا إلى سياسة آبي أحمد؛ إذ قاد الحراك مظاهرات ضده في 2019، كما أنّ قرار أحمد بعدم دفن هاشالو في العاصمة، أو إقامة جنازة رسمية زاد الشقاق بين الإثنين. يريد أحمد الاستمرار على الصورة التي قدم نفسه بها كزعيم لكل الإثيوبيين، غير أنّ هذا الموقف لم يكسبه شيئاً.

الصحفي الصومالي عبد الفتاح موسى لـ"حفريات": المغني هاشالو يعتبر أيقونة الأوروميين؛ حيث يعود له الفضل في تأجيج المظاهرات التي أسقطت الائتلاف الحاكم السابق

وفي تقدير الصحفي الصومالي عبد الفتاح موسى، فإنّ هاشالو يعتبر أيقونة الأوروميين؛ حيث يعود له الفضل في تأجيج المظاهرات التي أسقطت الائتلاف الحاكم السابق، ومن المؤكد أنّ اغتياله سيثير مشاكل عدة لحكومة آبي أحمد التي تسعى لإعادة انتخابها مرة أخرى.

وفي تصريح يحمل دلالة خطيرة قال أحمد: "الأورومو أحرار الآن، ما نحتاجه هو التنمية"، وفق "فرانس برس"، في إشارة إلى رفضه لأيّ نشاط سياسي معارض له داخل الأورومو.

ويبدو موقف آبي أحمد صعباً بين محاولة إرضاء جميع القوميات للحصول على الأصوات الكافية لتأمين بقائه في السلطة لفترة قادمة، وبين الغضب المتزايد في قوميته وأكبر الكتل التصويتية جراء ابتعاده عنها.

وفي محاولة للخروج من هذا الوضع الصعب، لجأ آبي أحمد إلى استثمار أزمة سد النهضة مع مصر، لجمع الشعب الإثيوبي بجميع قومياته وراء مشروع قومي واحد، لكنّ يبدو أنّ الخلافات الإثنية أقوى من أن يحلها مشروع واحد، أو شيطنة مصر وتحويلها إلى العدو اللدود لكل مواطن إثيوبي.


الصفحة الرئيسية