كيف تقرأ النخب الإثيوبية مبادرة آبي أحمد في السودان؟

السودان

كيف تقرأ النخب الإثيوبية مبادرة آبي أحمد في السودان؟

مشاهدة

13/06/2019

مثّلت المبادرة التي أطلقها رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد علي، تجاه السودان، في 7 حزيران (يونيو) الجاري، "طوق نجاة جديد"، بالنسبة إلى الفرقاء السودانيين، سيما أنها أتت بعد تعليق المفاوضات بين "قوى الحرية والتغيير" و"المجلس العسكري" الحاكم، في أعقاب عملية فضّ الاعتصام، في ساحة "القيادة العامة"؛ التي راح ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى، مما دفع للتصعيد المزدوج من كلا الطرفين.
كما أنّ المبادرة التي أعلنها رئيس وزراء إثيوبيا، الذي تستضيف بلاده مقرّ الاتحاد الإفريقي، تأتي بعد يوم واحد على تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي.

اقرأ أيضاً: هل تنجح وساطة آبي أحمد بإخراج السودان من نفقه المظلم؟
وفي سياق المبادرات لنزع فتيل المواجهة بين الفرقاء في السودان، أعلنت الولايات المتحدة، انضمامها إلى الجهود الدولية الرامية إلى حل الأزمة السياسية في السودان، حيث أوفدت دبلوماسييْن بارزيْن إلى الخرطوم لحث ممثلي المعارضة والمجلس العسكري الانتقالي على استئناف الحوار.

 جهات سياسية إثيوبية رأت في المبادرة "مغامرة غير محسوبة العواقب"

ورغم الترحيب الذي وجدته المبادرة الإثيوبية  من قبل جبهتي الحكم والمعارضة في السودان؛ فإنّ جهات سياسية إثيوبية رأت فيها "مغامرة غير محسوبة العواقب"، مستهجنةً تنقل "أبي أحمد" شخصياً إلى الخرطوم، عوض إيفاد مبعوث خاص، أو وفد على مستوى أقلّ من التمثيل، أمراً يضرّ بسمعة و"هيبة الدولة الإثيوبية".

وقد غرّد عدد من الناشطين والسياسيين الإثيوبيين على مواقع التواصل الاجتماعي، منتقدين ما رأوه "تهوراً سياسياً" لآبي أحمد، سيما أنّ قرار تعليق العضوية الصادر من الاتحاد الإفريقي لم يمضِ عليه أكثر من يوم واحد، وهو قرار تقدمت به كلّ من إثيوبيا وروندا، مما يمثل -وفقهم- تضارباً في المواقف بين تعليق العضوية والوساطة!

اقرأ أيضاً: ماذا بعد تلاشي النشوة المبكرة لوصول آبي أحمد إلى الحكم في إثيوبيا؟

"حفريات" استطلعت آراء بعض الناشطين والصحفيين الإثيوبيين حول هذا الأمر، خاصة أنّ المبادرة بدأت تحقق تقدماً ملحوظاً خلال اليومين الماضيين.

مبادرة تسير في حقل ألغام

ترى الناشطة الإثيوبية، شاكيرا آدم؛ أنّ "المبادرة مرحَّب بها كفكرة، وإن جاءت متأخرة إلى حدٍّ ما، خاصة أنّها أعلنت بعد المواجهة الدامية التي حدثت في ميدان القيادة العامة بالخرطوم، والتي أودت بحياة عشرات الناشطين، مما يضعف فرص نجاحها، ومع ذلك أجدها ضرورية لإشاعة جوّ من بناء الثقة وكسر الجمود في المواقف بين الطرفين؛ بين طرف علّق التفاوض إلى حين تسليم السلطة للمدنيين، وآخر أعلن انتهاء التفاوض، ويسعى لتنظيم انتخابات، في غياب شروط سياسية ومجتمعية وقانونية".

شاكيرا آدم، ناشطة إثيوبية
وتؤكد شاكيرا لـ "حفريات"؛ أنّ "مجرد الإعلان عن المبادرة لا يضمن نجاحها، فهناك تحديات حقيقية تتعلق بأزمة الثقة، وإصرار الثوار السودانيين على تنفيذ كافة المطالب، وعلى رأسها تسليم السلطة للمدنيين، والتحقيق في عملية فضّ الاعتصام، ومحاسبة المسؤولين عن الدم". وتضيف شاكيرا: "ما يعزز تحديات نجاح المبادرة؛ أنّ الشارع السوداني الآن ساخط على المجلس العسكري، ويرفض العودة للتفاوض، نظراً لنكوصه السابق عن خطّ التفاوض، وضلوعه في أحداث القيادة العامة".

اقرأ آيضاً: آبي أحمد علي .. من "الإرهاب الأحمر" إلى السلام الأخضر

أمّا فيما يخصّ موضوعات قوة المبادرة والفرص المُعززة لنجاحها، تقول شاكيرا: "كما ذكرت في البداية؛ إنّ وجود مبادرة أمر جيد في حدّ ذاته، ونأمل أن يتم تطوير بنود المبادرة بشكل تدريجي، سيما بعد الاستماع لمطالب الطرفين، كذلك وجود وسيط وضامن إقليمي سوف يقلل من فرص النكوص، أو عدم الالتزام، خاصة أنّ مبادرة إثيوبيا قد حظيت بدعم الاتحاد الإفريقي والقوى الإقليمية والدولية، وقد تساهم قوة ومصداقية آبي أحمد، المكتسبة من الداخل الإثيوبي، والسمعة التي يحظى بها دولياً، قد تساهم إيجابياً في تعزيز فرص نجاح المبادرة" .

مع المبادرة ولكن...

وتكشف شاكيرا، لـ "حفريات"؛ أنّ "معظم النخب الإثيوبية لم تكن متحمسة للمبادرة، على اعتبار أنّها تخاطب أزمة داخلية تفاقمت كثيراً، وهي أعمق من محاولات رتقها، وأمام تضاؤل فرص النجاح فإنّ هذه النخب السياسية ترى الأمر، كما لو كان امتحاناً للمصداقية والقدرة الإثيوبية، وإحراجاً لرئيس الوزراء الذي حقق تقدماً ملموساً على المستوى الداخلي".

اقرأ أيضاً: دور الإمارات في حلّ الأزمة السودانية
وتؤكد شاكيرا؛ أنّ "سياسيين وناشطين كُثراً، رأوا في تحرك رئيس الوزراء شخصياً نحو الخرطوم، عوض إيفاد مبعوث أو وفد، نوعاً من التجاوز، أو الإخلال بهيبة الدولة الإثيوبية"، إلا أنّ بوادر نجاح المبادرة قد تقلل من هذا الشعور الآن، "كما تشفع العلاقات التاريخية المتينة بين الخرطوم وأديس في تفهّم هذا التحرك السريع والمدروس في آن واحد" بحسب رأيها.

من جهته، لا يرى الصحفي الإثيوبي، ومحرّر شبكة "إثيوبيانا"، مويا تولا، أنّ "الأمر يتعلق بهيبة الدولة، أو بأيّ إخلال ما"، مؤكداً أنّ "الأمر أكبر من الهيبة، ومن الشروط البروتوكولية، وأنّ هذه المبادرة الواعدة تأتي بعد سلسلة من الإجراءات التي اتبعتها أديس أبابا، سواء بشكل منفرد، أو في إطار الاتحاد الأفريقي".

أديس سحبت البساط قبل التحرك

ويوضح تولا، في إفادته لـ "حفريات" أنّ "المبادرة لم تأتِ منفصلة؛ بل ضمن مجموعة من الإجراءات، أولها القرارات التي اتخذت في الاتحاد الإفريقي، بتعليق عضوية السودان وتجميد نشاطاته كافة، وفق ميثاق الاتحاد الذي ينصّ على رفض أيّ انقلاب عسكري، أو تحرك للجيوش، للسيطرة على الحياة المدنية والسياسية". ويضيف تولا: "تفعيل هذا المبدأ وتطبيقه على الوضع في السودان أتى من خلال مشروع تقدمت به كلّ من إثيوبيا ورواندا، ولم يُعلن عن مبادرة آبي احمد إلا بعد تطبيق العقوبات، ما يعني أنّ رئيس الوزراء الإثيوبي سعى إلى توفير ظروف ضاغطة على  المجلس العسكري الحاكم في الخرطوم قبل الشروع في مبادرته، وكانت هذه  خطوة مهمة لضمان الأرضية المناسبة للتفاوض، فضلاً عن أنّها سحبت البساط من تحت أقدام المجلس قبل مفاوضته".

مويا تاولا صحفي إثيوبي ومحرر شبكة "إثيوبيانا"

ويتوقع تولا أنّ "يكون هناك تنسيق دولي وإقليمي مسبق لدعم مبادرة إثيوبيا، سيما بعد إعلان واشنطن إيفادها مبعوثاً خاصاً للسودان، هو مساعد وزير الخارجية، تيبور ناغي؛ حيث يتزامن هذا القرار مع بوادر اتفاق طرفي الحكم والمعارضة على بنود وساطة آبي أحمد".

الخطر في انعدام المبادرة وليس في فشلها 

يقرأ الأكاديمي الإثيوبي، أول أللوا، المحاضر في مادة القانون بجامعة كيلي البريطانية، مبادرة آبي أحمد؛ بأنّها "خطوة مهمة طال انتظارها لحلّ الأزمة في إحدى دول جوار إثيوبيا، وأهم شركائها الإستراتيجيين؛ حيث تستورد إثيوبيا 20٪ من وقودها من السودان، وتشترك معها في حدود ممتدة، فضلاً عن أنّها  تبني أكبر سدّ مائي لأغراض الطاقة الكهربائية، بالقرب من الحدود السودانية، مما يعني أنّ عدم استقرار الأوضاع  في السودان سينعكس سلباً على إثيوبيا، أضف إلى ذلك؛ أنّ أديس أبابا تترأس الآن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، ولديها قابلية للسلام والأمن الإقليميين".

د. أول أللوا محاضر إثيوبي في جامعة كيلي البريطانية

ويعرب أللوا، لـ "حفريات"؛ عن اعتقاده بأنّ "آبي أحمد لديه فرصة جيدة للغاية للجمع بين الفرقاء السودانيين، وتعبئة الضغط والدعم الدوليين، لدفع الطرفين نحو تسوية سلمية عادلة تحقق للسودان انتقالاً ديمقراطياً سلساً"، ومع ذلك، يقول قاسم: "ستكون هناك تحديات كبيرة تواجه جهود الوساطة وعملية الانتقال بشكل عام، سيما أنّ الأزمة تكتسب بعداً تاريخياً، وتتطلب حنكة دبلوماسية عالية".

اقرأ أيضاً: وساطة إثيوبيا.. هل تنجح في لم شمل السودانيين؟
وفي ردّه على الجدل الدائر على الساحة الإثيوبية حول مدى تأثير "فشل المبادرة" على سمعة ومصداقية آبي أحمد، على المستويين الداخلي والخارجي، يرى أللوا؛ أنّ "ما سيؤثر على آبي أحمد ليس فشل مبادرته، ولكن عدم استقرار السودان وانعكاساته على السلام والأمن في إثيوبيا".


الصفحة الرئيسية