أول رئيس للجمهورية الإسلامية بعد الثورة: لدينا فرعونان اثنان في إيران

أول رئيس للجمهورية الإسلامية بعد الثورة: لدينا فرعونان اثنان في إيران
1496
عدد القراءات

2020-02-12

ترجمة: علي نوار


يعيش أبو الحسن بني صدر؛ أول رئيس لإيران بعد قيام الثورة الإسلامية، في المنفى بالعاصمة الفرنسية باريس منذ العام 1981، وقد أجرت معه صحيفة "بانجوارديا" الإسبانية مقابلة بمنزله الكائن في منطقة فرساي، ورغم حالة المبنى المتهالك إلّا أنّ أقداح الشاي والحلوى الإيرانية التقليدية لم تغب عن المشهد نهائياً.

هنا نص الحوار:

هل تعيشون في المنفى منذ وقت طويل؟
نعم؛ منذ نحو 38 عاماً ونصف العام، بعد قيام الثورة و14 عاماً أخرى قبلها؛ أي 50 عاماً بالمجمل.

ما هو شعور أن يقضي المرء أكثر من نصف حياته منفياً؟
إنّه ذلك الشعور الذي يراود من يعجز عن العيش في بلاده، في وطن حرّ، لكنّني ناضلت طيلة هذا الوقت كي تستردّ إيران حرّيتها، شعرت بالحنين والحزن نعم، ولم أكن مطلقاً ضمن زمرة غير المكترثين، عشت على الأمل، قاتلت طوال حياتي وسأواصل القتال، أعمل كل يوم بما يخص إيران، أجمع المعلومات، وهذا نوع من التعويض.
لماذا قتل الأمريكيون الجنرال سليماني؟
لأنّ الولايات المتحدة في المقام الأول، ونظراً لقوّتها الكاسحة، تتعامل كما لو كانت شرطي العالم، وقد تصرّف السيد ترامب من هذا المنطلق. لم؟ لأنّ الأمر له فائدة في ملفّات مثل المحاكمة السياسية التي يواجهها، فضلاً عن الانتخابات، كان يريد أن يركّز الرأي العام على هذا الاغتيال، وهذا العمل الإرهابي، بيد أنّ هناك أسباباً أخرى بالطبع، فالولايات المتحدة تدرك جيّداً قدرتها كقوّة عظمى على تدمير أي نظام، لكنّها لا تستطيع استبداله بآخر، كان هذا بالضبط ما حدث في العراق وأفغانستان وليبيا، يشعرون بالعجز، لم يكن بوسعهم فعل شيء مطلقاً، بينما كان المتظاهرون يحيطون بالسفارة في طهران، لذا قرّروا القيام بعملية اغتيال.

بعد إسقاط الطائرة الأوكرانية، كانت هناك ردّة فعل عنيفة ضد النظام، ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للإيرانيين؟
بغضّ النظر عن مصرع الكثير من الرجال والنساء والأطفال، فقد كذب النظام فيما يخصّ حياة الناس، كانت هذه النتيجة تعني بالنسبة لهم أنّ حياتهم لا قيمة لها، كانت فرصة أيضاً كي يتظاهر الشعب مؤكداً أنّه يتمتّع بالثقافة، وإن ركّزنا بتمعّن في الهتافات التي تردّدت في عدد من المدن المختلفة، سيظهر لنا أنّ ثمة وعياً وطنياً آخذاً في التشكّل، وقد تكرّرت نفس الهتافات في مناطق مختلفة من البلاد، تماماً مثلما كان يحدث إبان الثورة الإيرانية، مع فارق حلول كلمة الملالي بدلاً من الشاه، هذا يعني أنّ الشعب الإيراني يستعدّ لإحداث تغيير.

كيف تقيّمون ردّة فعل المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي؟
إنّه رجل في مأزق، ما الذي قاله؟ ينبغي أن نقاوم ونكون أقوياء، كان هذا كل شيء، لم يقل كلمة واحدة حتى عن الكيفية، لنكون أقوياء سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً؛ ينبغي أن نمتلك برنامجاً، لم يقل شيئاً على الإطلاق، لقد أظهرت النهاية المأساوية للاتفاق النووي أنّ المشكلة تكمن في الداخل الإيراني، يجدر بالنظام أن يخبر الشعب بالحقيقة.
وما هي الحقيقة؟
أرادوا في البداية الحصول على القنبلة الذرية، وهذا واضح، وحين انتبه العالم لاحقاً إلى هذه التطلّعات، اضطروا للتوقّف، هم الآن في موقف لا يستطيعون التراجع عنه للوراء والاعتراف بارتكابهم خطأ، ولا يستطيعون المواصلة للأمام، لقد كشفت الأزمة النووية بوضوح مدى الفشل الذي يتخبّط به النظام الإيراني، والمأزق الذي يعيشه على جميع الأصعدة.

هل تعتقدون أنّ الشرق الأوسط سيعرف الاستقرار والسلام على المدى المتوسط؟
في العالم الذي نحيا فيه، لم يعد الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص، يحظيان بوضع المهيمن كما كان الحال في الماضي، فلم يتبقّ لهم سوى الشرق الأوسط بنفطه وغازه، لكنّهم لا يستطيعون السيطرة عليه.

لكن النفط والغاز لم تعد لهما نفس الأهمية التي كانت من قبل..
بالطبع لا! العكس هو الصحيح، انظر لما قاله ترامب للعراقيين؛ طالبهم بنصف الإنتاج، النفط هو النقود، لذا لا يسعنا تخيّل شرق أوسط مستقرّ دون إدراك شعوبه لحقوقها، وتحرّكها ولجوئها للتغيير الجذري، لاستبدال النظم الاستبدادية المتّكئة على الغرب والنفط بدول ديمقراطية حقيقية، هذا هو الحل.

كيف ترون دور أوروبا؟
في الشأن الإيراني، بدا على إيران الضعف شبه الكامل تقريباً، إذ لم تستطع الدفاع عن الاتفاق النووي الموقّع في فيينا، تحت وطأة ضغط الولايات المتحدة، ونفس الأمر عسكرياً، هناك بعض القوات الفرنسية والألمانية، لكن القوات الأمريكية هي الأكثر أهمية.

هل كانت الحرب مع العراق خطأً جسيماً للغاية؟
الحرب ضد نظام صدام حسين لم تكن أسوأ من خطأ بسيط، لم يكن لدى القيادة في الولايات المتحدة أدنى فكرة عن قوّته، قال بوش إنّه قادر على استبدال النظام بالديمقراطية، أقدموا على حلّ الجيش والإدارة الحكومية وأنشأوا بذلك تنظيم "داعش"، عليهم فهم أنّهم كقوة عظمى يمكنهم أن يكونوا هادمين وليس بُناة، يتعيّن عليهم أن يكونوا أكثر وعياً ويتعاونوا مع الدول الأخرى.

تمكّنت الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية من إنزال الهزيمة بكل من ألمانيا النازية واليابان، ما الذي يحدث في الوقت الحالي؟ ألا تستطيع تسوية الأوضاع في العراق وأفغانستان باعتبارها باتت أكثر قوة؟
لم تعد كذلك من الناحية الاقتصادية، فقد وهن اقتصادها كثيراً، ولا تتخطّى نسبة مساهمته الـ 20% من الناتج العام العالمي، بعد أن كانت 50% في السابق، كما أضحت الدولة صاحبة أكبر ديون على مستوى العالم، أما على مستوى القيم والسياسة فقد كانت أقوى فيما مضى، حيث حظيت بتعاطف العالم حتى داخل إيران نفسها، وذلك قبل وقوع الانقلاب ضد مصدق عام 1953 (الذي دبّرته الاستخبارات الأمريكية والبريطانية) بعد تأميم النفط، لكنّها الآن تتعامل كإمبراطورية، وتتصرّف كما لو كانت شرطي العالم، ولا تتوانى عن القيام بالأفعال التي يجرمها القانون الدولي.

ما رأيكم في الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؟
تمتلك كل من تركيا وإيران أطماعاً في المنطقة، إلّا أنّهما لا تمتلكان الموارد لتحقيق مصالحهما، وإذا كان الأمريكيون لا يملكون المقدرة، فإنّ الأتراك يفتقرون لها بشكل أكبر بكثير، ونفس الأمر ينطبق على الإيرانيين. تدخّل أردوغان في سوريا، وهو أحد المسؤولين عمّا آلت إليه الأوضاع هناك، ويكرّر نفس فعلته في ليبيا الآن. ومجدّداً؛ إذا كان الغرب قد فشل في الحفاظ على دولة مستقرّة هناك، فكيف يمكن لتركيا أن تنجح في ذلك؟

هل سيستمرّ الصراع المذهبي إلى الأبد أم أنّه مجرد ستار لصراع النفوذ؟
الصراع بين الأديان والأفكار لا يعدو سوى كونه كذبة، إنّه صراع بين الأنظمة، هذه هي الحقيقة، وقد قال بابا الفاتيكان الحالي نفس الأمر؛ إنّ الحروب تُشنّ من أجل المصالح والسُلطة وليس في سبيل الأديان.

يدور الحديث كثيراً في فرنسا عن التعايش مع الإسلام، هل يمكن لهما التعايش رغم الاختلافات الكبيرة في مبادئهما؟
ألّفتُ كتاباً عن حقوق الإنسان في القرآن الكريم، إنّها مذكورة هناك، لكن المسلمين لا ينتبهون لها، الإسلام متوافق بشكل مثالي مع الديمقراطية، حيث كانت أول ديمقراطية تقوم على أساس المشاركة هي تلك التي أسّس لها النبي محمد عليه السلام في المدينة، كان مجتمعاً مع الرجال المستقلّين والأحرار، لا وجود لنموذج مشابه في العالم.

لكن ألا توجد دولة إسلامية ديمقراطية في يومنا هذا؟
نعم هذا صحيح، لكن لا ينبغي إغفال حقيقة أنّه لا توجد دولة إسلامية مستقلّة كذلك، لا يمكن الفصل بين الاستبداد والاعتماد على الغير، ولا يمكن تخيّل دولة استبدادية مستقلّة؛ فلا توجد ولم توجد ولا يمكن أن توجد دولة من هذا النوع، تعجز أي دولة استبدادية عن أن تكون مستقرّة من الداخل فقط؛ إذ تحتاج إلى الخارج للحفاظ على استقرارها، وهذا بالضبط ما يجري في بعض الدول الإسلامية.

هل هذه حالة إيران؟
أكثر مما يُعتقد، لدينا فرعونان اثنان في النظام؛ الأول هو خامنئي والآخر هو ترامب، هناك علاقة قائمة على التنسيق بشكل سرّي والحرب العلنية يعتمد عليها النظام كي يحظى بالاستقرار، فقد بنى النظام الإيراني سياسته الداخلية والخارجية بشكل شبه كامل تقريباً مستغلاً الأمريكيين، لذا فهناك حاجة لوجود أزمة من أي نوع، يعاني الشعب الإيراني من هذين الفرعونين؛ الولايات المتحدة المهيمنة التي تفرض العقوبات، والنظام، والآن وبما أنّ الأولى تحرم إيران من بيع نفطها، فكيف يمكن الجزم بأنّ الأخيرة دولة مستقلّة؟


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/2vQibBV

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل فقد الفلسطينيون الحشد وعليهم أن يقبلوا بصفقة القرن؟

2020-02-18

ترجمة: إسماعيل حسن


يرى كتّاب وخبراء سياسيون إسرائيليون؛ أنّ القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تفاصيل صفقة القرن، قد سقطت ورقتهم بعد أن فقدوا الحشد والدعم الحقيقي في محاولة التصدي لقرارات الصفقة، في حين أنّه قد آن الأوان كي تفرض إسرائيل سيطرتها الكاملة على بلاد اليهود التاريخية، دون إذن من الفلسطينيين.

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية جداً ومع ذلك رفضوها

وفي هذا الإطار يقول الكاتب والمحلل السياسي، أفرايم غانور: "لقد فقدت القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية كافة أوراقها الأخيرة، فلا داعي للرفض ومحاولة حشد الدعم العربي الرافض للخطة، الرئيس أبو مازن خلق وراءه ناراً أشعلها في خطابه الكفاحي، أقلع إلى الجمعية العمومية بالأمم المتحدة في نيويورك ليعمل ما هو جيد فيه أكثر من أيّ شيء آخر، فيخطب أمام ممثلي الأسرة الدولية، ويطلب تأييدهم الذي لم يجده حتى الآن؛ لا في الشارع الفلسطيني ولا في العالم العربي المحيط به، بالتالي ليس هناك ما يحسد أبو مازن ورفاقه في القيادة الفلسطينية عليه، لقد بقوا بلا أوراق وبلا خيارات عمل، التوجه للأسرة الدولية لن يجدي نفعاً في ضوء الوقوف الذي لا لبس فيه من إدارة ترامب إلى جانب إسرائيل، وللحقيقة؛ الحديث لا يدور فقط عن ترامب وإدارته، فمعظم دول العالم امتنعت عن رفض خطة ترامب، ولا ترى فيها سبباً لتحطيم القواعد التي يهدّد فيها أبو مازن إسرائيل، من يدّعي أنّ ترامب ونتنياهو لم يتركا أمام الفلسطينيين غير طريق واحد، وهو طريق العنف، لكنّ أبو مازن يعرف أكثر منهما أنّ هذا الطريق مآله الفشل، ولن يؤدي إلى أيّة نتائج.

ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه
يصعب الافتراض أنّ ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه في أيام الانتفاضة في بداية أعوام الألفين، التي خلّفت أكثر من ألف قتيل إسرائيلي، يمكنهم تحقيقه اليوم في ضوء التفاوض الأمني والاستخباري الإسرائيلي، مثلما هو الحال دوماً، تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو الولايات المتحدة، في أعقاب الانتخابات القريبة في الدولتين، وكما هو الحال دوماً؛ يفضّل الفلسطينيون أن يعيشوا انطلاقاً من الخيار بين خطاب في الجمعية العمومية للأمم المتحدة وخطاب في جلسة مجلس الأمن، وبين انتخابات وانتخابات، ليكتشفوا وليخيب أملهم في كلّ مرة من جديد، أنّ شيئاً لن يحصل مهما يكن من أمر، وحتى حين لا يفعلون شيئاً غير الحديث والخطابة، فلعدم الفعل دينامية خاصة به، ولا يمكن إبقاء السلطة والحركة الوطنية الفلسطينية على قيد الحياة فقط، وعلى أساس الخطابات والأحلام والترقب لنتائج الانتخابات، فالسلطة كفيلة بأن تتفكك في نهاية اليوم، وستكون النتيجة اندفاعاً من الفلسطينيين نحو الإسرائيلية والمواطنة الإسرائيلية".

اقرأ أيضاً: غالبية الإسرائيليين يرفضونها: هل ستبوء "صفقة القرن" بالفشل؟
ويتابع غانور مقالته قائلاً: "الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون ويؤيدون ادّعاءاتهم المحقة، والذين يقفون إلى جانبهم في المظاهرات والكفاح؛ ففي المظاهرات التي جرت في تل أبيب ضدّ خطة الضمّ، بمبادرة ومشاركة منظمات اليسار والمئات من عرب إسرائيل، رفعت أعلام فلسطين بينما هتف حاملوها هتافات لا تتوقف، فلسطين مئة في المئة من البحر حتى النهر، الرسالة معروفة ومشهود لها، وتشكل جزءاً لا يتجزأ من عقيدة كفاح منظمة الإرهاب حماس، ثمة كثير من الحقيقة والحقّ في ادّعاءات عرب إسرائيل ضدّ البند الوارد في خطة ترامب، الذي يتحدث عن نقل جزء من بلدات وادي عارة إلى السلطة الفلسطينية المستقبلية.

عرب إسرائيل
الواضح أنّ عرب إسرائيل لا يحتاجون دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، وإذا كان هذا بالفعل هو حلمهم؛ فإنّ هذا البند بالذات في خطة ترامب سيساعدهم في تجسيد الحلم من خلال ضمّهم إلى الدولة الفلسطينية، لكن لماذا يتظاهرون؟ فالموضوع كلّه عن العلم الفلسطيني إلى جانب التطلع إلى دولة من البحر إلى النهر مكانه ليس هنا، بمعونة المظاهرات وهتافات كهذه، يقطع عرب إسرائيل الفرع اليهودي الإسرائيلي الذي يدعمهم ويحملهم، كلّ يهودي في هذه الدولة يفهم معنى هتاف يدعو إلى دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، بفضل هتافات كهذه تطرأ على رأس كلّ يهودي صور قاسية تحت عنوان "لن تكون هناك مرة أخرى أبداً"، وإذا لم يسارع عرب إسرائيل إلى الإصلاح والاعتذار عن هذا المشهد، فسيكتشفون في الأيام القريبة المقبلة أنّ الكثير من اليهود الذين يؤيدون تلك البنود التي تضمنتها خطة ترامب وتظاهروا واحتجوا ضدّها، من غير المستبعد أن نسمع في الأيام المقبلة ادّعاءات من اتجاهات مختلفة في الوسط العربي، بأنّ هذا لا يعكس موقف كلّ عرب إسرائيل، وأنّ الأمور لم تفهم كما ينبغي، التوقعات مختلفة ومتنوعة ليس فيها ما يقلل خطورة هذه الظاهرة، لقد حان الوقت لأن يفهم كلّ عربي يعيش هنا ويحمل بطاقة هوية زرقاء ويتطلع ويحلم بدولة فلسطينية من البحر إلى النهر، أنّ مكانه ليس هنا، ليس في دولة اليهود، إلى جانب هذا؛ على قيادة عرب إسرائيل، بكلّ تركيبتها، ولا سيما لجنة المتابعة ونوابها في الكنيست؛ أن يستوعبوا أنّ المسؤولية تقع على من يطلب من المؤسسة اليهودية المساواة الكاملة لعرب إسرائيل، ملزم قبل كلّ شيء بأن يكون موالياً وملتزماً بالدولة التي يطلبون منها مطالبهم وحقوقهم، لو جرت مظاهرة لرجال اليمين من حملة أعلام إسرائيل في بلدات وادي عارة، ودعا المشاركون فيها إلى نقل جلجوليا وباقة الغربية، وأم الفحم، وعرعرة، إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية، لانطلقت هنا صرخة رهيبة مع ادّعاءات بالعنصرية وما شابه خطاب أبو مازن في اجتماع الجامعة العربية، الذي عرض فيه حقائق كاذبة ومثيرة للحفيظة عن يهود رابطة الشعوب وأثيوبيا، تعزّز الرأي بأنّه لا يوجد مع من ووفق ماذا سيكون الحديث، لو كانت هناك حكمة في الطرف الفلسطيني لكان بوسعهم أن يصدوا ويغيروا خطة ترامب بسهولة، كان عليهم ببساطة أن يقولوا نعم للخطة ويرفقونها بعدة تحفظات لديهم، والاستعداد للبحث فيها في اللحظة نفسها؛ فإنّ عرض هذه الخطة كما عرضت كان سيتوقف أو ينزل عن جدول الأعمال، وحتى نتنياهو نفسه كان سيحرص على وقفها؛ لمعرفته أنّ شركاءه من اليمين لن يكونوا مستعدين لسماع وقبول خطة مع بند يتحدث بشكل واضح وقاطع عن دولة فلسطينية، بل وعن دولة يستعدّ الفلسطينيون لقبولها، هكذا هو الحال حين يحرص الفلسطينيون دوماً على ألا يفوتوا أيّة فرصة ليفوتوها.

أفضل الخطط السياسية الأمنية
في المقابل؛ يقول الكاتب الإسرائيلي، عاموس جلبوع: "إعلان تفاصيل خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعدّ من أفضل الخطط السياسية الأمنية التي سبق أن طرحت على إسرائيل في الموضوع الفلسطيني، وعلى إسرائيل أن تتبناها جملة وتفصيلاً بما فيها البنود التي قد لا تكون مريحة لها، لعدة اعتبارات:

الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون معهم

أولاً: هذه الخطة تحطم المنظومة الفكرية الكونية دولة فلسطينية في حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وإخلاء المستوطنات التي ترسخت في العالم منذ المحادثات التي جرت سابقاً بين باراك وياسر عرفات، وفي أوساط ما كان عليه اليسار الإسرائيلي، هذه الخطة تلقى في سلة القمامة، بحدود 67 تسمح لإسرائيل بأن تقرر حدودها على أساس اعتراف أمريكي بالاحتجاجات الأمنية لإسرائيل، تعترف بالقدس الموحدة وتعترف بشرعية المستوطنات، وهكذا يخرج من الخطاب السياسي مصطلح الاحتلال، هذه خطة لها إجماع واسع في الحياة العامة الإسرائيلية، باستثناء الأغبياء وغريبي الأطوار في الهوامش المتطرفة من اليمين واليسار.

اقرأ أيضاً: وثيقة فلسطينية ترصد 300 تجاوز قانوني في "صفقة القرن"
ثانياً: هذه الخطة تعيد الحركة الوطنية الفلسطينية إلى نقطة الصفر؛ لا حدود 67، ولا حق عودة، ولا ما تلقوه كهدايا من باراك وأولمرت، السيطرة على نحو 95% من أراضي يهودا والسامرة وإخلاء مستوطنات وعودة رمزية للاجئين وسيطرة على الحرم والحوض المقدس، صحيح أنّ الخطة تتحدث عن دولة فلسطينية بعد أربعة أعوام، عاصمتها شرق القدس، بمعنى القرى مثل أبو ديس وقلنديا، لكن من أجل نيل هذه الجائزة على الفلسطينيين أن ينفذوا سلسلة من الشروط، وعلى رأسها الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، من ناحية الفلسطينيين فهذا تنكر للأمر الأهم وخيانة للجوهر وللهوية الفلسطينية، فضلاً عن ذلك؛ فإنّ دولتهم ستكون محدودة جداً في سيادتها، ولن تكون لها رقابة على الحدود، وكلّ ما قلته حتى الآن يذكّرني بالإرث الذي تركه إسحق رابين في خطابه في الكنيست قبل شهر من اغتياله، لن نعود إلى حدود 67، القدس ستبقى موحدة والكتل الاستيطانية ستضمّ، وغور الأردن بالمعنى الأوسع سيكون حدودنا الأمنية، ولن تكون دولة فلسطينية، بل شيئاً ما أقلّ من دولة.

ثالثاً: قطاع غزة وحماس، تتحدث الخطة عن نزع سلاح حماس وتجريد القطاع وربطه بيهود السامرة بواسطة نفق أرضي، برأيي هذا أمر مستحيل، وأحلام لا يمكن تحقيقها، من سينزع سلاح حماس؟ هذه المحاولات وبمجرد الحديث فيها فهي تنذر بالشر للخطة، نتنياهو يساوم حماس ويفتح المطارات والمعابر لإدخال الأموال القطرية إليها، إطلاق الصواريخ ما يزال متواصلاً، وهو ما يزال قيد التفاوض، وليس بيده قرار أو حلّ لنزع السلاح.
رابعاً: لقد جاءت الخطة في وقت توجد فيه إسرائيل في موقع قوة إقليمية، والدول العربية مشغولة في مشاكل كبيرة والولايات المتحدة في موقع تأثير في المنطقة، لم يكن لها في الماضي، وفوق كلّ ذلك لا يمكن أن ننسى ولو لأيّة لحظة؛ أنّ المشكلة الحقيقية في المنطقة هي إيران.

اقرأ أيضاً: "كورونا" و"بريكست"و"صفقة القرن" والهشاشة
خامساً: أبو مازن والقيادة الفلسطينية لن يرفضا الخطة فقط، بل وسيحاولان القتال ضدّها وتهديداتهما تناطح السحاب لهم، فمن الصعب اليوم تجنيد الشارع العربي لعنف بعيد المدى، من يمكنه أن يمارس العنف هما حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، فهل ستنتج خطة القرن عنفاً كهذا من قطاع غزة إلى أن يرفعنا هذا إلى لحظة الحقيقة بالنسبة إلى مستقبل حماس في القطاع؟ أرى خطرين آخرين محتملين؛ الأول: ألا يعرف سياسيون كيف سيتصدون للتحدي الأكبر الذي يواجه الدولة الآن، والخطر الثاني؛ ألّا ينتخب ترامب مرة أخرى في تشرين الثاني (نوفمبر)؛ لذلك ينبغي الصلاة من أجل انتخابه.

اقرأ أيضاً: "صفقة القرن"... إطار للحل أم توطئة للانفجار؟!
أما الكاتب والمراسل العسكري، يوسى هدار، فقد أشار معقباً على ما سبق إلى أنّه لا توجد هناك خطة سياسية تساوي الورق الذي كتبت عليه، إلا إذا كانت منخرطة جيداً في الواقع اليومي، ومنسقة ومتعاطية مع القوى العاملة في المنطقة نفسها، على الساحة السياسية ومدعومة من القوى العظمى، صفقة القرن، التي هي ثمرة عمل كدّ لإدارة ترامب وإنجاز سياسي لا بأس به لحكومة نتنياهو، تقترب من المقاييس العملية التي ذكرت هنا، رغم أنّها لا تحظى في هذه اللحظة بموافقة كلّ الأطراف، على السطح تبدو هذه خطة ممتازة لإسرائيل، خطة تاريخية تمنح الدولة حدوداً قابلة للدفاع وبسط السيادة على غور الأردن والمناطق المأهولة في يهودا والسامرة اعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل، بما فيها البلدة القديمة في شرقها، ومزايا عديدة أخرى إضافة إلى ذلك.

الجدير بالذكر؛ أنّ إسرائيل مطالبة بأن توافق على إقامة دولة فلسطينية، وإن كانت مجردة وبشروط مقيدة، إلّا أنّها ما تزال دولة تمتد على نحو 70% من المناطق التي يحسبها كثيرون من الجمهور الإسرائيلي مناطق من الوطن، وفي نظرة تاريخية، ينبغي القول: إنّ الفلسطينيين يحصلون في خطة ترامب على أكثر بكثير مما ينبغي إعطاؤهم إياه، عليهم أن يتذكروا أنّ التطلعات القومية للعرب سبق أن تحققت في نحو 20 دولة في أرجاء الشرق الأوسط، بينما التطلعات القومية والأخلاقية والشرعية للشعب اليهودي لم تجد تعبيرها إلا في دولة قومية واحدة صغيرة ومحوطة بالأعداء، وعليه فليس هناك مكان آخر لتنازلات بعيدة الأثر.
مشروع تقسيم متجدد
إنّ خطة ترامب عملياً هي مشروع تقسيم متجدد، وينبغي أن نرى فيها الخطوة الأقرب لتحقيق العدالة التاريخية، والاعتراف بالحقوق التاريخية والقانونية للشعب اليهودي على بلاد إسرائيل، وبسبب التجمعات السكانية الفلسطينية في المدن الكبرى، وبسبب أهمية احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، ينبغي السماح للفلسطينيين بإدارة المنطقة بأنفسهم، لكنّ الحلّ الأكثر عدلاً هو حكم ذاتي فلسطيني وكونفدرالية مع الأردن.

تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو أمريكا

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية، وسخية جداً، بعضها ليست من حكومات باراك وأولمرت، ومع ذلك رفضوها في ظلّ إصرارهم على تقاليد تفويت الفرص التي تعود إلى المشروع التقسيمي.
لا مفرّ من النظر على نحو سليم، والقول إنّ الفلسطينيين غير معنيين بالاعتراف بدولة يهودية، وعملياً هم معنيون بكلّ الأرض من النهر وحتى البحر، لم يعد ممكناً انتظار الفلسطينيين، وتحمّل رفضهم، والإرهاب الذي يمارسونه، فضلاً عن الولايات المتحدة التي تؤيد مبدئياً فرض السيادة الإسرائيلية، يحتمل أن يكون ممكناً ربط المحور السنّي بمثل هذه الخطة، كذلك الدول العربية المعتدلة، ورغم التصريحات التلقائية التي انطلقت من الاتحاد الأوروبي, يبدو أنّ بريطانيا وألمانيا وفرنسا لم يستبعدوا الخطة تماماً، وقد تؤيد أيضاً هي مثل هذه الخطوة، على إسرائيل أن تعلن الخروج من دائرة الرفض الفلسطيني، وتحدّد حدودها دون انتظار أكثر من ما مضى.


مصدر الترجمة عن العبرية: معاريف
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-747896
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-744152
https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-745049

للمشاركة:

اشتباك مع روسيا في رقعة الشطرنج السورية.. تركيا الحائرة تبحث عن ذاتها

2020-02-17

ترجمة: علي نوار


تعدّ تركيا الحالية وريثة للقبائل المغولية التي قادها جنكيز خان والإمبراطورية العثمانية والدولة العلمانية التي أرسى قواعدها مصطفى كمال أتاتورك، في نفس الوقت. تمسكت تركيا برفض أي محاولات لإعادة ترسيم حدودها في اتفاقية سيفر الموقعة عام 1920 وفرضت بالقوة تعديلات دخلت لاحقاً في 1923 ضمن اتفاقية لوزان، لكنّها لا تزال غير مقبولة حتى اليوم خاصة فيما يتعلّق بأراضٍ يونانية وقبرصية وسورية تصرّ تركيا على انتسابها لها. وفضلاً عن كل ذلك تتمسّك تركيا برفضها لجميع الجرائم التي ارتكبتها في الماضي مثل؛ المذابح التي نفّذتها بحقّ غير المسلمين.

اقرأ أيضاً: روسيا وتركيا تتعارضان في ليبيا وتلتقيان حول أنبوب للغاز

وبعد ما يربو عن قرن كامل من عدم إيجاد تصنيف لنفسها، تنتهج تركيا سياسة خارجية تتكوّن من ردود أفعال متتالية تجاه العلاقات المتبادلة مع القوى الإقليمية والدولية، وتبدو للوهلة الأولى كما لو كانت متضاربة.

لكن التغيير الحاد في موقف تركيا إزاء روسيا ليس نتيجة مصالح لحظية؛ بل على العكس تماماً، فهو انعكاس لاستمرار بحثها عن هويتها في محيط متقلّب وغير مستقرّ، مرّ أيضاً بمحطات عديدة.

1. تفكّك الاتحاد السوفييتي (1991)

وجدت تركيا، التي أخطأت باختيار المعسكر الخاسر في الحرب الباردة، نفسها بلا دور يذكر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في 26 كانون الأول (ديسمبر) 1991.

اقرأ أيضاً: تركيا وروسيا ماضيتان في علاقة مشوشة

حاولت تركيا الاتجاه نحو التحديث عن طريق الانضمام إلى الكتلة الأوروبية، إلّا أنّها اصطدمت برفض الأوروبيين لها وعدم وجود أي نيّة حقيقية لديهم لقبول عضويتها ضمن النادي الأوروبي، واكتفوا بتمديد، وبلا نهاية واضحة، المفاوضات من أجل الانضمام، ووافقوا فقط على فكرة كون تركيا دولة شريكاً للسوق الأوروبية المشتركة في 1963، ثم دولة مرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي منذ 1987.

ظنّت تركيا أنّ بوسعها استغلال موجة ثورات الربيع العربي التي مرّت بعدد من دول الشرق الأوسط

كان أمام تركيا، في الوقت ذاته، خيار ثانٍ هو قيادة العالم الإسلامي واتّباع خُطى الدولة العثمانية. بيد أنّ السعوديين، الذين يرأسون منظمة المؤتمر الإسلامي عارضوا ذلك. وهنا ظهر الخيار الثالث للأتراك: استعادة علاقاتهم بالشعوب الناطقة باللغة التركية من أبناء الثقافة المنغولية والذين كانوا قد حصلوا على استقلال دولهم في آسيا الوسطى.

ونتيجة لعدم حسم أمرها سريعاً، أضاعت تركيا فرصة مواتية في الاتجاه الثالث. في الوقت عينه ومع قيادة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش لعملية عاصفة الصحراء من أجل طرد العراق خارج الأراضي الكويتية، أنشأ بوش نظاماً إقليمياً مستقرّاً يقوم على أساس محور ثلاثي يضمّ كل من المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا. وفي محاولة منها للظفر بمزيد من الأراضي، أقامت تركيا وقتها علاقات مع دولة يتيمة أخرى في الشرق الأوسط هي إسرائيل التي تتشارك مع تركيا في سعيها نحو اكتساب أراضي.

2. هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001

بعد انهيار العدوّين اللدودين لإيران- أفغانستان والعراق- سمح جورج بوش للجمهورية الإسلامية بالعودة للعب دور إقليمي. ومن هنا أصبحت طهران جزءاً من "محور المقاومة" الذي يشمل إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، أمام دول المنطقة الأخرى. وبعيداً عن المظاهر وعلى عكس الرؤية السطحية السائدة للشرق الأوسط، لم يكن الأمر يتعلّق بمواجهة بين المعسكر الموالي للولايات المتحدة وذلك المناهض للولايات المتحدة، ولا حتى صدام بين الشيعة والسنّة، بل نزاع إقليمي زائف يؤجّجه البنتاغون وفي استمرار لنفس النموذج الذي كانت وزارة الدفاع الأمريكية قد طبّقته خلال عقد الحرب عديمة الجدوى بين العراق وإيران. لكن الهدف هذه المرة لم يكن إضعاف الطرفين، بل أن تعمل شعوب المنطقة على إسقاط الأنظمة الحاكمة في بلدانها، وفقاً لاستراتيجية رامسفيلد/سيبروفسكي.

اقرأ أيضاً: موقع "الخلافة الإسلامية" بين مشاريع إيران وتركيا وداعش

ومع إدراكها مبكّراً لاستراتيجية البنتاغون، فضّلت تركيا حماية نفسها عن طريق إقامة علاقات طيبة مع المعسكرين والترويج للنموّ الاقتصادي بدلاً من الحرب الأهلية الإقليمية. وبالتالي ابتعدت عن إسرائيل.

في العام 2006 حين نشر العقيد رالف بيترز خريطة لخطط رئاسة هيئة الأركان الأمريكية، أمكن رؤية أنّ الولايات المتحدة سعت لتفكيك تركيا عن طريق تأسيس "كردستان حرّة" على أساس دولة كردستان التي كان مقرّراً إعلان قيامها في البداية عام 1920. حينها تساءل عدد من الجنرالات الأتراك حول مغزى انتماء تركيا لمعسكر واشنطن وأوصوا بتشكيل تحالف آخر. وفضّل هؤلاء الجنرالات الاتجاه نحو بكين؛ حيث إنّ موسكو لم تكن قد استعادت عافيتها العسكرية على المستوى العالمي بعد وقتها. واتّخذ بعضهم الخطوة وفتحوا قناة تواصل مع الصين واشتروا عتاداً عسكرياً من العملاق الآسيوي، لكن أُلقي القبض عليهم عام 2008 مع مسؤولي حزب العمال ذي التوجّهات الكمالية، بداعي انضمامهم لمنظمة إرجنكون. وأدين أغلب ضباط هيئة الأركان التركية ووقّعت بحقّهم عقوبات طويلة بالسجن، على الأغلب، بسبب التجسّس لحساب الولايات المتحدة، قبل أن تظهر الحقيقة إلى النور، وأسقطت جميع التهم عنهم.

اقرأ أيضاً: "داعش" والشراكة مع تركيا

كان هذا التوقيت هو الذي شهد قرار أنقرة بتدشين سوق مشتركة مع جارتها سوريا، من أجل حماية نفسها من أي انتقاص محتمل من أراضيها والتخلّص من شبح "كردستان الحرة".

3. "الربيع العربي"

ظنّت تركيا أنّ بوسعها استغلال موجة ثورات الربيع العربي التي مرّت بعدد من دول الشرق الأوسط، لذا "أيقظت" القبائل ذات الأصول التركية في ليبيا وساعدت حلف شمال الأطلسي "ناتو" في إسقاط نظام الزعيم معمر القذافي رغم أنّه كان حليفاً لأنقرة. بعدها، دخلت تركيا في حرب مع سوريا، التي كانت أيضاً شريكاً تجارياً. إلّا أنّ هاتين المغامرتين كانت لهما تأثيرات سلبية على الاقتصاد التركي المزدهر وقتها.

تعدّ الأزمة السورية تطبيقاً حياً للخلاف التركي الروسي، حيث يشنّ الجيش التركي عملية عسكرية تسبّبت باتساع الهوة بين أنقرة وموسكو

ومع دخول روسيا في اللعبة من أجل تقديم الدعم لنظام الرئيس السوري بشار الأسد وإنزال الهزيمة بتنظيم داعش، ارتأت تركيا النأي بنفسها عن القوى الغربية. وسعت أنقرة لاكتساب ودّ موسكو بشراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية "إس-400" ومحطة الطاقة النووية أكويو، فضلاً عن المشاركة في محادثات السلام بشأن سوريا التي عُقدت بكل من سوتشي في روسيا وأستانة في كازاخستان. وردّت الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" بورقة المنظمة التي يقودها رجل الدين فتح الله كولن وتمويل "حزب الشعوب الديمقراطي" الذي يمثّل الأقلّيات في تركيا أمام "حزب العدالة والتنمية" الإسلاموية بقيادة الرئيس أردوغان. يُضاف إلى ذلك إسقاط مقاتلة روسية طراز "سوخوي-24" على الحدود التركية-السورية، ومحاولة واحدة، على الأقل، لاغتيال أردوغان، ومحاولة فاشلة للانقلاب عليه، وكذلك اغتيال السفير الروسي أندريه كارلوف، ضمن وقائع أخرى.

اقرأ أيضاً: تركيا تتحالف مع أنظمة استبدادية لتوسيع تمدّدها في أفريقيا

كل ذلك دفع السلطات التركية لشن حملة تطهير كانت نتيجتها إيداع نصف مليون شخص تقريباً في السجون بداعي محاولة الانقلاب الفاشل.

وهنا قرّرت تركيا إمساك العصا من المنتصف والوقوف في الوسط بين واشنطن وموسكو بحثاً عن استقلاليتها رغم استمرار وجود التهديد المتمثّل في إمكانية التضحية بها في أي اتفاق قد تبرمه القوتان العظميان. وفي نفس الوقت، حاولت تركيا مساعدة وعرقلة واشنطن وموسكو في التوقيت ذات؛ مثل الاشتراك في الحرب ضد سوريا وبالتزامن مع ذلك دعم إيران وإنشاء قواعد عسكرية لها في كل من قطر والكويت والسودان.

اقرأ أيضاً: تركيا من "الرئيس" إلى "الخليفة"

ونظراً لصعوبة الحفاظ على هذا الموقف لوقت طويل، اضطرت تركيا لتوزيع مجهودها على خمس جبهات مختلفة في نفس الوقت ألا وهي الاتحاد الأوروبي؛ والذي وقّعت معه اتفاقاً فيما يخص المهاجرين، والعالم العربي؛ الذي تدّعي دفاعها عنه في مواجهة إسرائيل، وآسيا الوسطى؛ التي تسعى لوضعها ضمن دائرة نفوذها، وحلف شمال الأطلسي "ناتو" الذي لا تزال عضوة فيه، وروسيا؛ التي تحاول مغازلتها.

4. اغتيال الجنرال قاسم سليماني

اعتقد العالم أجمع، وهو ما ثبت عدم صحّته، أنّ الولايات المتحدة بصدد الخروج من الشرق الأوسط تاركة المجال لروسيا. وفي الحقيقة أنّ الولايات المتحدة كانت تسحب قواتها فقط، لكن مع استمرار نيّتها بالاحتفاظ بسيطرتها على المنطقة عن طريق وكلائها المسلّحين والمدرّبين والكثيرين، الإرهابيين.

وإزاء سعي واشنطن لمواصلة انتهاج سياساتها الهدّامة في شمال أفريقيا، ومع اغتيال سليماني، بدأت تركيا في مراجعة حساباتها.

اقرأ أيضاً: تركيا واستنساخ الميليشيات الإيرانية

وتعود تركيا للدوران في فلك الولايات المتحدة. فبعد مفاوضات السلام بشأن سوريا التي جرت في 13 كانون الثاني (ديسمبر) الماضي في موسكو، تتحدّى أنقرة وبشكل سافر الآن روسيا وهو ما يتجلّى في صورة قتل أربعة ضباط من الاستخبارات الروسية في محافظة حلب السورية.

وتعدّ الأزمة السورية تطبيقاً حياً لهذا الخلاف التركي الروسي، حيث يشنّ الجيش التركي منذ أسابيع عملية عسكرية تسبّبت في اتساع الهوة بين أنقرة وموسكو أكثر وأكثر، ويتزامن ذلك مع بدء الجيش النظامي السوري أيضاً لعملية عسكرية بدعم من الطيران الحربي الروسي. وفي أسبوع واحد قُتل 14 جندياً تركياً.

وفي خطاب حاد اللهجة مؤخراً، هدّد أردوغان بـ"استهداف النظام السوري" في جميع أرجاء البلاد إذا تعرّضت قواته في إدلب لاعتداءات من جديد. بالمثل، جدّد تحذيراته لحكومة دمشق وطالبها بالانسحاب من عدة مواقع في إدلب قبل انتهاء شباط (فبراير) الجاري، وهدّد بـ"فعل كل ما يلزم سواء برياً أو جوياً" لتحقيق ذلك.

ما الذي حدث؟

عزّزت تركيا على مدار الأيام المنصرمة بشكل كبير تواجدها العسكري في محافظة إدلب السورية حيث حقّقت قوات الأسد وروسيا مؤخّراً نجاحات عسكرية على حساب الجماعات المعارضة والجهادية.

وبحسب الصحافة التركية، فقد أرسلت أنقرة ألف عربة مدرّعة إلى هذه المحافظة في غضون يومين فقط. كما كشف مراسل لوكالة (ا ف ب) الفرنسية أنّه شاهد قافلة مدرّعات تركية تصل إلى إدلب.

التوتر يتصاعد بين أنقرة وموسكو

تشعر تركيا بالقلق لسبب رئيس ألا وهو اللاجئون. فكلّما اقترب النزاع من حدودها، يحاول المزيد من الأشخاص الفرار من سوريا نحو الأراضي التركية التي تستضيف حالياً ثلاثة ملايين و700 ألف لاجئ بالفعل.

لذا فإنّ تصعيد التوتّر في إدلب يضرب الاتفاق المُبرم بين روسيا وتركيا في مقتل، واللتين نجحتا رغم مصالحهما المتعارضة في سوريا، في تعزيز تعاونهما منذ 2016. وجاءت ثمرة هذه الشراكة والعلاقات الطيبة بين أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين متمثّلة في رعاية أنقرة وموسكو عام 2018 لاتفاق يقضي بوقف كافة صور العنف في إدلب.

اقرأ أيضاً: أزمة صامتة بين المغرب وتركيا بسبب ليبيا وقمة كوالالمبور

دفع ذلك أردوغان للتخلّي عن ضبط النفس الذي لطالما التزم به تجاه روسيا ليوجّه لها الاتهامات بارتكاب "مذابح" بحقّ المدنيين في إدلب بالتعاون مع قوات النظام السوري، ومنتقداً الإخلال بالوعود. وأكد الرئيس التركي "لن يصبح بوسع الطائرات التي تقصف السكان المدنيين في إدلب القيام بهذه الأفعال دون أي ردّ فعل مثلما كان يحدث من قبل"، دون أن يفصح عن الوسائل التي سيلجأ لها في هذا الصدد.

روسيا تردّ

من جانبه، رد المتحدث باسم الكرملين دميتري بسكوف بإلقاء اللائمة على أنقرة متهماً إياها بعدم فعل شيء لمواجهة الإرهابيين في إدلب، وهو الوضع الذي اعتبر أنّه "غير مقبول" في هذه المحافظة التي تعدّ آخر معاقل المعارضة ضد نظام الأسد وتسيطر عليها الجماعات الجهادية وحيث لقي 380 ألف شخص، على الأقل، حتفهم هناك بعد تسعة أعوام من النزاع، علاوة على ملايين اللاجئين.

اقرأ أيضاً: هل تورّطت قطر بعلاقة غير متكافئة مع تركيا؟

وتؤكّد كل من دمشق وموسكو أنّهما تواجهان "إرهابيين"، إلّا أنّ أردوغان يتّهمهما بمهاجمة "المدنيين على نطاق واسع" لدفعهم باتجاه الحدود التركية. وتحاول أنقرة تسوية الوضع عن طريق الجهود الدبلوماسية مع موسكو لتلافي كارثة إنسانية جديدة في إدلب قرب حدودها.

وبعد التوجّه شرقاً نحو روسيا في الأعوام الأخيرة، تحاول تركيا اكتساب ودّ أوروبا من جديد إزاء ما ترى أنّه انحياز روسي في الأزمة السورية، وبالفعل فقد توقّفت منذ الثالث من شباط (فبراير) عن المساهمة في الدوريات المشتركة مع روسيا في شمال سوريا.

اقرأ أيضاً: تركيا تجدد حيوية داعش وترعى انتقال الإرهابيين من سوريا والصومال إلى ليبيا

وبعد تصريحات أردوغان الحادة ضد موسكو، وصل المبعوث الأمريكي لسوريا جيمس جيفري إلى أنقرة للقاء وزير الدفاع التركي خلوص آكار ونائب وزير الخارجية سيدات أونال، ومن الأراضي التركية شدّد جيفري "يجب على روسيا تغيير سياساتها، وكذلك الإيرانيين وحزب الله، الذين يدعمون عملية قوات النظام السوري"، مؤكّداً دعمه لأنقرة كعضو في الناتو أمام "التهديدات الكبرى" التي تواجهها في إدلب.

السوريون بين شقّي الرحى

يواجه الروائي الحلبي ماهر دعبول معضلة عصيّة على الحل: البقاء مع أسرته في قريته وربّما الموت تحت الغارات العنيفة التي يشنّها النظام السوري، أو الهرب نحو تركيا والمخاطرة أيضاً بالموت برصاص الجنود الأتراك الذين يغلقون الحدود. والحقيقة أنّ هذا هو الواقع اليومي لعدد كبير من المدنيين السوريين. فبينما ينزح الكثيرون بما يستطيعون حمله من منازلهم، لا سيما مع التقدّم الحثيث للقوات الموالية لحكومة بشار الأسد، أصبح آخرون مثل دعبول، والذين سبق لهم النزوح، عالقين بين نيران قوات الأسد والقوات التركية.

تحذّر منظمات حقوقية من أنّ الأسبوعين الماضيين شهدا اضطرار 150 ألف شخص للنزوح من منازلهم جراء القصف في إدلب

يسرد دعبول "أنا واحد من القلائل المحظوظين الذين يبيتون تحت سقف بيت ملك لهم. لكن هناك الكثير من العائلات الأخرى الذين يقضون ليلهم في الخيام، أو داخل المدارس أو حتى في الشارع في العراء" وذلك في الشتاء قارس البرودة بشمال سوريا في شهر شباط (فبراير) لتظهر مأساة إنسانية أخرى نتيجة للحرب الدموية.

وتحذّر منظمات عدّة تنشط في مجال حقوق الإنسان من أنّ الأسبوعين الماضيين شهدا اضطرار 150 ألف شخص للنزوح من منازلهم جراء القصف في إدلب التي يقطنها ثلاثة ملايين نسمة، ليرتفع إجمالي الأشخاص الذين يحتمون بالمناطق الحدودية إلى نصف مليون شخص.

وفي محاولاته لتضييق الخناق على المعارضة بغية استعادة سيطرته على كامل أراضي البلاد، وصل الأمر بالجيش السوري وحلفائه- الطيران الروسي والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران- إلى تدمير الطرق التي يسلكها النازحون من المدنيين، بينما تتكفّل تركيا بالجزء الباقي من المهمة عن طريق إغلاق حدودها للحيلولة دون دخول المزيد من اللاجئين إلى أراضيها.

ورغم أنّ أنقرة دأبت على مدار أعوام على الترويج لفكرة أنّها تفتح الباب في وجه جميع "الضيوف" وهو الأمر الذي كان يروق لرئيسها، لكن يبدو أنّه اكتشف فجأة أنّ الهجرة تخصم من رصيده من الأصوات ليتراجع عن هذه السياسة ويصبح على شفا الدخول في مواجهة مفتوحة مع سوريا وروسيا، والثمن سيدفعه المدنيون الأبرياء الذين تتفاقم أزمتهم الإنسانية ومعاناتهم.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bit.ly/2uQpmK5
https://bit.ly/2uNvfrx
https://bit.ly/2wmsOwD

للمشاركة:

كيف يعمل الإخوان على أسلمة أوروبا؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-16

ترجمة: مدني قصري


يُمثّل كتاب ألكساندر ديلْ فالي وإيمانويل رضوي "المشروع.. استراتيجية التسلل لجماعة الإخوان المسلمين في فرنسا والعالم"، كتاباً حقيقياً لدراسة ظاهرة الإخوان، والطريقة التي تحوّلت بها أوروبا إلى الأسلمة؛ إذ تحظى أعمالهما بالإعجاب، حيث يستند أي ادعاء منهما إلى دليل وتحليل مفصّل.

ألهمت عقيدة سيد قطب الخميني وحماس وحزب العدالة والتنمية وغيرها من تيارات الإسلام السياسي

على الشبكات الاجتماعية، غالباً ما يكون تبادل الآراء حول ظاهرة أسلمة أوروبا، مخيّبة ومحبطة، فنادراً ما نجد جدالاً حقيقياً حول الموضوع، لذلك يشكل الكتاب الذي شارك في تأليفه ألكسندر ديل فالي؛ وهو أكاديمي وباحث، وأستاذ في العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية، وإيمانويل رضوي؛ وهو صحفي متخصص في الشرق الأوسط وجماعة الإخوان المسلمين، ثمرة 15 عاماً من البحث والمقابلات مع الشخصيات الرئيسية؛ حيث يوفر هذا الكتاب مفاتيح الإستراتيجية التي نفذها الإخوان المسلمون في أوروبا، والغرب بشكل عام.

حسن البنا والأمة بدل القومية
أنشأ حسن البنا عام 1928 جماعة الإخوان المسلمين، بهدف "استعادة إيمان زملائه في نقاء الدين الأصلي"، وإعادة تثبيت الخلافة التي قمعها أتاتورك، وطرد المستعمرين "الكفار" من مصر، ومحاربة القومية العربية لصالح الأمة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: مجلة فرنسية تحذر من خطر "أحفاد الإخوان" على أوروبا
وبحسب نهج البنا الفكري، فإنّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي أوحِي به، ورسالته هي الانتشار في جميع أنحاء العالم، باتباع استراتيجية عالمية، قائمة على التقية، ولعب دور الضحية، وهي أساليب تعمل بشكل جيّد مع الغربيين.
وفي الدول غير المسلمة، تهدف هذه الإستراتيجية إلى تأسيس مجتمع معاكس تدريجياً، تظهر أعراضُه في فرض عدم الاختلاط بين الجنسين، واستهلاك المنتجات الحلال، وارتداء الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة.
تعددت الوسائل والهدف واحد
إذا كان السلفيون والإخوان المسلمون يسعون إلى تحقيق نفس الهدف، فإنّهم يختلفون من حيث وسائل تحقيقه؛ إذ يريد السلفيون تحقيق كل شيء على الفور، فيُظهرون اختلافاتهم، أما الإخوان المسلمون فهم أكثر مهارة، وبالتالي يصعب التنبؤ بتصرفاتهم، ويصعب اكتشافهم؛ إذ يمتزجون مع السكان، ويفضلون الغزو على مراحل، ويمارسون التسلل إلى داخل الجمعيات الثقافية والمهنية والتعليمية؛ حيث تخفي ازدواجيتهم نواياهم الحقيقية، ويهدف خطابهم المزدوج إلى طمأنة الأوروبيين، الذين يميلون إلى الخلط بين الانفتاح على الآخر والسذاجة، من ناحية، وتشجيع الانفصالية والعنف تجاه غير المسلمين، من ناحية أخرى.

نموذج للتكامل والحداثة
عوّل الإخوان المسلمون كثيراً على دور النخب والسياسيين الغربيين، الذين أصابهم الذعر من مصطلح "كراهية الإسلام"، الذي تمكنت الجماعات الإسلاموية من فرضه داخل منظمة الأمم المتحدة، وبثه في الرأي العام، ويعد "طارق رمضان" مثالاً للأخ الصادق الأمين في الفضاء الأوروبي؛ المظهر الأنيق، والخطاب السلس المطمئن تجاه السكان المحليين "الغربيين"، والعلاقة مع المثقفين والأكاديميين والصحفيين، الذين يصفونه عن طيب خاطر كداعمٍ لـ "إسلام عصري"، مرتاح تماماً في مجتمع ديمقراطي.

تنشر جماعة الإخوان المسلمين عقيدتها عن طريق الحركات التي تحمل الأسماء الأكثر تنوعاً في كل بلد

وكان حسن البنا، قد نشر في عام 1936 بياناً ألقى فيه الضوء على الطبيعة الشمولية لأيديولوجيا الإخوان، ونجد في هذا البرنامج معظم الخصائص التي ذكرتها الباحثة الألمانية حنا أرندت، أو عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي؛ ريموند آرون، وهي رفضُ حرية التعبير، والسيطرة على وسائل الإعلام والاقتصاد، وإحداث الإرباك بين المجالين؛ العام والخاص، وإنشاء نظام ترهيبي في وسائل الجيش، وإنشاء شرطة الآداب، وتمجيد العنف الحربي، ومشروع الغزو العالمي، من خلال توحيد الأمة، وأخيراً، وهذه هي خصوصية شمولية الجماعات الإسلاموية؛ الرفض المطلق للعلمانية والاختلاط بين الجنسين والكراهية الكاملة للحضارة الغربية.
عقيدة قطب تُلهِم الخميني وأردوغان
لقد غذّى النازيون والإسلاميون افتتاناً متبادلاً في كراهيتهم للغرب الديمقراطي واليهود، فبعد اعتماد بيان حسن البنا، هاجم الإخوان في مصر دور السينما والمطاعم وكذلك النساء اللاتي تُعتبَر ملابسهن "غير لائقه" في نظرهم، وخلف البنا، سيد قطب؛ حيث صاغ عقيدة جماعة الإخوان في معاداة الحداثة ومعاداة الغرب، وكان لهذه العقيدة تأثير على الشارع، فقد ألهمت الخميني في إيران وحماس والإسلام الهندي الباكستاني والقاعدة وداعش والإسلام التركي وحزب العدالة والتنمية، الذي يتزعمه أردوغان.

غرب الحريات.. رمضان والإعداد للخلافة
انسحب سعيد رمضان وأبناؤه، مثل غيرهم من الإخوان المسلمين، إلى أوروبا واستقروا في سويسرا، فهذا الرجل هو أحد مؤسسي الرابطة الإسلامية العالمية، وهي نوع من الخلافة في طور الإعداد، يهدف إلى أسلمة العالم؛ حيث يتمتع الإخوان في القارة القديمة بحرية التعبير، التي لم يحلموا بها في الدول العربية، مما يسمح لهم بتطوير حركة جهادية سلمية، واستخدام كل الموارد التي توفرها المؤسسات الديمقراطية، بديلاً عن الأسلحة، بالإضافة إلى أنّ الوقت يعمل لصالحهم؛ حيث تشكل الديموغرافيا "معدل مواليد المسلمين أعلى من السكان المحليين"، والهجرة غير الخاضعة للرقابة، بالإضافة إلى التبشير المتطرف، رأس الحربة في أسلمة أوروبا.
مجلس الفتاوى برئاسة القرضاوي
في عام 1997، تم إنشاء مجلس الفتوى والأبحاث، المكلف بإصدار الفتاوى "المراسيم الدينية" للمسلمين في أوروبا على أساس الشريعة، والتي ينبغي أن تكون المعيار المطلق للمسلمين، ويُمثّل المجلس المذكور، والذي يرأسه يوسف القرضاوي منذ مدة طويلة، سلطة دينية وأيديولوجيا كبرى للإخوان، ويؤيد الهجمات والعمليات الانتحارية.
حركات بأسماء متنوعة
تُمثّل الجهادية استمراراً منطقياً لتعاليم الإخوان، حيث يتنقل أعضاء الحركة الإسلامية بسهولة من مجموعة إلى أخرى، متعهدين بالولاء للأقوى، مشكلين سديماً يصعب تتبّعه، باستثناء حالات نادرة، فهم لا يُظهرون انتماءهم لجماعة الإخوان المسلمين، ولكنهم في أحسن الأحوال يظلون على مقربة منهم، كما يفعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بالإضافة إلى ذلك، تقوم جماعة الإخوان المسلمين، وهي منظمة لا مركزية وأفقية، بنشر عقيدتها عن طريق الحركات التي تحمل الأسماء الأكثر تنوعاً في كل بلد، لكنهم يحملون هدفاً مشتركاً؛ "حكم الله على الأرض، إعادة تأسيس الشريعة في كل مكان، وتوحيد الأمة في خلافة عالمية".

الإخوان يقنعون النخبة السياسية
يمكن للإخوان والحركة الإسلامية في البلدان الأوروبية، الاعتماد على اليسارية الإسلامية الأوروبية، ومناهضي العنصرية، الذين شاركوا في مشروع الإخوان، ويُعد عالم الاجتماع فنسنت غيسر Vincent Geisser؛ الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي CNRS والمدافع عن الإسلاموية الراديكالية، وإدوي بلينيل Edwy Plenel؛ راعي ميديابار Mediapart، من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في فرنسا، البلد الأكثر تعرضاً للتهديد من قبل الأسلمة؛ حيث يعتبران الغرب مسؤولاً عما يحدث، لذلك فإنّ أي نقد أو تحليل للإسلاموية، يعتبر تمييزاً، وبالتالي شكلاً من أشكال العنصرية وكراهية الإسلام.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفقت محاولات "أخونة" الإسلام في أوروبا؟
وقد تمكنت جماعة الإخوان المسلمين خلال عقود قليلة، من إقناع النخب السياسية والإعلامية الأوروبية، بأنّ تطبيق أطروحاتها يساعد على دمج المسلمين في أوروبا، فيما هي لا تريد ذلك أصلاً.
ولا يُسامَحُ السياسيين على الإطلاق بسبب تراخيهم أمام أجهزة الاستخبارات في الدول الأوروبية التي عملت لأعوام على الربط بين الجهادية والإخوان والهجمات، وكتبت العديد من التقارير والمذكرات من أجل تنبيه مسؤوليها على كافة المستويات.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

dreuz.info/2020/02/09

للمشاركة:



قوات الشرعية تكبّد الحوثيين خسائر كبيرة.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

شنّت قوات حراس الجمهورية هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي، بمحافظة الحديدة، صباح اليوم .

وقالت مصادر محلية، نقلت عنها صحيفة "المشهد" اليمنية: إنّ "الهجوم جاء من ثلاثة محاور على مواقع الميليشيا الحوثية، بعد خرقها لأكثر من مرة لاتفاقات التهدئة السابقة".

هذا وقد سقط قتلى وجرحى من ميلیشیا الحوثي الانقلابیة إثر تجدّد المواجھات مع القوات المشتركة الموالیة للحكومة الشرعیة في جبھة الساحل الغربي بمحافظة الحدیدة (غرب الیمن).

قوات حراس الجمهورية تشنّ هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي بمحافظة الحديدة

وقال المركز الإعلامي لألویة العمالقة، في بيان له؛ إنّ بقایا جیوب الحوثیین حاولوا التسلل من مزارع الحسینیة صوب منطقة الجاح الإستراتیجیة في مدیریة بیت الفقیة بعد تلقیھم تعزیزات على مدى أسبوع.

وأضاف المركز؛ القوات المشتركة تمكنت من صدّ محاولة تسلّل للحوثیین إلى مواقعھا.

وأشار المركز الإعلامي إلى أنّ القوات المشتركة كبدت ميلیشیا الحوثي خسائر فادحة، مشیراً إلى سقوط قتیلین من القوات المشتركة.

وأكد أنّ تحركات الحوثیین كانت مرصودة منذ وصول التعزیزات وبدء الانتشار بین مزارع النخیل، الأمر الذي جعل محاولتھم انتحاریة تفتقر لعنصر المباغتة.

ألوية العمالقة: القوات المشتركة تمكّنت من التصدي لمحاولة تسلّل الحوثیین إلى مواقعھا عبر المزارع

في سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ كشفت وثائق حوثية مسربة، إقرار الميليشيات الحوثية بوجود مقاتلين صغار السن (أطفال) تمّ الاعتداء عليهم جنسياً في معسكراتهم.

وأكّدت إحدى الوثائق وجود أطفال في مراحل عمرية صغيرة في معسكر الاستقبال، يتبعون للقيادي "أبو نهم" الذي يتبع للقيادي أبو محمد القدمي.

على الصعيد نفسه؛ أشار تقرير صادر من اللجنة الثقافية في شعبة التأهيل والتدريب بوزارة الدفاع الانقلابية في بند السلبيات عن مواقع التدريب في إحدى المحاور العسكرية في المنطقة العسكرية المركزية، يذكر في رقم ٣ من السلبيات أنّ القيادي الحوثي، أبو يحيى الجريري، يوجد في مجاميعه أفراد صغار السنّ، كما يتضمن التقرير وجود انتهاكات جنسية طالت أطفالاً بهذه المعسكرات.

وثائق حوثية مسربة تؤكّد تعرض مقاتلين صغار السنّ (أطفال) لاعتداءات جنسية في معسكراتهم

إلى ذلك، ذكرت الوثيقة المرفوعة من قبل الأمن الوقائي في إحدى مواقع التدريب؛ أنّه تمّ ضبط واقعه اعتداء جنسي على طفل بموقع تدريبي تابع للمنطقة العسكرية المركزية التي يديرها عبد الخالق الحوثي.

وتذكر الوثیقة أنّ المدعو محمد مجعل، وھو أحد قیادات الميلیشیات في معسكرات التدریب، ضبط أثناء اعتدائه جنسیاً على أحد المقاتلین صغار السنّ، یوم ١١ كانون الثاني (ینایر) ٢٠١٩.

من جانبها، استنكرت وزارة التربیة والتعلیم الیمنیة، في وقت سابق، استمرار میلیشیا الحوثي في عملیات تجنید الأطفال في جمیع المحافظات الواقعة تحت سیطرتھا، ودعت المجتمع الدولي والمنظمات العاملة في حقوق الإنسان وحمایة الأطفال إلى إدانة ھذه الانتھاكات، والضغط على المیلیشیات الانقلابیة لإیقاف عملیة تجنید الأطفال والزجّ بھم في العملیات القتالیة.

للمشاركة:

حملة اعتقالات جديدة في تركيا.. من تستهدف؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

أصدرت السلطات التركية اليوم مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص؛ للاشتباه بارتباطهم بجماعة الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب المزعومة، عام 2016.

وذكرت وكالة "الأناضول" الرسمية للأنباء؛ أنّ المحققين يبحثون عن 695 شخصاً، بينهم عسكريون وشرطيون وموظفون في وزارة العدل، وأوقف منهم ما لا يقل عن 159 شخصاً، صباح اليوم، وصدرت مذكرات التوقيف في إطار عدة تحقيقات عبر تركيا.

وفي أنقرة؛ طلبت النيابة العامة توقيف 467 شخصاً، يشتبه بترتيبهم عمليات تزوير خلال مسابقة للانضمام إلى الشرطة عام 2009 بهدف السماح لمؤيدين لغولن بالحصول على مناصب مسؤولية، بحسب وكالة "الأناضول".

السلطات التركية تصدر مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص للاشتباه بارتباطهم بجماعة غولن

ويشتبه بأنّ جميع المعنيين بمذكرات التوقيف مناصرون لحركة الداعية فتح الله غولن، الذي يتهمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالوقوف خلف محاولة الانقلاب التي جرت في تموز (يوليو) 2016.

وينفي غولن، المقيم منذ حوالي عشرين عاماً في الولايات المتحدة، أيّ ضلوع له في الانقلاب الفاشل.

وتطارد السلطات منذ ذلك الحين أنصاره في حملات توقيف غير مسبوقة من حيث حجمها في تاريخ تركيا الحديث، أدت إلى توقيف أو إقالة أو تعليق مهام أكثر من 140 ألف شخص.

وتتواصل حملات التوقيف بشكل شبه أسبوعي، رغم مرور حوالي 3 أعوام على محاولة الانقلاب.

 

للمشاركة:

من الديمقراطيين.. من سينافس ترامب في انتخابات 2020؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

يخوض 9 مرشحين من الحزب الديمقراطي انتخابات للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، لخلافة الرئيس دونالد ترامب، الذي يسعى للفوز بولاية ثانية في الانتخابات التي ستجري عام 2020.

جون بايدن

أول المرشحين؛ هو نائب الرئيس السابق والسيناتور المخضرم، جو بايدن، الذي يمثل التوجه التقليدي للحزب الديمقراطي، ويستند برنامجه الانتخابي على إعادة بناء الطبقة المتوسطة، والاستثمار في البنية التحتية الاتحادية، ومجانية التعليم الجامعي، وفق ما أزردت "البي بي سي".

ويركز في حملته على ثورة الطاقة النظيفة، التي من شأنها أن تجعل الاقتصاد الأمريكي يعتمد على طاقة نظيفة بنسبة 100%، مع انبعاثات صفرية، بحلول عام 2050، وفرض رسوم وغرامات على الأطراف المتسببة بالتلوث.

دخل جو بايدن السباق الديمقراطي بصفته مرشحاً رئيساً، إن لم يكن المرشح الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات، ويحظى بشبه اعتراف دولي، وبمستويات عالية من القبول داخل الحزب وبين المستقلين سياسياً، واسمه مرتبط بأعوام الرخاء (على الأقل بالنسبة إلى الديمقراطيين) خلال رئاسة أوباما، ولديه فرص جيدة لجمع مبالغ هائلة خلال حملات التبرع من خلال الشبكات التقليدية للديمقراطيين.

وقدّم بايدن نفسه في فيديو التعريف بنفسه وببرنامجه الانتخابي؛ على أنّه الشخص الذي لا ينطبق عليه، إلى حدّ بعيد، ما ينطبق على دونالد ترامب وما يريد القيام به.

يشترك بايدن في بعض نقاط الضعف السياسية التي ظهرت أيضاً في حملة هيلاري كلينتون الرئاسية؛ التي أتاح الوقت الطويل الذي قضته تحت أنظار الرأي العام، فرصة سانحة لخصومها حتى ينالوا منها، ويربطوا بينها وبين مؤسسة الحكم الأمريكية الحالية، التي يشعر أمريكيون كثيرون بعدم الثقة بها.

من المتوقع أن يركز خصومه في الانتخابات التمهيدية على موقفه من قضية إلغاء الفصل العنصري في الحافلات المدرسية في السبعينيات من القرن العشرين، ورئاسة جلسات الاستماع لتثبيت القاضي كلرانس توماس في المحكمة العليا، عام 1991، وتأييده لحرب العراق، عام 2003، والقوانين الصارمة الخاصة بالجريمة والإفلاس.

ويضاف إلى ذلك؛ سنّه المتقدم، وارتكابه زلات لفظية، والمزاعم المتعلقة بالاتصال الجسدي غير اللائق وخسارته السباق إلى البيت الأبيض مرتين.

وقال ترامب عنه: "مرحباً بك، سليبي جو (اللقب الذي يطلقه الرئيس ترامب على بايدن)، في السباق الرئاسي، أرجو فقط أن يكون لديك بعض الذكاء، وطالما شككت في ذلك، كي يؤهلك لإطلاق حملة انتخابات تمهيدية ناجحة".

بيرني ساندرز

المرشح الثاني؛ بيرني ساندرز، الذي يمثل اتجاهاً سياسياً جديداً لم تعرفه الولايات المتحدة سابقاً، خاض الانتخابات عام 2016، وحلّ في مرتبة متقدمة.

ويقوم برنامجه الانتخابي على الرعاية الطبية للجميع (ميدي كير)، وزيادة الضرائب على الأمريكيين الأكثر غنى، ورفع الحدّ الأدنى من الأجور.

كما يطالب بإلغاء 1.6 ترليون دولار أمريكي بشكل كامل من الديون الحالية على الطلبة، بغضّ النظر عن الدخل، وجعل الدراسة في الكليات والجامعات والمدارس المهنية مجانية، وتمويل ذلك عبر فرض ضرائب على وول ستريت.

ويتمتع ساندرز بمزايا اكتسبها من تبرعات صغار المتبرعين، والشهرة التي يحظى بها، وتنظيم الموالين له في خمسين ولاية أمريكية، بيد أنّ وضعه كمتسابق رئاسي رئيس ستترتب عليه تكلفة معينة.

وسيحتفظ السيناتور، البالغ من العمر 77 عاماً، بقاعدته الموالية له، لكن من غير المعلوم ما إذا كان سيختار بعض أنصاره السابقين وجهاً جديداً، هذا وقد يقود إلى نشوب نزاع مع أولئك الذين يعتقدون أنّ "الثورة" التي يقودها بيرني تمثل الطريق الوحيد المتاح، الأمر الذي سيلهب الجراح التي يعاني منها الديمقراطيون، علماً بأنّها لم تندمل بعد منذ الحملة الانتخابية الأخيرة.

ووصف ترامب بيرني بالمجنون، لكنّه يملك طاقة أكبر مقارنة ببايدن، ولهذا لا يمكنك أن تعرف الحقيقة.

إليزابيث وارن

المرشح الثالث، إليزابيث وارن، وهي الأكاديمية التي تمثل التوجه التقدمي في الحزب الديمقراطي.

وارن؛ عضوة مجلس الشيوخ عن ولاية ماساشوسيتس، والتي تعد شوكة في خاصرة البنوك الكبرى، تسلط في حملتها الانتخابية على ضريبة الثروة، والرعاية الصحية، وحقوق الإجهاض، وتجريم إهمال الشركات الكبرى، كما تطرح إلغاء الديون الجامعية بناء على مستوى دخل الأسر؛ الأسرة التي تكسب أقل من 250 ألف دولار أمريكي سنوياً ستحصل على مستويات مختلفة من تخفيض الديون، بينما الأسر التي تكسب أكثر من ذلك لن تستفيد، وجعل الكليات العامة مجانية؛ إذ سيتم فرض ضرائب على أصحاب الثروات الكبيرة.

وظلت إليزابيث وارن مفضلة لدى اليسار التقدمي، منذ بروزها على المشهد السياسي، بهدف الدفع باتجاه فرض قوانين تنظيمية أكثر صرامة على القطاع المالي بعد الأزمة المالية لعام 2008، وخلال خدمتها في مجلس الشيوخ، أصبحت معروفة باستجواباتها الاستقصائية للمديرين التنفيذيين في وول ستريت، وبكونها منتقدة بصراحة للتفاوت في الدخول.

هذه القاعدة الشعبية المخلصة قد تكون كافية لصاحبتها حتى تتصدر المشهد في حقل ديمقراطي مشتت.

هذا وقد تواجه وارن تحديَ صياغة برنامجها الانتخابي؛ فهي تتعرض للنقد باستمرار من طرف دونالد ترامب، الذي سخر مراراً وتكراراً من مزاعمها السابقة بشأن أصولها؛ إذ قالت إنّ أصولها تعود إلى السكان الأصليين في أمريكا، ورغم أنّها بالكاد تذكر الرئيس في خطاباتها هذه الأيام، لكن عليها إقناع الديمقراطيين بأنّها لن تكون السياسية الأخيرة التي استهان بها الرئيس، ثم هزمها."

وقال ترامب عنها: "أظنّ أنّ بوكاهانتس (امرأة أمريكية من السكان الأصليين في إشارة إلى وارن)، قد انتهت، إنّها خارج اللعبة، لقد انتهت. عندما اكتُشِف أنّ في عروقي دماء هندية أكثر منها، وبما أنّه تبين أنّني لا أحمل دماء هندية، لكنني ما أزال أحمل المزيد منها، كانت تلك نهاية عملية نصب استمرت لمدة 32 عاماً".

 بيت بوتيجيج

أما المرشح الرابع؛ فهو بيت بوتيجيج، هو من جيل الألفية، وهو عمدة مدينة صغيرة لكنّه حقق نتائج جيدة.

أصبح رئيس بلدية مدينة ساوث بيند في ولاية إنديانا عندما كان ما يزال في العشرينيات من عمره، وخدم في القوات البحرية، وهو أول مرشح مثلي علانية.

برنامجه الانتخابي يقوم على الإصلاح السياسي، وحقوق المثليين، وتخفيف عبء الديون الدراسية.

واقترح بوتيجيج إعادة تشكيل المحكمة العليا؛ لتضمّ خمسة قضاة ديمقراطيين، وخمسة قضاة جمهوريين، وخمسة قضاة يتم اختيارهم بموجب اتفاق القضاة العشرة المعينين.

ويجيد المرشح سبع لغات، من بينها العربية، ويخطف الأضواء في ترشيحات الديمقراطيين.

دخل بوتيجيج السباق بسيرة ذاتية فريدة؛ فهو مثلي علانية، وحائز على شهادة أكاديمية من كلية رود في جامعة أكسفورد، وشارك في حرب أفغانستان بصفته مقاتلاً مخضرماً، وبصفته رئيس بلدية في منطقة الوسط الغربي، أظهر جاذبية لدى الناخبين في منطقة ساعدت في تسهيل وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة.

قال عنه ترامب: "ألفريد إي نومان (مجلة ماد للرسوم المتحركة) لا يمكنه أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية".

إيمي كلوبوشار

المرشحة الخامسة، إيمي كلوبوشار، وهي محامية وعضوة مجلس الشيوخ حالياً، لمع نجمها خلال استجواب القاضي الذي رشحه ترامب للمحكمة العليا.

برنامجها الانتخابي يقوم على الاستثمار في البنية التحتية، وبرامج الصحة العقلية، وتخفيض أسعار وصفات الأدوية.

كما تدعو كلوبوشار إلى تخصيص 100 بليون دولار أمريكي لمعالجة تعاطي المخدرات وقضايا الصحة العامة، على أن تتولى دفعها جزئياً الشركات التي تصنع مواد الأفيون من خلال توسيع نطاق التمويل والمحلي وعلى مستوى الولاية لبرامج الصحة العقلية.

قال عنها ترامب: "إيمي كلوبوشار أعلنت أنّها ترشح نفسها للرئاسة، وتحدثت بفخر عن مكافحة الاحتباس الحراري، بينما تقف عملياً في عين عاصفة ثلجية مصحوبة بالجليد وانخفاض درجات الحرارة، عند نهاية خطابها، بدت وكأنّها رجل ثلج (امرأة)!".

تولسي غابارد

المرشح السادس، تولسي غابارد، وهي من مواليد ساموا الأمريكية، تبلغ من العمر 37 عاماً، وتمثل مقاطعة هاواي في الكونغرس.

غابارد التقت رئيس النظام السوري، عام 2017، وتدعو إلى وقف التدخل الأمريكي في شؤون الدول الأخرى.

برنامجها الانتخابي يقوم على إنهاء السياسة الخارجية القائمة على التدخل، والتغير المناخي، وتقييد حيازة السلاح.

تدعو غابارد إلى تبني "قانون الاستغناء عن الوقود من أجل مستقبل أفضل" الذي طرحته، وينص على إنهاء الإعانات والتخفيضات الضريبية المتعلقة بالوقود الأحفوري، وحظر إنتاج الغاز الصخري، وإلزام شركات الكهرباء باستخدام 80% من موارد الطاقة المتجددة بحلول 2027، فضلاً عن إلزام السيارات بانبعاثات صفرية بحلول عام 2050.

وتعرضت المرأة المخضرمة التي شاركت في حرب العراق للنقد؛ بسبب لقائها بشار الأسد، في كانون الثاني (يناير) 2017، بعدما اتُّهِم الرئيس السوري باستخدام الغاز السام، بشكل متكرر، ضدّ المدنيين.

وقد تثير غابارد، وهي ابنة سياسي محافظ وناشط، غضب الناخبين الديمقراطيين أيضاً؛ بسبب انتقادها سابقاً من وصفتهم بـ "غلاة المثليين"، ومعارضتها لحقوق الإجهاض والزواج المثلي.

وعارضت أيضاً الاتفاق النووي مع إيران، ودانت "التطرف الإسلامي"، بلغة تذكرنا أكثر فأكثر بمرشح جمهوري.

 مايكل بينيت

أما المرشح السابع؛ فهو مايكل بينيت، وهو عضو مجلس الشيوخ عن كولورادو، ومدير سابق للمدارس العامة في دينفر، ويعدّ أحد اصحاب المليارات ويدعم قضايا الحريات.

برنامجه الانتخابي يقوم على الإصلاح الاقتصادي، والزراعة، وإصلاح النظام الجنائي، وهو أحد رعاة قانون الأسرة الأمريكي لعام 2019، والذي يسعى إلى توسيع الائتمان الضريبي للأطفال بناء على مستوى دخل الاسرة، على أن يُدفع شهرياً بدلاً من مُستردات الضرائب.

مايكل بلومبيرغ

المرشح الثامن: مايكل بلومبيرغ، وهو ملياردير ورئيس سابق لبلدية نيويورك، لكنّ سجلّه خلال توليه منصب عمدة نيويورك غير مشجع لدى القاعدة الديمقراطية.

برنامجه الانتخابي قائم على الاقتصاد، والهجرة، والحدّ من انتشار السلاح، والتغير المناخي.

واستهزأ ترامب ببلومبيرغ قبيل إعلان مشاركته في الانتخابات الرئاسية، قائلاً: "لا أحد أودّ خوض غمار الانتخابات ضدّه سوى مايكل الصغير".

توم ستاير

أما المرشح التاسع، توم ستاير؛ فهو ملياردير من كاليفورنيا يعمل في مجال التمويل، ويدعو إلى الحدّ من قوة الشركات الكبرى.

برنامجه الانتخابي يقوم على التغير المناخي، والرعاية الصحية، وركّز ستاير عند إطلاق حملة الرئاسية بالفيديو على "نقل السلطة إلى الشعب" وتحميل الشركات الكبرى مسؤولية معظم المشكلات "المستعصية".

ووصفه ترامب قبل أشهر قليلة من إعلانه أنّه سيخوض الانتخابات، بـ "غريب الأطوار".

 

للمشاركة:



هل فقد الفلسطينيون الحشد وعليهم أن يقبلوا بصفقة القرن؟

2020-02-18

ترجمة: إسماعيل حسن


يرى كتّاب وخبراء سياسيون إسرائيليون؛ أنّ القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تفاصيل صفقة القرن، قد سقطت ورقتهم بعد أن فقدوا الحشد والدعم الحقيقي في محاولة التصدي لقرارات الصفقة، في حين أنّه قد آن الأوان كي تفرض إسرائيل سيطرتها الكاملة على بلاد اليهود التاريخية، دون إذن من الفلسطينيين.

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية جداً ومع ذلك رفضوها

وفي هذا الإطار يقول الكاتب والمحلل السياسي، أفرايم غانور: "لقد فقدت القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية كافة أوراقها الأخيرة، فلا داعي للرفض ومحاولة حشد الدعم العربي الرافض للخطة، الرئيس أبو مازن خلق وراءه ناراً أشعلها في خطابه الكفاحي، أقلع إلى الجمعية العمومية بالأمم المتحدة في نيويورك ليعمل ما هو جيد فيه أكثر من أيّ شيء آخر، فيخطب أمام ممثلي الأسرة الدولية، ويطلب تأييدهم الذي لم يجده حتى الآن؛ لا في الشارع الفلسطيني ولا في العالم العربي المحيط به، بالتالي ليس هناك ما يحسد أبو مازن ورفاقه في القيادة الفلسطينية عليه، لقد بقوا بلا أوراق وبلا خيارات عمل، التوجه للأسرة الدولية لن يجدي نفعاً في ضوء الوقوف الذي لا لبس فيه من إدارة ترامب إلى جانب إسرائيل، وللحقيقة؛ الحديث لا يدور فقط عن ترامب وإدارته، فمعظم دول العالم امتنعت عن رفض خطة ترامب، ولا ترى فيها سبباً لتحطيم القواعد التي يهدّد فيها أبو مازن إسرائيل، من يدّعي أنّ ترامب ونتنياهو لم يتركا أمام الفلسطينيين غير طريق واحد، وهو طريق العنف، لكنّ أبو مازن يعرف أكثر منهما أنّ هذا الطريق مآله الفشل، ولن يؤدي إلى أيّة نتائج.

ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه
يصعب الافتراض أنّ ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه في أيام الانتفاضة في بداية أعوام الألفين، التي خلّفت أكثر من ألف قتيل إسرائيلي، يمكنهم تحقيقه اليوم في ضوء التفاوض الأمني والاستخباري الإسرائيلي، مثلما هو الحال دوماً، تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو الولايات المتحدة، في أعقاب الانتخابات القريبة في الدولتين، وكما هو الحال دوماً؛ يفضّل الفلسطينيون أن يعيشوا انطلاقاً من الخيار بين خطاب في الجمعية العمومية للأمم المتحدة وخطاب في جلسة مجلس الأمن، وبين انتخابات وانتخابات، ليكتشفوا وليخيب أملهم في كلّ مرة من جديد، أنّ شيئاً لن يحصل مهما يكن من أمر، وحتى حين لا يفعلون شيئاً غير الحديث والخطابة، فلعدم الفعل دينامية خاصة به، ولا يمكن إبقاء السلطة والحركة الوطنية الفلسطينية على قيد الحياة فقط، وعلى أساس الخطابات والأحلام والترقب لنتائج الانتخابات، فالسلطة كفيلة بأن تتفكك في نهاية اليوم، وستكون النتيجة اندفاعاً من الفلسطينيين نحو الإسرائيلية والمواطنة الإسرائيلية".

اقرأ أيضاً: غالبية الإسرائيليين يرفضونها: هل ستبوء "صفقة القرن" بالفشل؟
ويتابع غانور مقالته قائلاً: "الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون ويؤيدون ادّعاءاتهم المحقة، والذين يقفون إلى جانبهم في المظاهرات والكفاح؛ ففي المظاهرات التي جرت في تل أبيب ضدّ خطة الضمّ، بمبادرة ومشاركة منظمات اليسار والمئات من عرب إسرائيل، رفعت أعلام فلسطين بينما هتف حاملوها هتافات لا تتوقف، فلسطين مئة في المئة من البحر حتى النهر، الرسالة معروفة ومشهود لها، وتشكل جزءاً لا يتجزأ من عقيدة كفاح منظمة الإرهاب حماس، ثمة كثير من الحقيقة والحقّ في ادّعاءات عرب إسرائيل ضدّ البند الوارد في خطة ترامب، الذي يتحدث عن نقل جزء من بلدات وادي عارة إلى السلطة الفلسطينية المستقبلية.

عرب إسرائيل
الواضح أنّ عرب إسرائيل لا يحتاجون دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، وإذا كان هذا بالفعل هو حلمهم؛ فإنّ هذا البند بالذات في خطة ترامب سيساعدهم في تجسيد الحلم من خلال ضمّهم إلى الدولة الفلسطينية، لكن لماذا يتظاهرون؟ فالموضوع كلّه عن العلم الفلسطيني إلى جانب التطلع إلى دولة من البحر إلى النهر مكانه ليس هنا، بمعونة المظاهرات وهتافات كهذه، يقطع عرب إسرائيل الفرع اليهودي الإسرائيلي الذي يدعمهم ويحملهم، كلّ يهودي في هذه الدولة يفهم معنى هتاف يدعو إلى دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، بفضل هتافات كهذه تطرأ على رأس كلّ يهودي صور قاسية تحت عنوان "لن تكون هناك مرة أخرى أبداً"، وإذا لم يسارع عرب إسرائيل إلى الإصلاح والاعتذار عن هذا المشهد، فسيكتشفون في الأيام القريبة المقبلة أنّ الكثير من اليهود الذين يؤيدون تلك البنود التي تضمنتها خطة ترامب وتظاهروا واحتجوا ضدّها، من غير المستبعد أن نسمع في الأيام المقبلة ادّعاءات من اتجاهات مختلفة في الوسط العربي، بأنّ هذا لا يعكس موقف كلّ عرب إسرائيل، وأنّ الأمور لم تفهم كما ينبغي، التوقعات مختلفة ومتنوعة ليس فيها ما يقلل خطورة هذه الظاهرة، لقد حان الوقت لأن يفهم كلّ عربي يعيش هنا ويحمل بطاقة هوية زرقاء ويتطلع ويحلم بدولة فلسطينية من البحر إلى النهر، أنّ مكانه ليس هنا، ليس في دولة اليهود، إلى جانب هذا؛ على قيادة عرب إسرائيل، بكلّ تركيبتها، ولا سيما لجنة المتابعة ونوابها في الكنيست؛ أن يستوعبوا أنّ المسؤولية تقع على من يطلب من المؤسسة اليهودية المساواة الكاملة لعرب إسرائيل، ملزم قبل كلّ شيء بأن يكون موالياً وملتزماً بالدولة التي يطلبون منها مطالبهم وحقوقهم، لو جرت مظاهرة لرجال اليمين من حملة أعلام إسرائيل في بلدات وادي عارة، ودعا المشاركون فيها إلى نقل جلجوليا وباقة الغربية، وأم الفحم، وعرعرة، إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية، لانطلقت هنا صرخة رهيبة مع ادّعاءات بالعنصرية وما شابه خطاب أبو مازن في اجتماع الجامعة العربية، الذي عرض فيه حقائق كاذبة ومثيرة للحفيظة عن يهود رابطة الشعوب وأثيوبيا، تعزّز الرأي بأنّه لا يوجد مع من ووفق ماذا سيكون الحديث، لو كانت هناك حكمة في الطرف الفلسطيني لكان بوسعهم أن يصدوا ويغيروا خطة ترامب بسهولة، كان عليهم ببساطة أن يقولوا نعم للخطة ويرفقونها بعدة تحفظات لديهم، والاستعداد للبحث فيها في اللحظة نفسها؛ فإنّ عرض هذه الخطة كما عرضت كان سيتوقف أو ينزل عن جدول الأعمال، وحتى نتنياهو نفسه كان سيحرص على وقفها؛ لمعرفته أنّ شركاءه من اليمين لن يكونوا مستعدين لسماع وقبول خطة مع بند يتحدث بشكل واضح وقاطع عن دولة فلسطينية، بل وعن دولة يستعدّ الفلسطينيون لقبولها، هكذا هو الحال حين يحرص الفلسطينيون دوماً على ألا يفوتوا أيّة فرصة ليفوتوها.

أفضل الخطط السياسية الأمنية
في المقابل؛ يقول الكاتب الإسرائيلي، عاموس جلبوع: "إعلان تفاصيل خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعدّ من أفضل الخطط السياسية الأمنية التي سبق أن طرحت على إسرائيل في الموضوع الفلسطيني، وعلى إسرائيل أن تتبناها جملة وتفصيلاً بما فيها البنود التي قد لا تكون مريحة لها، لعدة اعتبارات:

الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون معهم

أولاً: هذه الخطة تحطم المنظومة الفكرية الكونية دولة فلسطينية في حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وإخلاء المستوطنات التي ترسخت في العالم منذ المحادثات التي جرت سابقاً بين باراك وياسر عرفات، وفي أوساط ما كان عليه اليسار الإسرائيلي، هذه الخطة تلقى في سلة القمامة، بحدود 67 تسمح لإسرائيل بأن تقرر حدودها على أساس اعتراف أمريكي بالاحتجاجات الأمنية لإسرائيل، تعترف بالقدس الموحدة وتعترف بشرعية المستوطنات، وهكذا يخرج من الخطاب السياسي مصطلح الاحتلال، هذه خطة لها إجماع واسع في الحياة العامة الإسرائيلية، باستثناء الأغبياء وغريبي الأطوار في الهوامش المتطرفة من اليمين واليسار.

اقرأ أيضاً: وثيقة فلسطينية ترصد 300 تجاوز قانوني في "صفقة القرن"
ثانياً: هذه الخطة تعيد الحركة الوطنية الفلسطينية إلى نقطة الصفر؛ لا حدود 67، ولا حق عودة، ولا ما تلقوه كهدايا من باراك وأولمرت، السيطرة على نحو 95% من أراضي يهودا والسامرة وإخلاء مستوطنات وعودة رمزية للاجئين وسيطرة على الحرم والحوض المقدس، صحيح أنّ الخطة تتحدث عن دولة فلسطينية بعد أربعة أعوام، عاصمتها شرق القدس، بمعنى القرى مثل أبو ديس وقلنديا، لكن من أجل نيل هذه الجائزة على الفلسطينيين أن ينفذوا سلسلة من الشروط، وعلى رأسها الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، من ناحية الفلسطينيين فهذا تنكر للأمر الأهم وخيانة للجوهر وللهوية الفلسطينية، فضلاً عن ذلك؛ فإنّ دولتهم ستكون محدودة جداً في سيادتها، ولن تكون لها رقابة على الحدود، وكلّ ما قلته حتى الآن يذكّرني بالإرث الذي تركه إسحق رابين في خطابه في الكنيست قبل شهر من اغتياله، لن نعود إلى حدود 67، القدس ستبقى موحدة والكتل الاستيطانية ستضمّ، وغور الأردن بالمعنى الأوسع سيكون حدودنا الأمنية، ولن تكون دولة فلسطينية، بل شيئاً ما أقلّ من دولة.

ثالثاً: قطاع غزة وحماس، تتحدث الخطة عن نزع سلاح حماس وتجريد القطاع وربطه بيهود السامرة بواسطة نفق أرضي، برأيي هذا أمر مستحيل، وأحلام لا يمكن تحقيقها، من سينزع سلاح حماس؟ هذه المحاولات وبمجرد الحديث فيها فهي تنذر بالشر للخطة، نتنياهو يساوم حماس ويفتح المطارات والمعابر لإدخال الأموال القطرية إليها، إطلاق الصواريخ ما يزال متواصلاً، وهو ما يزال قيد التفاوض، وليس بيده قرار أو حلّ لنزع السلاح.
رابعاً: لقد جاءت الخطة في وقت توجد فيه إسرائيل في موقع قوة إقليمية، والدول العربية مشغولة في مشاكل كبيرة والولايات المتحدة في موقع تأثير في المنطقة، لم يكن لها في الماضي، وفوق كلّ ذلك لا يمكن أن ننسى ولو لأيّة لحظة؛ أنّ المشكلة الحقيقية في المنطقة هي إيران.

اقرأ أيضاً: "كورونا" و"بريكست"و"صفقة القرن" والهشاشة
خامساً: أبو مازن والقيادة الفلسطينية لن يرفضا الخطة فقط، بل وسيحاولان القتال ضدّها وتهديداتهما تناطح السحاب لهم، فمن الصعب اليوم تجنيد الشارع العربي لعنف بعيد المدى، من يمكنه أن يمارس العنف هما حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، فهل ستنتج خطة القرن عنفاً كهذا من قطاع غزة إلى أن يرفعنا هذا إلى لحظة الحقيقة بالنسبة إلى مستقبل حماس في القطاع؟ أرى خطرين آخرين محتملين؛ الأول: ألا يعرف سياسيون كيف سيتصدون للتحدي الأكبر الذي يواجه الدولة الآن، والخطر الثاني؛ ألّا ينتخب ترامب مرة أخرى في تشرين الثاني (نوفمبر)؛ لذلك ينبغي الصلاة من أجل انتخابه.

اقرأ أيضاً: "صفقة القرن"... إطار للحل أم توطئة للانفجار؟!
أما الكاتب والمراسل العسكري، يوسى هدار، فقد أشار معقباً على ما سبق إلى أنّه لا توجد هناك خطة سياسية تساوي الورق الذي كتبت عليه، إلا إذا كانت منخرطة جيداً في الواقع اليومي، ومنسقة ومتعاطية مع القوى العاملة في المنطقة نفسها، على الساحة السياسية ومدعومة من القوى العظمى، صفقة القرن، التي هي ثمرة عمل كدّ لإدارة ترامب وإنجاز سياسي لا بأس به لحكومة نتنياهو، تقترب من المقاييس العملية التي ذكرت هنا، رغم أنّها لا تحظى في هذه اللحظة بموافقة كلّ الأطراف، على السطح تبدو هذه خطة ممتازة لإسرائيل، خطة تاريخية تمنح الدولة حدوداً قابلة للدفاع وبسط السيادة على غور الأردن والمناطق المأهولة في يهودا والسامرة اعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل، بما فيها البلدة القديمة في شرقها، ومزايا عديدة أخرى إضافة إلى ذلك.

الجدير بالذكر؛ أنّ إسرائيل مطالبة بأن توافق على إقامة دولة فلسطينية، وإن كانت مجردة وبشروط مقيدة، إلّا أنّها ما تزال دولة تمتد على نحو 70% من المناطق التي يحسبها كثيرون من الجمهور الإسرائيلي مناطق من الوطن، وفي نظرة تاريخية، ينبغي القول: إنّ الفلسطينيين يحصلون في خطة ترامب على أكثر بكثير مما ينبغي إعطاؤهم إياه، عليهم أن يتذكروا أنّ التطلعات القومية للعرب سبق أن تحققت في نحو 20 دولة في أرجاء الشرق الأوسط، بينما التطلعات القومية والأخلاقية والشرعية للشعب اليهودي لم تجد تعبيرها إلا في دولة قومية واحدة صغيرة ومحوطة بالأعداء، وعليه فليس هناك مكان آخر لتنازلات بعيدة الأثر.
مشروع تقسيم متجدد
إنّ خطة ترامب عملياً هي مشروع تقسيم متجدد، وينبغي أن نرى فيها الخطوة الأقرب لتحقيق العدالة التاريخية، والاعتراف بالحقوق التاريخية والقانونية للشعب اليهودي على بلاد إسرائيل، وبسبب التجمعات السكانية الفلسطينية في المدن الكبرى، وبسبب أهمية احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، ينبغي السماح للفلسطينيين بإدارة المنطقة بأنفسهم، لكنّ الحلّ الأكثر عدلاً هو حكم ذاتي فلسطيني وكونفدرالية مع الأردن.

تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو أمريكا

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية، وسخية جداً، بعضها ليست من حكومات باراك وأولمرت، ومع ذلك رفضوها في ظلّ إصرارهم على تقاليد تفويت الفرص التي تعود إلى المشروع التقسيمي.
لا مفرّ من النظر على نحو سليم، والقول إنّ الفلسطينيين غير معنيين بالاعتراف بدولة يهودية، وعملياً هم معنيون بكلّ الأرض من النهر وحتى البحر، لم يعد ممكناً انتظار الفلسطينيين، وتحمّل رفضهم، والإرهاب الذي يمارسونه، فضلاً عن الولايات المتحدة التي تؤيد مبدئياً فرض السيادة الإسرائيلية، يحتمل أن يكون ممكناً ربط المحور السنّي بمثل هذه الخطة، كذلك الدول العربية المعتدلة، ورغم التصريحات التلقائية التي انطلقت من الاتحاد الأوروبي, يبدو أنّ بريطانيا وألمانيا وفرنسا لم يستبعدوا الخطة تماماً، وقد تؤيد أيضاً هي مثل هذه الخطوة، على إسرائيل أن تعلن الخروج من دائرة الرفض الفلسطيني، وتحدّد حدودها دون انتظار أكثر من ما مضى.


مصدر الترجمة عن العبرية: معاريف
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-747896
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-744152
https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-745049

للمشاركة:

"تجنيد الأطفال" وغياب المسؤولية الدولية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

حسين الشيخ
لا شيء في الحياة دون قواعد حتى الحروب التي لا مرادف لها إلا الموت والخراب والدمار لها قواعد تحكمها إلا أن هذه القواعد يتم تجاوزها من الأطراف كافة لتغليبها النصر على الأعداء على أي مطلب آخر، وبغض النظر عن النتيجة كإهمال حياة المدنيين وتدمير البنى التحتية واستخدام الأسلحة المحظورة وغيرها من التجاوزات، إلا أن الأمر الأكثر بشاعة هو تجنيد الأطفال وتدريبهم على حمل السلاح، واستخدامه في القتال.

إن تعريف "الطفل" أخذ كثيرا من الأخذ والرد على مستوى الاتفاقات الدولية والقانون الدولي بتحديده بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة من العمر، وبغض النظر عن العمر المحدد في الاتفاقات الدولية، فإن العمل على تجنيد الأطفال سواء على يد الجماعات والمليشيات أو حتى الجهات الرسمية التي تجندهم بطريقة التفافية ضمن مليشيات تابعة لها، فإن الأمر الأكثر رعباً هو تجنيد الآلاف من الأطفال ممن هم دون الخامسة عشرة من العمر.

ورغم الحظر الدولي لتجنيد الأطفال فإننا نجد المجتمع الدولي والمنظمات المسؤولة عن حماية الأطفال كمنظمة "اليونيسيف" التي تتعامل مع الموضوع بالتصريحات والانتقادات - وبازدواجية في المعايير في بعض الأحيان – دون اتخاذ خطوات جادة تفرض على المجتمع الدولي عدم التعامل مع أي جهة تسهم في تجنيد الأطفال لما له من تبعات جسيمة تنذر بدمار مجتمعات بأكملها وتحويل أجيال برمتها إلى امتهان القتل والدمار.

وفيما يلي سنرصد أبرز الجماعات المرتبطة بملف تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العسكرية، كما سنتعرض إلى واجبات المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المختصة بتطبيق القانون الدولي وحماية الأطفال، وعلى رأسها منظمة "اليونيسيف":
المسألة الأولى تتعلق بأبرز الجماعات العربية المرتبطة بتجنيد الأطفال، في ظل الحروب والنزاعات الدائرة وطول أمدها على الرقعة العربية شكلت منعطفات خطيرة في فقدان الأمن وتحويل البوصلة الفكرية إلى التيارات المتشددة لغياب الحلول السياسية لأزماتها العالقة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي ترتب عليه تدهور البنى التحتية، لا سيما قطاعات التربية والتعليم وتسرب الأطفال من مدارسهم، بالإضافة إلى الحالة الاقتصادية المزرية وفقدان أبسط سبل العيش.

الأمر الذي يشكل ظروفاً مناسبة لاستغلال الأطراف المتصارعة لها والعمل على تجنيد الأطفال الذين يحققون لها بعض المكاسب التكتيكية والاقتصادية من خلال سهولة تجنيدهم واستغلال قصورهم الفكري بإلحاقهم بمعسكرات معنوية تعمل على زرع العداوة والبغضاء تجاه الطرف الآخر، الأمر الذي يسهم في تكوين طفل متشدد لا يمكن له في يوم من الأيام أن يقبل الطرف الآخر فتحظى بمقاتل مستميت لنصرة الفكرة التي زرعتها به، عدا عن كونه سهل الحركة وأكثر طواعية في تنفيذ الأعمال العسكرية الموكلة له وبانصياع تام لمُراد مجنِّديه.

هذا الأمر عمل عليه كل من تنظيم "داعش" المهزوم في سوريا والعراق ومليشيات الحوثي في اليمن، علاوة على أن الأطفال يتم تجنيدهم بتكاليف مادية بسيطة من حيث التسليح والأجور، كما أن من لا يستطيع حمل السلاح منهم لأي سبب من الأسباب يمكن استخدامه في نقل الذخيرة أو بناء الدشم، وهو ما عملت عليه كل الجماعات والمليشيات المتصارعة على الأرض العربية، كالجماعات المتطرفة في ليبيا وجبهة النصرة في سوريا والحشد الشعبي في العراق والمليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني.

ولكن الجماعات الأبرز الضالعة بتجنيد الأطفال هما جماعة "بوكو حرام" في الصومال وجماعة "الحوثي" في اليمن، ففي الصومال وبحسب التقارير والإحصاءات الإعلامية يتم تجنيد ما يزيد على ألفي طفل، وفي اليمن ما يقارب الألف طفل، ما يجعلهما في مقدمة المجنِّدين للأطفال مقارنة بالمساحات الخاضعة لهما وتعداد سكانها.

المسألة الثانية تكمن في آلية تعاطي المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مع ملف تجنيد الأطفال..

رغم أن تجنيد الأطفال محظور دولياً وباتفاقات مبرمة لا مجال لتجاوزها، وباعتبار تجنيد الأطفال يرقى لجرائم الحرب، فإن تعاطي المجتمع الدولي معه يعد خجولاً مقارنة بقدراته القانونية والسياسية وحتى العسكرية، وذلك من خلال النظر لهذا الخطر على أنه موضوع ثانوي بل إنه لا يرقى حتى لمجرد مقاطعة أولئك المجنِّدين أو اشتراط التوقف عن تجنيد الأطفال كشرط أساسي قبل الجلوس معها على طاولة للحوار، كما في الملف اليمني والسوري.

أما المنظمات الدولية المعنية، لا سيما منظمة "اليونيسيف" فإنها لا تقتصر على التصريحات والمراقبة دون اتخاذ خطوات جادة، بل إنها تتعامل بازدواجية في بعض الأحيان، إذ تدين تجنيد الأطفال وتستصرخ المجتمع الدولي لمد يد العون وإنقاذهم.

وفي الوقت ذاته تعترف بالجماعات المجنّدة لهم من خلال إبرام الاتفاقات وإدخال المساعدات التي تعلم علم اليقين، أنها لن تصل إلى الأطفال، بل إنها ستنهب وتحوّل إلى جبهات القتال كما حدث في اليمن والتعامل مع مليشيات الحوثي، كما أنها تعتمد على تقارير مواربة رغم قدرتها على لمس الواقع بيدها، إذ تساوي بين الحكومة الشرعية والانقلابيين في موضوع تجنيد الأطفال.

وذلك رغم أن تقاريرها هي نفسها التي نشرها موقع "سكاي نيوز عربية" عام 2017، الذي جاء فيه أن "جماعة الحوثي تجند 1940 طفلا، بينما هناك 274 حالة تجنيد مسؤولة عنها الحكومة اليمنية"، جاء التقرير بلغة تشير إلى أن الحالات المسؤولة عنها الحكومة الشرعية تفتقر إلى التوثيق اللازم لهذا الانتهاك، علاوة على أن العدد - رغم إدانتنا لتجنيد أي طفل - المذكور بحق الحكومة الشرعية عدد ضئيل لا مجال للتأكد منه.

كل ذلك يجعل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مسؤولة وبشكل مباشر عن قضية تجنيد الأطفال وتحويل المجتمعات إلى فرق متناحرة تتجذر فيها قيم التطرف والتشدد واستساغة إراقة الدماء وتدمير الأجيال بحرف أهدافها وطموحاتها وطاقاتها من مقاعد الدراسة والانكباب على العلم والبناء إلى دشم القتال والتمترس وراء البنادق، ما ينذر بكارثة حقيقية لا مجال لاحتوائها إذا مضى وقت أطول دون التعامل معها بحزم أو إيجاد الحلول الجذرية لها.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

أردوغان والفائضون عن الحاجة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

خالد الغنامي

عندما وضع أردوغان إكليل زهور على قبر ثيودور هرتزل في عام 2005 لم يكن يطلق مجاملة عابرة، فتركيا هي ثاني دولة مسلمة تعترف بإسرائيل في عام 1949، بعد إيران التي اعترفت بها في عام 1948. العلاقة بين الجانبين في حقيقتها أقوى من علاقة طيور الحُب في 14 فبراير، خصوصاً على مستوى وزارتي الدفاع (التركية والإسرائيلية)، فالتعاون العسكري يطال العديد من المجالات التي تشمل الجو والبحر والأرض، ومن قوات المشاة إلى التسليح، ومن المجال الاستخباراتي إلى صناعة الطائرات والأسلحة والصواريخ.. وهو تعاون ينطلق أساساً من تعاون اقتصادي راسخ. إنه حلف استراتيجي مؤسسي وبنيوي يشتمل على لجان التوجيه والاجتماعات المنتظمة والحوارات التي لا تنقطع.. مهما مارس أردوغان من مسرحيات هزلية أمام المتفرجين. هذه المسرحيات هي ما جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسخر من تظاهر أردوغان بعداوة إسرائيل، في حين يقدّر التبادل التجاري بين الجانبين بعشرات المليارات، ويسير على نحو متصاعد في كل عام.
الاتفاق التركي الإسرائيلي في فبراير 1996 يؤكد أنه عندما يكون هناك جنود لإحدى الدولتين، على أراضي الطرف الآخر، فإنهم لن يشاركوا في النزاعات بين الدولة المضيفة وأي طرف ثالث. هذا الاتفاق يتم تمديده سنوياً وقد مهد الطريق للزيارات العسكرية المتبادلة والتدريب الذي يشمل إرسال المراقبين للإشراف على المناورات العسكرية وتبادل الموظفين واكتساب المعرفة العسكرية، وقيام القوات الجوية والبحرية بزيارات متبادلة وتدريبات مشتركة.
وعلى صعيد الطيران العسكري، تُجرى التدريبات الدورية للقوات الجوية ثماني مرات سنوياً، في أربع عمليات انتشار في كلا البلدين. وتُجرى هذه التدريبات في تركيا بسبب حجم إسرائيل الضئيل، مما يتيح لقواتها الجوية أن تمارس التدريب الدوري في حوض البحر المتوسط، فيما يتدرب الطيارون الأتراك على ميدان إطلاق النار المحوسب في إسرائيل وفي مطار نيفاتيم.
ولابد أن نعلم أن إسرائيل قلّصت عبر العقود من مصالحها واستثماراتها في اليونان وكردستان، رغم التعاطف مع قيام دولة للأكراد، ضماناً لمصالحها مع تركيا. وفيما يتعلق بالتعاون الاستخباراتي، وهو مجال حيوي آخر تزدهر فيه العلاقات الإسرائيلية التركية، يجري تبادل المعلومات الروتينية وتحليل البيانات، بما فيها تلك التي جمعتها الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية.
الدافع وراء العلاقات الإسرائيلية التركية هو المصالح الوجودية المشتركة التي نسجت علاقاتهما الوثيقة في محيط عربي تستبعدان الاندماج فيه، وتجدان أن شخصيتيهما «الغربيتين» تحثهما على التعاون، خصوصاً بعد أن اتضح أن فائدتهما للمصالح الغربية أصبحت موضع شك، منذ الإعلان عن نهاية الحرب الباردة، مما زاد من رغبتهما في التقارب والتعاون من أجل البقاء. هذا غيض من فيض، مما تشهد به الوثائق الرسمية المعلنة للعالم.
على هذه الخلفية، وفي الوقت الراهن تحديداً، وما تشهده علاقة العالم العربي بالدولة التركية الحالية من توتر.. لا يمكن أن نحسن الظن بأولئك الأتراك الأيديولوجيين الذين يهتفون في بلد ثالث: «بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، وكان الأولى بهم أن يذهبوا إلى مقر السفارة الإسرائيلية في أنقرة وأن يهتفوا للأقصى من هناك، أو أن يذهبوا إلى مصانع السلاح التركية التي تصدّر إلى إسرائيل الذخائر التي تقتل بها الفلسطينيين، فيمنعوا تصديرها.
ومع كل هذا، تجد أن الفائضين عن الحاجة، بحسب تعبير نيتشه، وهم جماعة «الإخوان المسلمين»، ما زالوا يدافعون عن خليفتهم المزعوم أردوغان ويمارسون تضليلهم الإعلامي للإنسان العربي العادي الذي لا يملك الوقت للبحث والتقصي حول خلفياتهم ودوافع مواقفهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية