إيران.. الطائفية المؤدلجة والاعتدال الزائف

1511
عدد القراءات

2017-11-29

وصلتْ إيران إلى حالة من الاشتباك مع كل المحيط الإقليمي والعالمي، بالقدر الذي لم يدع لها أي فرصة لترميم شخصيتها وعلاقاتها إلا من خلال اللعب على وتر الديمقراطية والاعتدال، وكيفما كان حسن روحاني، فإنّه لن يكون مختلفاً بالقدر الذي يخرجه من العباءة المقدسة للولي الفقيه، وطاعة المرشد، لقد وصلت إيران إلى تحقيق أعلى مستوى للكراهية والعداء مع العرب جراء سياساتها الخارجية التي برعت في توظيف مذهبيتها وطائفيتها في مواجهة خصوماتها المختلفة وعلى أكثر من جبهة.

إيران دولة عميقة أيديولوجياً أكثر من كونها عميقة سياسياً، والحديث عن التحول السريع في هذه الإيديولوجية من المحافظة إلى الاعتدال، محض زعم، لسبب بسيط متعلق بأساس تكوينها الديني الطائفي، وليس سهلاً أن يتحول نظام الحكم فيها من حكم ديني مطلق إلى ديني - سياسي، فقط لأن الشارع الشعبي الإيراني يحاول أن يختار هذا التحول بطرق شتى.

الكتلة الحرجة من الطائفية المؤدلجة، التي نمت على شكل دولة، باسم إيران لم يسبق لها أن رضخت لرغبة شعبية مهما كانت بسيطة

إلا أنّ هذه الكتلة الحرجة من الطائفية المؤدلجة، التي نمت على شكل دولة، باسم إيران لم يسبق لها أن رضخت لرغبة شعبية مهما كانت بسيطة، فكيف هو الحال إزاء رغبة كبيرة بحجم تحول سياسي، وإذا كانت إيران بهذه المرونة السياسية لماذا اختارت أن تزور الانتخابات الرئاسية في العام 2009، إلى جانب استخدام مفرط للقوة ضد المطالبات الشعبية بديمقراطية حقيقية تسمح بوصول معتدلين إلى السلطة، ولماذا وصف روحاني فوزه الأخير بـ (الملحمة العظيمة)..؟ كيف لنا أن نصدق هذا، ونقتنع بهذا الإيمان المفاجئ بالديمقراطية الداخلية المشفوعة باليقين الديني، في ظل تطويق اليقين السياسي وكبح جماح دعاته..؟.

وبالنظر إلى الشخصية الاعتبارية لحسن روحاني، فإنّه قد شغل منصب سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي لمدة 16 عاماً، وتولى في ظروف خطيرة وحالة إقليمية مربكة منصب كبير المفاوضين النوويين في إيران في الفترة (2003-2005)، بالإضافة إلى منصب نائب رئيس البرلمان وممثل آية الله خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي، ورئيس مركز الأبحاث الاستراتيجية في مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو أحد الأجهزة الاستشارية العليا للمرشد الأعلى.

أخذها تعاطيها مع الملف السوري بهذه الذهنية الطائفية إلى تخوم كراهية وعداء إقليمي

كيف إذن لهذه الشخصية المعممة أن تخرج من عباءة الولائية المطلقة للدولة الدينية ودولة الفقيه..؟، وكيف لنا أن نثق بهذا الاعتدال الرئاسي الإيراني، في ضوء استمرار الإعلان عن النهج نفسه إزاء أكبر ملفين شائكين يجب أن يواجههما، وهما؛ الملف النووي والملف السوري، ومما رشح من تصريحات أولية له، فإنّه أبقى على نفس النهج وبنفس اللغة أيضاً، حين أعلن أنّه لا تراجع أمام الضغوط الغربية عن تخصيب اليورانيوم، وأن الحل السوري يجب أن يأتي من داخل سوريا فقط، وحين باغته أحد الصحفيين بسؤال حول فك الإقامة الجبرية عن المرشح الرئاسي السابق مير حسين موسوي، قطع المؤتمر الصحفي واختار أن يصمت.

لقد وجدت إيران نفسها في سياق عزلة دولية، وقد أخذها تعاطيها مع الملف السوري بهذه الذهنية الطائفية إلى تخوم كراهية وعداء إقليمي ستخسر أكثر مما ستربح إذا ما استمرت في السير بهذا الطريق إلى آخر الشوط، في حين أنّ الداخل الإيراني تعتمل فيه محركات رفض متنامية تجاه السياسات الاقتصادية على أقل تقدير، لأجل كل ذلك كان لا بد للمؤسسة الدينية الحاكمة في إيران أن تتخلى – ولو شكلياً – عن نهجها المتشدد، وأن تترك لنفسها فرصة لالتقاط الأنفاس في ماراثون المواجهات متعددة الجبهات.

الإيمان بالاعتدال الإيراني يشبه ما قاله الكاتب الأمريكي صاحب قاموس الشيطان أمبروس بيرس حين عرف الإيمان بأنّه تصديق بلا دليل لما قاله شخص بلا علم عن أشياء لا مثيل لها. هذا هو إذن شكل الاعتدال الإيراني المزعوم والمزور.

الاسترضاء الحمساوي لإيران، جنوح نحو خراب قيم الوحدة والأمة

لا أعرف حقاً كيف أقيم توازناً موضوعياً بين ما خلص إليه التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية بأنّ إيران "أكبر دولة داعمة للإرهاب" وأن تنظيم "داعش" التهديد الأكبر للأمن الدولي، وبين ما صدح به القيادي البارز في حركة حماس محمود الزهار، بأنّ "الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي الدولة الوحيدة التي سعت لتوحيد صفوف الأمة الإسلامية". الفكرة مرعبة، بوصفها أكثر من مجرد مبالغة في الاسترضاء الحمساوي لإيران، إنّها جنوح نحو خراب قيم الوحدة والأمة التي تمثل إيران شعاراتها بحسب الزهار الجريء والمغامر.

إيران توسع دوائر الدم والخوف والصراع، وتنزع إلى تفكيك المنظومات التقليدية للعلاقات الدولية في هذا الإقليم الملتهب، ولا أرى إلا أنّها بسياسة تثوير الأزمات وخلقها وزعزعة الاستقرار، إلا أنّها توقد تحت قدرها حتى ينضج أوانها لتكون وليمة لحرب قادمة أو أزمة منتظرة أو صراع آتٍ ستخرج منه خاسرة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: