حلال لتركيا حرام على مصر... إعلان مصر الدفاع عن السعودية يكشف تناقضات الإخوان

حلال لتركيا حرام على مصر... إعلان مصر الدفاع عن السعودية يكشف تناقضات الإخوان

حلال لتركيا حرام على مصر... إعلان مصر الدفاع عن السعودية يكشف تناقضات الإخوان


18/10/2026

أعاد إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر للدفاع عن السعودية فتح باب قديم في خطاب المنصات والدوائر الإعلامية المحسوبة على جماعة الإخوان والمعارضة المصرية في الخارج، يقوم على التعامل بمعيارين مختلفين مع التحرك العسكري خارج الحدود؛ فما يُقدَّم عندما تقوم به تركيا بوصفه دفاعاً عن الأمن القومي أو مساندة للحلفاء أو دعماً للشرعية، يتحول عندما تتحدث القاهرة عن حماية دولة عربية حليفة إلى حديث عن توريط الجيش المصري والزج بمصر في حرب إقليمية.

المفارقة تبدأ من مضمون ما أعلنه الرئيس السيسي نفسه، ففي 17 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، قال الرئيس المصري إنّ بلاده مستعدة لتنفيذ أيّ إجراء تطلبه السعودية للدفاع عن أمنها وسيادتها، وإنّ القاهرة تقف بقوة لحماية أراضي الأشقاء في الخليج. وقد ربط أيّ تحرك فعلي بطلب سعودي، وأعلن الحاجة إلى تفويض من مجلس النواب، مؤكداً أنّ الحديث عن الدفاع وليس مهاجمة طرف آخر. وكان السيسي قد مهّد لهذا الموقف قبل يومين بتأكيد أنّ استهداف السعودية ينعكس مباشرة على الأمن القومي المصري والعربي، وأنّ أمن المملكة واستقرارها خط أحمر بالنسبة إلى القاهرة.

من الدفاع عن السعودية إلى تهمة الزج بمصر

اتجهت تغطية الإخوان الإعلامية إلى إبراز التحرك المصري باعتباره مقدمة لدخول حرب جديدة في اليمن، فعلى سبيل المثال عنون موقع "عربي21"، الذي يمثل أحد أبرز المنابر الإعلامية المعارضة للقاهرة والقريبة من الإخوان، تغطيته بتحذير حوثي من زج مصر في الحرب، وقدّم في صدر مادته رسالة رئيس مجلس النواب في صنعاء الرافضة لأيّ تحرك عسكري مصري، مستخدماً في الوقت نفسه توصيف رئيس النظام المصري عند الإشارة إلى الرئيس السيسي.

التغطية هنا لم تبدأ من أنّ القاهرة تشترط طلباً سعودياً وتفويضاً برلمانياً وتؤكد الطابع الدفاعي للتحرك، بل من التحذير الحوثي ومن الزج بمصر في القتال. وحتى في خبر الموقع الأساسي عن التطورات حافظت المنصة على توصيف السيسي برئيس النظام المصري، بما يكشف أنّ الحدث لم يعالج بوصفه موقفاً للأمن القومي المصري فقط، وإنّما جرى وضعه منذ البداية داخل الصراع السياسي مع السلطة المصرية.

جدير بالذكر أنّه عندما لوّح السيسي عام 2020 بإمكان تدخل الجيش المصري في ليبيا إذا تجاوزت القوات المدعومة من تركيا خطوطاً اعتبرتها القاهرة مهددة لأمنها القومي، ظهرت في المنابر الإخوانية نفسها عناوين وتحليلات تتحدث عن مخطط للانقلاب على حكومة طرابلس وعن احتمال فشل وفضيحة أيّ تدخل مصري. ونقلت صحيفة "عربي21" آنذاك عن القيادي الإخواني السابق في البرلمان جمال حشمت هجوماً حاداً على أيّ خطوة عسكرية مصرية في ليبيا، بينما كان الوجود العسكري التركي في الملف نفسه يُقدّم في مواد أخرى بوصفه دعماً لحكومة الوفاق المعترف بها دولياً.

تدخل تركيا ومزاعم دعم الشرعية

من قبل، في ليبيا لم تكتفِ تركيا بإعلان استعدادها السياسي للمساندة، بل صوّت البرلمان التركي في كانون الثاني (يناير) 2020 بالفعل على نشر قوات تركية لدعم حكومة الوفاق في طرابلس، وصوّت 325 نائباً بالموافقة على مذكرة إرسال القوات. وبعد ذلك أصبح الدعم التركي عاملاً مباشراً في تغيير موازين المعارك حول العاصمة الليبية.

لكنّ التغطية الإعلامية نفسها التي نظرت بريبة إلى أيّ تدخل مصري محتمل استخدمت لغة مختلفة تماماً عند الحديث عن الدور التركي. ففي حزيران (يونيو)  2020  تحدثت "عربي21" عن تحرير حدود طرابلس وطرد قوات خليفة حفتر، وربطت ذلك صراحة بالتعاون والدعم التركي، مشيرة إلى أنّ تقدم قوات حكومة الوفاق تحقق بعد أشهر من التدخل التركي في الملف الليبي. لم يكن المصطلح المستخدم هنا هو زجّ تركيا في حرب دولة أخرى، بل هو دعم تركي ساعد الحكومة الليبية على تحقيق تقدم عسكري.

وعندما قال أردوغان إنّ تركيا ستواصل تحمل مسؤوليتها تجاه ليبيا، قدمت المنصة التصريحات داخل إطار دعم الحكومة المعترف بها دولياً، في مقابل وصف التدخل المصري والإماراتي بأنّه دعم لحفتر. والمعنى السياسي هنا واضح: التدخل العسكري لا يُدان باعتباره تدخلاً خارج الحدود في ذاته، وإنّما يتغير توصيفه وفق هوية الدولة التي تقوم به والطرف الذي تدعمه.

أربع عمليات عسكرية تركية في سوريا

الصورة تبدو أكثر وضوحاً في سوريا، فمنذ عام 2016 نفذت تركيا سلسلة عمليات عسكرية مباشرة داخل الأراضي السورية؛ بدأت بدرع الفرات، ثم غصن الزيتون في عفرين، ثم نبع السلام شرق الفرات في 2019، ثم وسعت عملياتها في 2020 تحت اسم درع الربيع. وتؤكد المصادر التركية الرسمية نفسها أنّ القوات المسلحة التركية دخلت الأراضي السورية ونفذت عمليات برية وجوية واسعة، بينما كانت أنقرة تبرر ذلك بحماية أمن حدودها ومحاربة التنظيمات التي تعدها إرهابية.

تركيا استخدمت القوة العسكرية داخل شمال سوريا لتحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في الحد من نشاط وحدات حماية الشعب الكردية، ونفذت ثلاث عمليات عسكرية رئيسية بين عامي 2016 و2019 في شمال حلب وعفرين ومناطق الرقة والحسكة.

اللافت أنّ المنطق الذي استخدمته أنقرة لتبرير تلك العمليات، ودافع عنه الإخوان، هو نفسه تقريباً المنطق الذي ترفض دوائر إخوانية ومعارضة استخدامه عندما يتعلق الأمر بالقاهرة؛ أي أنّ تهديداً يقع خارج الحدود يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي، وأنّ الدولة قد تتحرك عسكرياً لمنع الخطر قبل وصوله إلى أراضيها. ولم يكن الدعم الإخواني الواسع لتركيا خلال تلك السنوات قائماً على مبدأ رفض العمليات العسكرية الخارجية، وإنّما على اعتبار تركيا حليفاً سياسياً يجب تفهم دوافعه الأمنية.

أذربيجان... السلاح التركي يصبح نصرة للحليف

في حرب قره باغ عام 2020 كان الانحياز لأنقرة أكثر وضوحاً، فتركيا أعلنت منذ البداية وقوفها الكامل إلى جانب أذربيجان، وارتفعت صادراتها العسكرية إلى باكو بصورة حادة قبل اندلاع القتال. ووفقاً لبيانات نقلتها "رويترز"، اشترت أذربيجان معدات دفاع وطيران تركية بقيمة 123 مليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2020، بينها طائرات مُسيّرة وراجمات صواريخ وذخائر، وجاء الجزء الأكبر من تلك المشتريات بعد اشتباكات تموز (يوليو) والتدريبات العسكرية المشتركة بين البلدين.

وأعلن مسؤول الصناعات الدفاعية التركي أنّ خبرات بلاده وتقنياتها وطائراتها المُسيّرة وصواريخها وقدراتها في الحرب الإلكترونية تحت تصرف أذربيجان، وقال نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي لاحقاً إنّ أنقرة لن تتردد في إرسال جنود إذا طلبت باكو ذلك.

ومع ذلك، لم تكن اللغة المستخدمة في المنصات القريبة من الإسلام السياسي هي التحذير من توريط تركيا في حرب القوقاز. "عربي"21 عنونت إحدى موادها بعد اتفاق وقف إطلاق النار بعبارة نصر أذري، وأبرزت مشاركة القوات التركية في الحرب، ونشرت أثناء المعارك أخبار تقدّم القوات الأذربيجانية ومشاركة المُسيّرات التركية في الهجوم.

من ليبيا إلى القوقاز... المعيار هو دعم أردوغان للإخوان

في جميع الحالات يظهر تناقض الإخوان، فتركيا تدخلت عسكرياً مباشرة في سوريا، وأرسلت قوات إلى ليبيا بعد تصويت برلمانها، وقدّمت دعماً عسكرياً واسع النطاق لأذربيجان، وقامت بإرسال جنود إليها. وفي كل مرة بنت أنقرة حجتها على أحد ثلاثة أسس: الدفاع عن الأمن القومي التركي، أو الاستجابة لطلب حكومة حليفة، أو الوقوف إلى جانب دولة تعتبرها شقيقة.

أمّا الموقف المصري تجاه السعودية، فيقوم على الأسس نفسها تقريباً ولكن بشروط أكثر وضوحاً حتى الآن، وهي الدفاع عن الأشقاء، ووجود طلب سعودي، واقتصار المهمة المعلنة على الدفاع، والحصول على موافقة البرلمان قبل أيّ تحرك.

المفارقة الكبرى أنّ تركيا نفسها أدانت الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية وأعلنت ضمن مجموعة إقليمية دعم حق الرياض في اتخاذ الإجراءات المشروعة للدفاع عن أراضيها. ومن ثم يصعب تفسير الاعتراض الإخواني على مجرد استعداد مصر لمساعدة السعودية باعتباره اعتراضاً مبدئياً على التدخل العسكري خارج الحدود، ما دام الخطاب ذاته تقبل طوال سنوات تحركات تركية أوسع نطاقاً وفي ساحات أبعد جغرافياً عن تركيا.

والمسألة لذلك لا تبدو خلافاً حول قاعدة ثابتة تقول إنّ الجيوش يجب ألّا تتحرك خارج حدودها، فالسوابق التركية التي رحبت بها قطاعات من الإسلاميين تنفي وجود هذا المبدأ من الأساس. الخلاف الحقيقي يدور حول من هو صاحب القرار ومن المستفيد منه؛ فإذا كان أردوغان هو الذي يرسل الجيش إلى سوريا أو ليبيا، أو السلاح والمستشارين إلى أذربيجان، تصبح المفردات دفاعاً عن الأمن القومي ونصرة للحلفاء ودعماً للشرعية. أمّا إذا أعلنت مصر استعدادها للدفاع عن السعودية بطلب من الرياض وبعد تفويض البرلمان، فتظهر فوراً مفردات التوريط والزج بالجيش والمغامرة الإقليمية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية