
أسامة أحمد المصطفى
في العرف الدبلوماسي، لا تُقاس قوة الموقف بحدة المفردات، ولا تُقاس هيبة الدولة بقدرة ممثليها على إطلاق العبارات الجارحة في مواجهة الخصوم..
فالدبلوماسية في جوهرها فن إدارة الخصومة لا فن إشعالها، ومهمتها إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، حتى عندما تبلغ الخلافات ذروة الاحتقان.
ومنبر الأمم المتحدة أرفع من أن يكون مسرحًا للخطاب الجاهلي، وأكبر من أن يُختزل في معركة دعائية، ومن يقف عليه يحمل قبل أي صفة سياسية، مسؤولية الكلمة التي تمثل وطنًا بأكمله.
فالكلمة الدبلوماسية ليست مجرد وسيلة للتعبير، وإنما أداة سياسية تُقاس آثارها بميزان دقيق، والدبلوماسي المحترف يدرك أن العبارة المنتقاة بعناية تستطيع أن تحمل موقفًا بالغ الصرامة دون أن تهدم جسور التواصل، بينما قد تبدد عبارة انفعالية ما عجزت سنوات من التفاوض عن بنائه.
الدبلوماسي الحصيف لا يخاطب خصمه بمنطق الانفعال، وإنما بمنطق المصالح، فهو يعرف أن الخصومة السياسية ليست خصومة شخصية، وأن اختلاف المواقف لا يبرر السقوط في الإساءة أو التجريح أو الفجور في الخصومة. وحتى عندما تكون الرسالة شديدة اللهجة، ينبغي أن تظل محكومة بالاتزان، وأن تترك منفذًا للعودة إلى طاولة التفاوض.
والأهم أن اللغة الدبلوماسية ليست ضعفًا، ولا تعني التراجع عن الحقوق أو التنازل عن المواقف. على العكس، قد تكون العبارة الهادئة أشد وقعًا من الشتيمة، والحجة الموثقة أكثر نفاذًا من الصراخ. فحين يقول الدبلوماسي (نرفض هذا الموقف رفضًا قاطعًا، ونحمّل الطرف المعني كامل المسؤولية عن تبعاته)، فإنه يبعث برسالة حازمة دون أن يحول المنبر الدولي إلى ساحة للمناكفة.
أما الأوصاف المهينة والعبارات السوقية، فإنها لا تنتقص من الخصم بل تنتقص من صورة المتحدث نفسه، وتمنح الطرف الآخر فرصة للظهور بمظهر أكثر اتزانًا أمام المجتمع الدولي.
الدبلوماسية الحقيقية تعرف متى تكون لينة، ومتى تكون حازمة، ومتى ترفع سقف التحذير، لكنها لا تفقد بوصلتها الأخلاقية والمهنية، فهي تستطيع أن تقول (لا) بصرامة، وأن ترفض وتحتج وتحذر وتدين وتطالب بالمحاسبة، دون أن تنحدر إلى قاموس الشتائم أو لغة التحريض.
ومن المفارقات المؤلمة في المشهد السوداني أن يتحول منبر يفترض أن يكون عنوانًا للعقل الدبلوماسي، واحترام القانون الدولي، والبحث عن مخارج تحفظ حياة الشعوب، إلى منصة تستدعي مفردات الاستقطاب والتعبئة والانقسام.
وهنا يبرز السؤال المشروع، كيف يمكن لمن يقف أمام الأمم المتحدة، المؤسسة التي أُنشئت لتجنيب العالم ويلات الحروب، أن ينزلق خطابه إلى لغة تستحضر قاموس الجاهلية السياسية والاجتماعية والجهل المعرفي؟
إن قيمة الدبلوماسي لا تُقاس بارتفاع نبرة صوته، ولا بقدرته على تجييش العواطف، وإنما بقدرته على تمثيل بلاده بلغة تحفظ كرامتها، وتفتح أمامها أبواب الحوار، وتُبقي جسور الحل السياسي قائمة حتى في أكثر اللحظات احتقانًا.
والخطاب الذي يقسم السودانيين إلى معسكرات متخاصمة، أو يستدعي العصبيات الإثنية والجهوية، لا يخدم الدولة التي يتحدث باسمها، بل يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى أزمة أنهكت المجتمع والدولة معًا، فالسودان ليس قبيلة واحدة، ولا جهة واحدة، ولا مشروعًا أيديولوجيًا واحدًا، وإنما هو فسيفساء اجتماعية وثقافية وتاريخية لا يمكن اختزالها في خطاب الإقصاء والاستعلاء.
أما الأمم المتحدة، فليست ساحة لتبادل الشتائم السياسية أو إعادة إنتاج خطاب الحرب، وإنما فضاء يفترض أن تُطرح فيه القضايا بلغة المسؤولية والحجة والوثيقة، وأن يكون الهدف النهائي هو حماية المدنيين، وإنهاء النزاعات، وتهيئة الطريق أمام السلام.
ومن هنا، فإن الانتقال من خطاب الدولة إلى خطاب التعبئة، ومن الدبلوماسية إلى المناكفة، ومن الحجة إلى التخوين ليس مجرد تغير في المفردات؛ بل هو انحراف عن الوظيفة الأساسية للخطاب الرسمي، وإضعاف لصورة الدولة التي يفترض أن يمثلها الدبلوماسي.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الحرائق اللفظية، بل يحتاج إلى خطاب يطفئها، ولا يحتاج إلى دبلوماسية شاذة الأفق تعيد إنتاج الخصومة، بل إلى دبلوماسية تملك شجاعة الاعتراف بالأزمة، والقدرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة مسؤولة، والبحث عن تسوية تحفظ وحدة البلاد وكرامة شعبها.
إن أخطر ما أصاب دبلوماسية سلطة بورتسودان أنها لم تكتفِ بالعجز عن مخاطبة العالم بلغة القرن الحادي والعشرين، بل آثرت أن تنبش من ركام التاريخ مفردات العصبية والاستقطاب، وكأنها تستحضر من غبار الجاهلية ما عجزت عن العثور عليه في قاموس الدولة الحديثة.
فالعداء، مهما اشتد، عارضٌ سياسي عابر، أما الدبلوماسية فهي حرفة صناعة المستقبل، وفن تحويل الخصومة إلى مسار، والأزمة إلى مخرج، والمصلحة إلى جسور، لكن يبدو أن الحارث إدريس، وقد أمعن في سبر أغوار الأزمنة الغابرة، لم يجد في ذلك السفر الطويل سوى (شسع نعل كليب)، فعاد به متشدقًا، منتفخًا، وكأن التاريخ سلّمه مفاتيح الحاضر، بينما الحقيقة أن من يستعير أدوات الجاهلية لمخاطبة عالم حديث، لا يمارس الدبلوماسية، بل يعرض عجزه عن فهم العصر في مشهدٍ أقرب إلى الكاريكاتير السياسي.
العين

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1_3.jpg.webp?itok=TQNTwznQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_8.jpg.webp?itok=bq53wPPv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_30.jpg.webp?itok=43G-yRM_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_15.jpg.webp?itok=QEreMn5B)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_6.jpg.webp?itok=2yccWmrG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_8.jpg.webp?itok=nbXDavYo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_88.jpg.webp?itok=i68a5Xao)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_2.jpeg.webp?itok=3uxlqpu5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%86_78.jpg.webp?itok=73dEKsSR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A_78.jpg.webp?itok=exirZbTv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%860_0.png.webp?itok=bMUUbs2b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86.png.webp?itok=aRRUufMC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B3%D8%B7.png.webp?itok=wuhaPPFh)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yijKboRw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_1.png.webp?itok=asHVstdg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_129.jpg.webp?itok=aju99hfl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%81%D9%81_1.jpg.webp?itok=zXUGGeDE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)