
عبدالكريم عويضة
"الفكرة التي تطلب منا أن نموت من أجلها، يجب أن تكون فكرة تجعل الحياة ممكنة بعدنا، لا أن تستنزف الحياة في سبيل نفسها” محمود درويش.
مع حلول الذكرى الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر 2023، يجد الشارع الفلسطيني والمتابع لشؤون منطقتنا نفسه أمام لحظة مراجعة قاسية وضرورية، بعيدة كل البعد عن الشعارات العاطفية والتبريرات الجاهزة التي لم تعد تسمن ولا تغني من جوع. ثلاثة أعوام كاملة مرت، ولا تزال آثار ذلك اليوم وتداعياته تخيم بظلالها الثقيلة والمعتمة على قطاع غزة والضفة الغربية، بل وعلى مستقبل القضية الفلسطينية برمتها. لقد أقدمت حركة حماس في ذلك اليوم على اتخاذ قرار منفرد، ومغامرة غير محسوبة ولا مقدرة العواقب، كادت أن تودي بالمشروع الوطني الفلسطيني بأكمله إلى طريق الهلاك والدمار الشامل.
إن ما جرى لم يكن مجرد جولة جديدة من جولات الصراع المعتادة، بل كان زلزالاً سياسياً وإنسانياً ضرب أركان الوجود الفلسطيني ومكتسباته التي تراكمت عبر عقود طويلة من التضحيات والنضال، ليضع الشعب الفلسطيني أمام أزمة وجودية لم يشهد لها مثيلاً منذ نكبة عام 1948. لقد دفعت غزة وسكانها ثمنًا باهظاً ومروعاً من دماء أبنائها وبنيتها التحتية في هذه المغامرة، وما زالوا يدفعون هذا الثمن حتى هذه اللحظة.
فبين آلات الحرب الإسرائيلية المدمّرة والسياسات العقابية الشديدة التي يفرضها الاحتلال، وجد ملايين المدنيين أنفسهم محاصرين في جحيم لا يطاق؛ حيث حُوِّل القطاع إلى أرض محروقة تخلو من مقومات الحياة الأساسية، ودُمّرت المستشفيات والمدارس والمنازل وشبكات المياه والكهرباء بشكل كامل.إن هذه المعاناة اليومية القاسية لأهالي غزة ليست مجرد نتاج للعدوان الإسرائيلي الغاشم وتاريخه الطويل في البطش والإجرام ضد الشعب الفلسطيني فحسب، بل هي أيضاً حصيلة مباشرة لغياب الحكمة والتخطيط، وعدم المراعاة الحقيقية لوضع الناس وحياتهم ومقومات صمودهم اليومي من قبل قيادة الحركة.
لقد انطلقت تلك العملية دون توفير أي ملجأ للمدنيين، ودون تجهيز تأمين إغاثي أو صحي أو غذائي لأكثر من مليوني إنسان، مما يعكس استهانة صريحة بأرواح المواطنين وحصانتهم الإنسانية تحت ذريعة الصمود الشعبي “وهذا تمامًا فكر الإخوان المسلمين”. ولعل المظهر الأكثر إيلاماً في هذه الكارثة يتجلى في حجم العبثية والنهج البراغماتي الضيق الذي أُديرت به مقدرات الشعب الفلسطيني؛ إذ تُظهر الشهادات الموثقة — وفي مقدمتها ما كتبه سفيان أبو زايدة بخط يده نقلاً عمّا أملاه عليه يحيى السنوار مباشرة حول إبلاغ وتمرير الرسائل لجهة الاحتلال ولأطراف مختلفة كما رأينا على الشاشة، وهي الشهادة التي لم تتجرأ حماس على تفنيدها حتى اللحظة — أن القرار الوطني كان رهينة لاجتهادات فردية معزولة عن الواقع لأشخاص كانوا يعيشون في عالم موازٍ وغير مدركين لتعقيدات المشهد.
إن هذا النهج لا يُقرأ بمعزل عن مسار طويل أقامته الحركة من قنوات الاتصال والتفاهمات المكتومة مع حكومة نتنياهو لضمان بقاء سلطة الأمر الواقع؛ وهو مسار أُدير عبر مظلات ودول إقليمية لعبت دور القنوات الخلفية ورعت التمويل وخطوط التهدئة لسنوات، متجاهلةً التحذيرات العربية والإقليمية من المخططات الإسرائيلية المبيتة. وهو ذاته النهج البراغماتي الذي تجسد سابقاً في محاولات الحركة للتحالف مع محمد دحلان؛ مما يكشف عن سلوك مستعد لتجاوز كل المبادئ، والالتفاف على الشرعية والمؤسسية الوطنية، وعقد الصفقات مع شتى الأطراف، فقط من أجل ضمان البقاء وتكريس السيطرة الفصائلية وإبقاء غزة ورقة مساومة في أيدي محاور خارجية.
وعند قراءة ميزان النتائج بأسلوب سياسي مجرد وموضوعي بعد مرور هذه السنوات الثلاث، تبرز حقيقة ساطعة ومؤلمة تتمثل في أنه لم يتحقق من الأهداف المعلنة لما سمي بالطوفان هدف واحد على الإطلاق.
لقد أُعلنت العملية تحت عناوين براقة مثل حماية القدس والمسجد الأقصى، وفك الحصار عن قطاع غزة، وتحرير الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال، وإجبار إسرائيل على التراجع. ولكن الحصاد الميداني والسياسي أظهر عكس ذلك تماماً؛ فالقدس والأقصى أُحيطا بإجراءات وانتهاكات غير مسبوقة تضاعفت حدتها، والحصار المالي والأمني لم يُكسر بل تحول إلى تدمير شامل للقطاع وإعادة احتلاله ومسح معالمه وتطويقه بالكامل، والأسرى في سجون الاحتلال تعرضوا لإجراءات تنكيلية واستثنائية لم يشهدوها من قبل مع تضاعف أعداد المعتقلين الجدد بآلاف، ولم تُتوَّج العملية بتحرير شبر واحد من الأرض، بل على العكس تماماً، تراجعت مكاسب عقود من النضال الوطني، وجرى استنزاف مقومات الصمود الأساسية للإنسان الفلسطيني، لتتحول العملية من هجوم استراتيجي مُعلن إلى كارثة إستراتيجية شاملة.
ورغم هذا الفشل الذريع والمكشوف للجميع، تصر قيادة الحركة على الامتناع عن الاعتراف بهذه الحقيقة الكارثية، وترفض المبادرة لإنقاذ ما تبقى عبر تسليم إدارة القطاع والقرار الوطني والأمني للسلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية، بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ومؤسساته أمام العالم والمحافل الدولية.
إن هذا الموقف يعكس مساراً طويلاً سعت فيه حماس لخطف التمثيل الفلسطيني والسيطرة على القرار السياسي بأي ثمن، لدرجة التضحية بمقومات صمود غزة والوجود الفلسطيني برمته في سبيل هذا الهدف الفصائلي الضيق. وهو سلوك يُظهر غياباً تاماً للوعي والخبرة بطبيعة وفلسفة التمثيل الوطني؛ إذ إن قيادة الشعوب وحمل قضيتها لا ينشآن عن صفقات السيطرة أو المغامرات الحسابية الضيقة، بل يتطلبان حكمة إستراتيجية تضع صون حياة المواطن وحماية أرضه ومكتسباته فوق كل رهان.
إن هذا الإصرار يطرح تساؤلات ملحة وقاسية: فهل تراهن الحركة على معجزة خيالية لتغيير المعادلة الميدانية بعد تدمير القطاع، أم أنها تراهن على بقاء نتنياهو للإبقاء عليها كحجة جاهزة للهروب من استحقاقات السلام لترسيخ الانقسام، أم أن مشغلي الحركة الإقليميين يستغلون غزة كأوراق تفاوض رخيصة لتحسين شروطهم ولو على حساب سحق الوجود الفلسطيني؟
إن المأساة الحقيقية تكمن في أن هذه المغامرة قدمت أكبر خدمة على طبق من ذهب لليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة نتنياهو. ففي الوقت الذي كان فيه نتنياهو يواجه أزمات سياسية داخلية غير مسبوقة وانقسامات حادة في المجتمع الإسرائيلي، إلى جانب انتقادات دولية متزايدة لعزلة حكومته، جاءت أحداث السابع من أكتوبر لتعيد توحيد الشارع الإسرائيلي خلف القيادة العسكرية، وتمنح حكومة اليمين الغطاء السياسي والتبرير الدولي المطلق لتنفيذ أعتى مخططاتها التاريخية.
لقد استغلت إسرائيل هذه الأحداث لتنفيذ إستراتيجيتها المبيتة في تدمير قطاع غزة، ودفع السكان نحو التهجير القسري، وتحويل القضية الفلسطينية برمتها من قضية تحرر وطني وحقوق سياسية ومشروعة كفلتها الشرعية الدولية والقرارات الأممية إلى مجرد ملف أمني وإنساني يتعلق بالإغاثة وإدخال المساعدات وإدارة السكان.
إن الذكرى الثالثة لهذا المنعطف المأساوي يجب أن تكون محطة شجاعة للمراجعة والوقوف أمام الذات بدون مكابرة أو إنكار. إن إنقاذ ما تبقى من المشروع الوطني والقضية الفلسطينية يتطلب اليوم وبشكل عاجل إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وتغليب المصلحة الوطنية العليا وحياة المواطن وكرامته على أية مصالح حزبية أو أيديولوجية أو ارتباطات إقليمية ضيقة.
إن الشعب الصامد في غزة والضفة، والذي قدم التضحيات الجسام وواجه ويلات الحرب والنزوح، يستحق أن تمتلك حماس شجاعة الاعتراف بالخطأ، وتضع حماية الإنسان وصموده وتثبيته على أرضه كأولوية قصوى ومقدسة تسبق أي مكاسب فصائلية؛ ففي نهاية المطاف، وكما قال محمود درويش: “ليس الشهيد هو من يُقتل ليكون بطلاً في خطبة، بل هو الإنسان الذي كان يحب الحياة، وسُرقت منه دون أن يسأله أحد”.
– المقال يعبر عن وجهة نظري الشخصية ولا يعبر بأي حال عن وجهة نظر رسمية.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_8.jpg.webp?itok=PGnEQ4GC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_7.jpg.webp?itok=HmhQt4sS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%860.png.webp?itok=aXu6DEDn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_3.jpg.webp?itok=cuydtlVs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%860_1.jpg.webp?itok=n87Uimqt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=zNxXr6Wc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_4.jpg.webp?itok=RvkMJdh4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%8A%D9%86_6.jpg.webp?itok=q4fOTd3R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D9%88%D9%8A_0_4_0_1_2_3.jpg.webp?itok=jR_ZYvon)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_7.jpg.webp?itok=W0vT56SW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A91_3.jpg.webp?itok=pCwXf3fW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_2.jpg.webp?itok=4gLW7bf6)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_1.png.webp?itok=asHVstdg)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_129.jpg.webp?itok=aju99hfl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%81%D9%81_1.jpg.webp?itok=zXUGGeDE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)