الإصلاح الديني: المعركة المؤجلة مع الإسلام السياسي

الإصلاح الديني: المعركة المؤجلة مع الإسلام السياسي

الإصلاح الديني: المعركة المؤجلة مع الإسلام السياسي


07/10/2026

يعود سؤال الإصلاح الديني إلى واجهة النقاش العربي من بوابة الخلاف حول حدود العلاقة بين الدين والحداثة، وحول التيارات التي ادعت على امتداد العقود الماضية أنها امتداد لمشروع النهضة والإصلاح. وفي قراءة يقدمها الباحث التونسي محمد الحداد، فإن الخلط بين الإصلاح الديني والتيارات السلفية والإسلام السياسي لم يكن مجرد التباس فكري، وإنما ساهم في تهميش أحد أهم مسارات الفكر العربي الحديث.

وفي حوار مع موقع «جلوبال ووتش عربية»، انتقد الحداد ما وصفه بالخلط بين التيار الإصلاحي من جهة، والسلفية والإخوان المسلمين من جهة أخرى، معتبراً أن لكل اتجاه من هذه الاتجاهات منطلقاته وأهدافه المختلفة. ويضع هذا التمييز في قلب معركة فكرية يرى أنها لم تحسم منذ بدايات النهضة العربية، حين حاول مفكرون إصلاحيون التعامل مع سؤال التحديث من داخل المرجعية الدينية نفسها، قبل أن تتغير طبيعة الصراع مع صعود التيارات الإسلامية المنظمة.

ولا ينظر الحداد إلى المسألة باعتبارها خلافاً بين مدارس دينية فحسب، وإنما باعتبارها جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بموقع الدين في المجتمع، وبقدرة الفكر العربي على إنتاج حداثة تتجاوز النخب لتتحول إلى ثقافة اجتماعية.

ويرى الحداد أن قضية الدين كانت حاضرة بقوة لدى رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر، لكنها كانت مرتبطة بمشروع إصلاحي يسعى إلى معالجة أسباب التراجع الحضاري وإعادة بناء المجتمع والمؤسسات. ويعتبر أن هذا المسار يختلف جذرياً عن التيارات التي تعاملت لاحقاً مع الدين بوصفه إطاراً سياسياً وأيديولوجياً لتنظيم المجتمع والدولة.

ومن هنا يأتي إصراره على الفصل بين الإصلاح الديني والسلفية والإسلام السياسي. فهو يرى أن إدماج هذه الاتجاهات في كتلة فكرية واحدة أسهم في تقليص مساحة التيار الإصلاحي، وأتاح لاحقاً للإسلام السياسي تقديم نفسه باعتباره الوريث الطبيعي للإصلاح الديني.

ويشير الحداد إلى أن الإخوان المسلمين أنفسهم، في أدبياتهم التأسيسية، قدموا مشروعهم بوصفه تصحيحاً لما اعتبروه انحرافاً أصاب الفهم الديني لدى الإصلاحيين المتأثرين بالغرب. لكنه يرى أن الجماعة، منذ ثمانينات القرن الماضي، بدأت تستعيد أسماء من رواد الإصلاح وتوظفها لإظهار امتداد ثقافي وفكري مع التراث النهضوي.

وتتصل هذه القضية بمسألة أوسع ما تزال حاضرة في النقاشات الفكرية العربية: هل يمكن للإسلام السياسي أن يكون استمراراً لمشروع الإصلاح، أم أنه نشأ في الأصل كرد فعل على ذلك المشروع؟

ويضع الحداد تحول المؤسسات الدينية التقليدية في قلب تفسيره لصعود الإسلام السياسي. ففي القرن التاسع عشر، كانت المواجهة الرئيسية للإصلاحيين، بحسب قراءته، مع مؤسسات دينية تقليدية لم تكن قادرة دائماً على استيعاب التحولات الفكرية والاجتماعية الجديدة.

لكن ضعف هذه المؤسسات لاحقاً لم يؤد بالضرورة إلى انتصار الأفكار الإصلاحية. ويرى الحداد أن الفراغ الذي نشأ عن تراجع أدوار المؤسسات التقليدية، ومن بينها نظام الأوقاف والتعليم الديني التقليدي، استغلته حركات الإسلام السياسي التي قدمت نفسها بديلاً أكثر تنظيماً وحضوراً في المجتمع.

وتتخذ المدرسة، في هذا السياق، أهمية خاصة. فالحداد يعتبر أن التنافس على المناهج والتعليم لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل جزءاً من معركة تشكيل الوعي الاجتماعي، ولذلك ينتقد ما يراه خلطاً بين الفكر الإصلاحي والتيارات السلفية داخل المناهج المنتشرة في العالم العربي.

وهذه الفكرة تلتقي مع أطروحات أوسع يطرحها باحثون عرب حول أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق من دون إصلاح المدرسة وتطوير قدرة المجتمع على التفكير النقدي والاختلاف. وفي حوار آخر حديث مع الباحث التونسي علي العمري، نوقشت الفكرة نفسها من زاوية أن مواجهة التطرف لا يمكن أن تقتصر على الأدوات الأمنية، وأن إصلاح التعليم ونشر التفكير النقدي يمثلان جزءاً أساسياً من أي تحول ثقافي طويل الأمد.

ولا يتوقف سؤال الحداد عند حدود الإسلام السياسي، بل يصل إلى مأزق الحداثة العربية نفسها. فالمشروع الحداثي، في تقديره، نجح إلى حد بعيد في الوصول إلى مؤسسات الدولة وبعض النخب، لكنه لم يتحول بالقدر نفسه إلى ثقافة اجتماعية واسعة.

ويربط ذلك بضعف القدرة على بناء جسر بين الأفكار الإصلاحية والمجتمع. فالحداثة، عندما تُقدم باعتبارها مجرد استيراد لنماذج غربية أو مجموعة من القيم السياسية والقانونية المنفصلة عن التحولات الاجتماعية، تصبح عرضة للرفض من قطاعات واسعة ترى فيها اغتراباً ثقافياً.

وفي المقابل، استفادت التيارات المحافظة من هذا الارتباك لتقدم نفسها باعتبارها حامية للهوية في مواجهة التغريب. وهنا نشأ أحد تناقضات الحداثة العربية: مشروع يريد تحديث المجتمع لكنه لا يمتلك دائماً الأدوات الثقافية اللازمة لإقناع المجتمع بأن التحديث لا يعني التخلي عن هويته.

وقد عاد الحداد في كتابه الأخير عن محمد أركون إلى هذه المسألة من زاوية نقد العقل الإسلامي نفسه، معتبراً أن مشروع أركون لم يكن مجرد مواجهة مباشرة مع الإسلام السياسي، وإنما جزءاً من خصومة أوسع بين المحافظين والمجددين داخل الفكر الإسلامي ودراسات الإسلام.

ورغم تراجع حضور المدرسة الإصلاحية مقارنة بالقوى الإسلاموية والسلفية، لا يرى الحداد أن استعادة هذا التراث مسألة تاريخية مغلقة. على العكس، فإن دعوته إلى إعادة نشر نصوص رواد الإصلاح وقراءتها من جديد تعكس اعتقاداً بأن جزءاً من الأزمة الراهنة يرتبط بتراجع هذا الإرث عن المجال العام.

لكن استعادة الإصلاح لا تعني، في هذه القراءة، العودة إلى القرن التاسع عشر، وإنما إعادة فتح الأسئلة التي طرحها رواد النهضة في ظروف مختلفة: كيف يمكن التوفيق بين الدين والعقل؟ وكيف يمكن التعامل مع التراث بوصفه مادة للنقد والتأويل، وليس مرجعية مغلقة؟ وكيف تتحول الحداثة من خيارات نخبوية إلى قيم اجتماعية؟

وتبدو المعركة، بهذا المعنى، أقل ارتباطاً بمن ينتصر سياسياً وأكثر ارتباطاً بمن يمتلك القدرة على إعادة تعريف علاقة المجتمع بالدين والمعرفة والسلطة.

فالإسلام السياسي، وفق الحداد، لم يكن مجرد منافس سياسي للإصلاحيين، بل ساهم في إعادة ترتيب المجال الفكري حول ثنائية الهوية في مواجهة الحداثة. وفي المقابل، لم تنجح التيارات الإصلاحية دائماً في بناء قاعدة اجتماعية قادرة على حماية مشروعها.

ولهذا قد تكون المعركة المؤجلة هي استعادة الإصلاح الديني من الهامش، لا باعتباره أيديولوجيا جديدة، وإنما باعتباره جزءاً من مشروع أوسع لتحديث الثقافة والتعليم وإعادة الاعتبار للعقل النقدي. وفي هذا المستوى تحديداً، يصبح السؤال أكبر من مستقبل الإخوان أو السلفيين: هل تستطيع المجتمعات العربية أن تحول الإصلاح من إرث فكري للنخب إلى ثقافة حية في المجتمع؟

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية