
هانم التمساح
لم يكن المال بالنسبة إلى جماعة الإخوان الإرهابية مجرد وسيلة لتغطية النفقات أو تمويل النشاط التنظيمي، بل تحول عبر عقود من الزمن إلى أحد أهم مفاتيح بناء القوة والانتشار والمحافظة على شبكات النفوذ خارج الحدود، فالجماعة التي عملت منذ بداياتها على إنشاء هياكل تنظيمية واجتماعية وتعليمية واسعة احتاجت إلى موارد مالية مستمرة تتيح لها إدارة الجمعيات والمؤسسات والمراكز والأنشطة الإعلامية والسياسية، وهو ما جعل قضية مصادر التمويل وطرق تحريك الأموال واحدة من أكثر الملفات حساسية في تاريخ التنظيم.
ومع توسع النشاط الإخواني خارج الدول العربية، اتسعت كذلك الحاجة إلى إنشاء شبكات مالية أكثر تعقيدًا، بعضها ارتبط بأعمال تجارية واستثمارات وشركات، وبعضها اتخذ شكل جمعيات ومؤسسات خيرية، فيما ظهرت لاحقًا قنوات غير رسمية لتحويل الأموال ونقلها بعيدًا عن الرقابة.
ولاتؤدى لأموال التي تتحرك داخل الشبكات المتطرفة وظيفة واحدة، ولكنها تستطيع شراء النفوذ وبناء المؤسسات وتمويل الإعلام وتوسيع القدرة على التأثير في الرأي العام.
ويمثل الإعلام أحد المجالات التي تحتاج إلى موارد مستمرة، خصوصًا مع انتشار المنصات الإلكترونية والقنوات والمواقع والحسابات التي تعمل عبر دول متعددة.
فالمنصة الإعلامية تحتاج إلى تمويل مستمر لتغطية الرواتب والإنتاج والتقنيات والتوزيع والإعلانات، كما تحتاج الشبكات السياسية والاجتماعية إلى موارد لتأمين الاجتماعات والفعاليات والمؤسسات والمراكز، ولذلك فإن تفكيك مصادر المال يمكن أن يؤثر في قدرة الشبكة على إعادة إنتاج خطابها ونفوذها، حتى عندما لا تكون الأموال موجهة مباشرة إلى نشاط عنيف.
وتكمن الخطورة في أن المال قد يتحول إلى وسيلة لصناعة بيئة كاملة حول التنظيم: مؤسسات اجتماعية و نشاط دعوي و حضور إعلامي و فعاليات عامة و علاقات مع شخصيات ومراكز، ثم شبكة من المتبرعين والأنصار. وبذلك يصبح التمويل جزءًا من استراتيجية طويلة المدى لبناء النفوذ، وليس مجرد بند مالي في ميزانية تنظيمية.
وتكشف التجربة الدولية في مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال أن خطورة الأموال غير المشروعة لا تكمن فقط في مصدرها الأول، وإنما في قدرتها على الدخول إلى الاقتصاد الرسمي ثم إعادة تدويرها عبر شركات أو حسابات أو مؤسسات تبدو في ظاهرها قانونية.
وكانت شبكة يوسف ندا وأحمد نصر الدين من أبرز الأمثلة التي تعاملت معها السلطات الأمريكية والدولية منذ مطلع الألفية، بعدما قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن شبكة الرجلين اعتمدت على مجموعة واسعة من الشركات والمصالح التجارية، وربطت بنك التقوى بشبكات تمويل لأنشطة مرتبطة بالإرهاب.
ولم تعد القضية مرتبطة ببنك أو شركة محددة، بل أصبحت تتعلق بنمط كامل من العمل المالي يقوم على تعدد الواجهات وتوزيع الأدوار والفصل بين الجهة التي تجمع الأموال والجهة التي تنقلها والجهة التي تستخدمها.
وتزداد خطورة هذا النموذج عندما تتقاطع الأموال مع الخطاب الديني والعمل الخيري، لأن المتبرع قد يعتقد أنه يقدم مساعدة إنسانية، بينما يمكن أن تتولى شبكة وسيطة إعادة توجيه الأموال أو استخدامها في دعم بنية تنظيمية أو سياسية.
وتكشف قضية يوسف ندا نموذجًا تاريخيًا مهمًا، فقد قالت وزارة الخزانة الأمريكية في إحدى وثائقها إن ندا وأحمد نصر الدين أدارا شبكة مالية واسعة عبر مجموعة من المصالح التجارية وإن عددًا من الشركات التي ارتبطت بهما تضمنت إجراءات تهدف إلى إغلاق القنوات التي اعتبرتها السلطات داعمة لتمويل الإرهاب.
وكشفت هذه القضية أن التعامل مع المال لم يكن قائمًا دائمًا على تحويل مباشر من جهة إلى أخرى، بل يمكن أن يمر عبر طبقات متعددة من الملكية والشركات والحسابات والعلاقات التجارية، ولذلك أصبحت مكافحة تمويل الإرهاب تعتمد بصورة متزايدة على تحليل شبكات الملكية والعلاقات المالية، وليس فقط البحث عن تحويل مالي واحد يحمل اسم منظمة محظورة.
ولا تكمن خطورة هذا النموذج فقط فى أن الأموال غير القانونية وحدها، بل بإمكانية اختلاط الأموال المشروعة وغير المشروعة داخل شبكة واحدة.
الإرهاب. ولذلك تركز الجهات الرقابية على مسارات الأموال والمستفيد الحقيقي وطبيعة المعاملات وعلاقات الأشخاص والكيانات بدل الاكتفاء بالشكل القانوني للمؤسسة.
وتبدأ المشكلة عندما تتحول التبرعات إلى أموال لا تخضع للمراقبة الكافية، أو عندما تُستغل الثقة التي يمنحها الناس للجمعيات في تمرير أموال إلى جهات أو أنشطة مختلفة عن الغرض المعلن، ولهذا أصبحت المؤسسات الخيرية في صميم منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خصوصًا في المناطق التي تنتشر فيها الأزمات الإنسانية وتزداد فيها حملات جمع التبرعات.
وكشفت الحكومة البريطانية أن الجمعيات كانت جزءًا مهمًا من البنية المرتبطة بالإخوان في بريطانيا، وأشارت إلى وجود روابط بين منظمات إخوانية في بريطانيا ونظيراتها الأوروبية.
كما تكمن خطورة الواجهة الخيرية في قدرتها على الوصول إلى الجمهور بطريقة يصعب أن تحققها المؤسسات السياسية أو التنظيمية المباشرة، فالتبرع للفقراء أو إغاثة المتضررين أو دعم الأسر المحتاجة عناوين تحظى بثقة واسعة، كما أن المشاعر الدينية والإنسانية يمكن أن تجعل المتبرع أقل اهتمامًا بالتفاصيل المتعلقة بالجهة التي ستتلقى الأموال في النهاية.
وتظهر قضية "اتحاد الخير"، باعتبارها مثالًا على كيفية بناء مظلة مالية تجمع أموالًا تحت عناوين إنسانية، ثم إعادة توجيهها عبر شبكة من المؤسسات، ونشأ الاتحاد أصلًا من حملة لجمع الأموال، قبل أن يتحول إلى كيان أكثر استدامة، وربطت التحقيقات بين نشاطه الخيري المعلن وبين دعم البنية السياسية والتنظيمية لحماس.
وتوضح وثائق وزارة الخزانة الأمريكية المتعلقة بشبكة ندا ونصر الدين أن السلطات لم تستهدف أفرادًا فقط، وإنما تحركت ضد عدد كبير من الشركات والكيانات المرتبطة بالشبكة، في محاولة لتفكيك البنية التي تسمح للأموال بالتحرك عبر طبقات مختلفة.
وفى يوليو الماضى قالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها استهدفت شركة في تركيا متهمة بتقديم خدمات مصرفية غير رسمية، بما في ذلك التعاملات النقدية والعملات المشفرة، وأشارت إلى تحويل مئات الآلاف من الدولارات لحساب الشبكة المستهدفة.
وتكشف هذه الواقعة عن التحول الذي طرأ على أدوات التمويل خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يعد التعامل النقدي التقليدي هو الوسيلة الوحيدة، بل دخلت الخدمات المالية غير الرسمية والأصول الرقمية ضمن الأدوات التي تحاول السلطات تعقبها، كما أن تعدد الدول يضيف طبقة أخرى من التعقيد، فقد تكون الجهة التي تجمع الأموال في دولة والحساب المصرفي في دولة ثانية والشركة الوسيطة في دولة ثالثة والجهة المستفيدة في دولة رابعة، وهذا ما يجعل التعاون الدولي وتبادل المعلومات المالية أمرًا حاسمًا في تفكيك الشبكات العابرة للحدود.
وفى يناير 2026 أعلنت الولايات المتحدة إجراءات ضد فرعي الإخوان في مصر والأردن، وقالت وزارة الخزانة إن الهدف كان حرمان الفروع المستهدفة من الموارد التي تمكنها من دعم الإرهاب.
وتظل قضية يوسف ندا وبنك التقوى واحدة من أبرز الملفات التي تكشف مبكرًا حجم الاهتمام الدولي بالبنية المالية المرتبطة بالإخوان، ففي نوفمبر 2001 أعلنت الولايات المتحدة استهداف ندا وبنك التقوى، ثم توسعت الإجراءات لاحقًا لتشمل عددًا من الشركات والكيانات المرتبطة بالشبكة، ووفق وزارة الخزانة الأمريكية، كان بنك التقوى قد تأسس في 1988 بدعم مهم من الإخوان، وربطت الوثائق الأمريكية البنك بعمليات مالية قالت إنها خدمت جماعات متطرفة.
ولا تتوقف أهمية هذا الملف عند الأشخاص الذين وردت أسماؤهم فيه، وإنما تكمن في النموذج الذي كشفه، فالمال يمكن أن يتحرك عبر مؤسسة ذات طبيعة تجارية، والعلاقات التنظيمية لا تظهر بالضرورة في اسم الشركة أو في طبيعة نشاطها المعلن، ولهذا كان استهداف الشبكة المالية أوسع من استهداف فرد واحد، وشمل شركات وكيانات متعددة اعتُبرت جزءًا من البنية الاقتصادية التي تحيط بالأشخاص المستهدفين.
صوت الأمة

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%A8%D8%B1_42_1_0_1_0_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=OV_Xerkh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b8c5f945-37bc-40dd-b65b-6fc5e94ae967_0_0.png.webp?itok=I80xp-o5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_136_1_1_1_0_0_0_1.jpg.webp?itok=teWPWVVA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_0_2_2_0.jpeg.webp?itok=A_uEziE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uksIp-Mx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_185_0_0_0.jpg.webp?itok=5iFA3uXF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_271.jpg.webp?itok=aGrReaeu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_7_0.jpg.webp?itok=TXFRKfTx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_14_0.png.webp?itok=4AO89jsu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2.jpg.webp?itok=IJzNphMU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%81_5.jpg.webp?itok=I2pS18mO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

