
يشهد النظام الإيراني، منذ سنوات، حالة من الانقسام الواضح داخل مستوياته القيادية، بين الحرس الثوري الذي يفرض نفوذه العسكري والأمني والاقتصادي، وبين التيارات الإصلاحية والمعتدلة التي تدعو إلى الانفتاح والتفاوض لتخفيف الأزمات الداخلية، ولم يعد هذا الانقسام مجرد اختلاف في الأسلوب أو توزيع أدوار، بل تحوّل إلى صراع حقيقي على هوية النظام ومستقبله، لا سيما بعد الضربات التي تعرّض لها النظام الإيراني مؤخرًا من قبل أمريكا وإسرائيل.
وتكشف محطات تحولات موازين القوى بين مراكز القرار في إيران أن الحرس الثوري قد تطوّر، وتحول إلى مؤسسة متشعبة النفوذ تمسك بخيوط السياسة والاقتصاد والميدان، حيث يسيطر على قطاعات اقتصادية واسعة، ويدير عبر فيلق القدس ملفات خارجية حساسة، ويحتفظ بقدرة على تعطيل أو فرض قرارات الحكومة والبرلمان، وهو ما أنتج صيغة "دولة داخل الدولة"، نجح خلالها عبر السنوات بفرض رؤيته المتشددة في السياسة الخارجية، وجعل الملفات الكبرى، كالمفاوضات النووية وإدارة الحرب، بيد الأجهزة الأمنية التابعة له، وليس للدبلوماسية التي يقودها إصلاحيون. وفي ظل سيطرة الحرس الثوري على أكثر من 60% من الاقتصاد الإيراني، يُلاحظ تركيز الحرس الثوري على الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة، لأن تأثير تداعيات العقوبات الاقتصادية على الحرس الثوري هو الأكبر.
في المقابل، برزت تيارات إصلاحية معتدلة منذ عهد الرئيس محمد خاتمي، مرورًا بحسن روحاني، وصولًا إلى الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، تتبنى مقاربات براغماتية تتناقض مع مقاربات الحرس الثوري وتيارات التشدد، وتطرح برامجها على أساس الانفتاح على الغرب لتخفيف العقوبات، وإقرار إصلاحات اجتماعية واقتصادية، إدراكًا منها أن استمرار النهج الثوري المتشدد يهدد بانهيار اقتصادي واجتماعي شامل، لكن هذه التيارات تواجه مقاومة شرسة من الحرس الثوري الذي يتهمها بمحاولة "تطبيع" العلاقات مع الغرب وتفريغ الثورة من مضمونها، بل وصل الأمر إلى اتهامات علنية بالعمالة لأمريكا والغرب والخيانة، وهو ما يعكس عمق الهوة بين الطرفين.
شواهد الانقسام تتجلى في ملفات عديدة، ففي المفاوضات النووية يدفع الإصلاحيون باتجاه العودة إلى الاتفاق النووي، بينما يعرقل الحرس أي تنازلات ويصر على التصعيد. وفي مواجهة الاحتجاجات الداخلية، يطالب الإصلاحيون بالتهدئة وتقديم تنازلات اجتماعية، بينما يرد الحرس بالقمع والاعتقالات. ويكشف الخطاب السياسي المعلن نفسه، والسجالات بين الطرفين، حجم التناقضات العلنية بين تصريحات قادة الحرس ومواقف الحكومة، وهو تناقض لا يمكن تفسيره كتوزيع أدوار، لأنه يضعف صورة النظام ويكشف عن صراع داخلي حقيقي. ويُشار هنا إلى أن غياب المرشد الأعلى السابق، الذي كان أكثر قدرة على ضبط الخلافات، مع ما نشهده اليوم من هجمات علنية على الرئيس، قد أسهم في ذلك، مقارنة بالمرشد الجديد مجتبى خامنئي – في حال ثبوت وجوده – الذي أصبح مؤكدًا أنه يواجه تحديًا أكبر، وأنه أقل قدرة على تحقيق التوازن بين نفوذ الحرس والحكومة وضغوط المجتمع المدني.
ثنائية الحرس الثوري والإصلاحيين أصبحت، مع التحولات العميقة التي تشهدها المجتمعات الإيرانية، تخضع لعامل جديد، وهو المجتمع المدني نفسه الذي تحوّل إلى قوة فاعلة تضغط على الحرس الثوري. فهناك أكثر من 40% من السكان فقراء، يشكلون قوة اجتماعية تطالب بالإصلاحات، ولا يرون في الحرس الثوري وفيلق القدس وانتصاراته في الدول العربية ممثلًا لمصالحهم، بل يعتبرونه عقبة أمام التغيير، وهو ما عزز موقف الإصلاحيين وجعل الانقسام داخل القيادة أكثر وضوحًا، ويؤكد أن ما يجري ليس تنسيقًا مسبقًا بل صراعًا حقيقيًا، خاصة أن المجتمع لم يعد يقبل بالخطاب الثوري التقليدي، بل يطالب ببرامج ملموسة لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
إن الفرضية التي تقول إن النظام يعتمد على توزيع أدوار بين المتشددين والإصلاحيين تتهاوى أمام حقائق لا يمكن إنكارها بالخطابات الثورية، فالتناقضات العلنية بين تصريحات الحرس والحكومة لا تخدم النظام، والصدامات المباشرة في البرلمان والإعلام الإيراني تؤكد أن الخلافات ليست مسرحية، فيما الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تجعل من أي محاولة لتنسيق الأدوار غير قابلة للاستمرار، وهو ما يجعل الانقسام أكثر خطورة، خاصة إذا ما عبّر عن نفسه بمرجعيات قومية أو مذهبية لم تعد سجينة خنادق المسكوت عنه.
وفي الخلاصة، فإن الانقسام بين الحرس الثوري والتيارات الإصلاحية في إيران ليس مجرد توزيع أدوار أو تنسيق مسبق، بل هو صراع حقيقي على هوية النظام ومستقبله. فالحرس يسعى إلى تكريس النهج الثوري المتشدد وضمان مصالحه الاقتصادية والأمنية، وهو حبيس مقولات أيديولوجية تتعرض لأول مرة للفحص الحقيقي بعد الضربات الأمريكية التي استهدفته في حربي الـ12 يومًا والـ40 يومًا، بينما يحاول الإصلاحيون فتح نافذة للتغيير لتجنب الانهيار. وبينهما يقف المجتمع المدني المنهك اقتصاديًا كعامل ضغط متزايد، يجعل من هذا الانقسام قضية وجودية للنظام الإيراني في السنوات المقبلة، ويبدو أن هذا التقدير يشكل رهانًا أمريكيًا وقوى إقليمية في المنطقة، ترى أن هناك إمكانية للتغير في شكل ومضمون القيادة الإيرانية، بدلًا من الذهاب لخيار إسقاط النظام وما يحمله ذلك من تداعيات أمنية واقتصادية في المنطقة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_3.jpg.webp?itok=IlMmDUEL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D8%AA_0.jpg.webp?itok=BTKO2Zgk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0.jpeg.webp?itok=2ogLXhRD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1.png.webp?itok=2XNVEcX2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%20%281%29.png.webp?itok=43v8IzgY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_4_0_1_1_0_0.jpg.webp?itok=mmlqZWjW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_0_0_0_0.jpeg.webp?itok=8ygLHKem)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8XzSR_Sl014X_4yB0KN7n5gs0ReoqwsSfo_0eOsJVCnT53WFzbUsslyV8uuI8ucBV58iHm0X8qScgF5j2Q59-7O1f9pLSG9hkzhV_j1j8xkvO0n2JnsrnXTDeDrR2Yj6_6Hhb4eh9GFxFGBjuRaOcvCl3eOJDy7pbeglBqZ44KICTMpUpDDg9-7o1_t3nxT_.jpg.webp?itok=XvqvfY_l)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_1_0.jpg.webp?itok=0ZcvYWhq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=f_7laEcV)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/JxgSiICaQGIn1RxC-Q0ncGh7HbmX5EgfRuukLxDA3v0kzvQPgBkzrSseIKSd5SOYJ9mS8EOA2ATl07hDb2ctoX9OuL1Ny7UO9XiP3r9ln6JBB8gPWsrD8HsBuEXlaYGZwppnx-T4BZ0-TNkwZ-Y5MG1HS0p-82yrevfLVEi9JjoJ1z49ADogrYlonPbTg_cs%20%281%29.jpg.webp?itok=_-g9pNgV)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=YRx-034e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KiJZ9iZGOOoJ5FPuQITXbntFYNH6BkZ2fm-zgQH_BWiv8fmRFpUciIOFaM7Miqt3Kb622cSJ_b7_vocnw6GkvPVtK0ZdacXSZoJl5hJP4csjR-C7Sqi5VzjAtA02JGAs5AylYVQ6NwAIFplyyxDRnlZ86vYnRTo36ZVK5vUjeO5_xbA93dKM3XGCgAv0G3t1%20%281%29.jpg.webp?itok=0Nf8b0aw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84_12_1_3.jpg.webp?itok=q4eTImr8)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_139_0.jpg.webp?itok=DNYnR6lN)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D8%B9%D9%8A%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%20%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%85%D9%84%D9%83%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A.jpg.webp?itok=P8Idsx-q)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_96_0.jpg.webp?itok=p1H5W0Le)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5H2mK5LTDe2wX4369ozLuSHhgt7Uhz1SJarKfStYKg91fjJPStY_kRRncOem9zEL8YcqKuG9d95SMGnn1wTFXmbQcYjPVTmQlhQjk9gyNyBj-yHr9rfZPYyW6k9hlqJZ-FzgwoN9VHyhxYs8NrIsoxCfRgN9441gbOxhHVqEOC_JHLzveJHhpu15-n4PQt4O%20%281%29.jpg.webp?itok=GbkwgDN0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yrUPkob4ak7vpMn1SRcEv5tLTUYc68C9ITcEMUQsnW4CSvmC3CTwwPnvorMsFp5-THys6D79GxT423FXIRcsE7x1g0q_AwTNmmAHKLQH0Pt47mRP0RA9ty8-tcXFd2mXVGXMCxKD9vD6FgJFrqmIQBIae0768OkQg3VDuw6WJuWusdenrvILUum1CXHtHQGo%20%281%29.jpg.webp?itok=DbY2je40)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_3.jpg.webp?itok=xVE89XIG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0.jpg.webp?itok=KsUddOOW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3.jpg.webp?itok=KE0VCaW3)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

