
محمد أبو الفضل
لم يكن أكثر الخبراء السياسيين حنكة وخبرة وقدرة على قراءة المستقبل توقع أن فوز منتخب مصر على استراليا سيحدث صدمة إيجابية لدى شريحة من الجمهور العربي، لمجرد أنه فاز في مباراة لكرة القدم. ردود الفعل التي رأيناها على مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة، أعادت اكتشاف مصر عربيا، بعد فترة من المراوحة والتذبذب والخمول والقلق على المصير المشترك. بدت فيها القاهرة كأنها نأت سياسيا عن محيطها العربي، وأن بعض الأقطار العربية باتت توجهاتها بعيدة عنها.
وكما تتسبب المسابقات الرياضية، خاصة كرة القدم، في الخصومة بين الشعوب، فهي أيضا يمكن أن تسهم في تقريب المسافات وتجسير الهوة بينها. كثيرون في مصر يتذكرون مأساة مباراة بين منتخبي مصر والجزائر عام 2010، والمعروفة بموقعة أم درمان بالسودان، وكيف تحولت إلى معركة بين جمهور البلدين. كثيرون أيضا فخورون بأن فوز منتخب بلدهم على استراليا أوجد حالة نادرة من التلاحم بين مصر ودول عدة، ظُنّ أن الشروخ التي أصابتها السنوات الماضية يصعب ترميمها.
الفرحة التي حملتها مواقع التواصل في دول عربية مختلفة، تقول إن القاهرة العفية والمتفوقة لا تزال روائحها حاضرة في الوجدان العربي، وأن أصحاب الشوفينية (الفرعونية) في مصر لا مكان لهم. كل من شجع على الإنعزالية عليهم مراجعة فكرتهم بعد التقارب الشعبي الكاسح عربيا.
في اللحظات الحرجة، نصرا أم هزيمة، صعودا أم هبوطا، سرعان ما نجد نوعا من التعاطف العربي يظهر فجأة بلا سابق انذار. مهما كان مستوى مضمونه الاجتماعي، لا يخلو من مضامين سياسية. التغريدة التي كتبها الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس دولة الإمارات العربية في تهنئته لمنتخب مصر، تعبر عن طبيعة العلاقات بين أبوظبي والقاهرة، التي تعمّد البعض بث السم فيها عقب اندلاع الحرب الإيرانية.
فرحة سكان قطاع غزة بالفوز وعبور منتخب مصر إلى دور الـ 16 وملاقاة الأرجنتين، في جوهرها انعكاس عن التعلق بالأمل. ومن جانب آخر، تكشف شكل العلاقات مع القاهرة بعد أن جرى التشكيك فيها. وجاء إهداء المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن الفوز إلى شعب غزة المناضل، ليعزز البعد الخفي مع الشعب الفلسطيني، ويؤكد حمل علم فلسطين والسير به على عشب ملعب دالاس في قلب الولايات المتحدة أن هذه القضية تحتل حيزا كبيرا في الوجدان العام للمصريين.
ليس الهدف من المقال اللعب على وتر تسييس الرياضة تعسفيا، لكن اعادة الاعتبار إلى لعبة يمكن أن تسهم بقوة في التقريب بين الشعوب، بدلا من تباعدها. يحدث ذلك عندما يكون الأداء بطوليا، والتصميم واضحا، والإرادة لا يتم تغييبها.
تنبع الفرحة من تحقيق المنتخب المصري أول فوز له في مسابقات كأس العالم على مدار أربعة مشاركات. هذه أول مرة يعبر فيها إلى الـ 32 ثم دور الـ 16. كلما تقدم المنتخب المصري وحقق انتصارات زادت الثقة في قدرته على التفوق، ويصبح المستحيل ممكنا. فوز منتخب الأرجنتين على الرأس الأخضر في اللحظات الأخيرة بنتيجة 3-2 يفتح كوة أمل للمنتخب المصري، وأنه يستطيع التفوق على ميسي ورفاقه، والذي سبق أن تلقى هزيمة من منتخب السعودية في كأس العالم الماضية في قطر.
من يتذكر فرحة فئة كبيرة من المصريين والعرب بتحقيق منتخب المغرب لإنجاز تاريخي في كأس العالم الماضية عندما حصد المركز الرابع، يمكنه أن يقدّر الشعور الراهن مع المصريين. ما يؤكد عمق التقارب العربي، وأن ما يقال عن تنافر وغل وحقد وضغينة ليس دقيقا، أو على الأقل لا يزال هناك مكنون من المشاعر الإيجابية تربط بين الدول العربية. تظهر معالمها في وقت الأزمات والانتصارات.
لم تعد كرة القدم رياضة للتسلية والمتعة فقط، بل هي عنصر رئيسي في مكونات الشعوب، سواء أكان هذا المكون فرديا أم جماعيا. الفرحة التلقائية التي أظهرتها الكثير من الفيديوهات والصور بشأن فوز المنتخب المصرين تشير إلى أن الأمر أكبر من ركض لاعبين وراء الكرة، وأن الدول التي تنفق أموالا على هذه اللعبة في ذهنها حسابات أخرى أكبر من الدعاية السياسية، وما يجعلها تنفق بسخاء هو القدرة على خلق تلاحم عجيب بين المواطنين، وتوحيد الشعوب المتقاربة.
من يراقب الشعور العربي الجارف حيال المنتخب المصري يمكنه استشفاف من أن القاهرة لم تغب لحظة عن الساحة العربية، على الرغم من محاولات الإنزواء، التهميش، افتعال الأزمات البينية، والقطرية التي تشجع عليها بعض الأدبيات السياسية.
يصعب اختزال علاقات مصر في مناوشات هنا، أو تغريدة تأتي من هناك، أو حتى أزمة سياسية مؤقتة يمكن اجتزاء ملامحها بعد حين. القوة الناعمة (الفن والثقافة والرياضة) أحد أسرار عدم حدوث قطيعة نهائية بين مصر وأي من الدول العربية. كلما حدث خلاف أو تراشق يتم تطويقه، كلما تحقق إنجاز يظهر المعدن العربي.
ربما تفوق فرحة المصريين وإخوانهم العرب ما حدث مع المغرب في كأس العالم الماضية من فرحة عارمة لإنجازها التاريخي وحصولها على المركز الرابع عالميا. الكرة المغربية تطورت كثيرا، تعتمد على عناصر كثيرة محترفة في أوروبا، وبها عدد كبير من اللاعبين ولدوا ونشأوا خارج المغرب. لذلك من الطبيعي أن يكون تفوقها كرويا. بينما لاعبوا مصر كلهم ولدوا ونشأوا داخلها وفي حواريها وشوراعها، باستثناء اللاعب هيثم حسن الذي نشأ ين فرنسا وإسبانيا. المحترفان المصريان في أكبر الأندية الإنكليزية، مثل محمد صلاح (ليفربول) وعمر مرموش (مانشيستر يونايتد) ولدا في مصر ولعبا في أندية محلية قبل انتقالهما إلى أوروبا.
وُلدت الفرحة بالمصريين عربيا من رحم معاناة بدنية مع الفرق الكبرى. رأينا كيف تغلب الفريق على أو جارى منتخبات أكثر الفرق العالمية لياقة وطولا (نيوزلندا وإيران واستراليا)، وكيف قدم كرة جميلة لا يقل جمالها عن أكبر الفرق احترافية، وكيف عطل مفاتيح اللعب في الفرق المنافسة. نجح الفريق المصري في اعادة الاعتبار لنفسه وللكرة العربية التي خرجت ستة فرق من البطولة مبكرا. لم يتبق سوى المغرب ومصر، باستطاعتهما أو أحدهما الذهاب بعيدا في المسابقة وتحقيق إعجاز كروي.
توقع صديق عربي في حديث معي عقب صباح يوم السبت، وصول منتخب مصر إلى النهائي إذا فاز على الأرجنتين يوم الثلاثاء المقبل. لا أعلم سر هذه الثقة، لكنها تؤكد وجود شريحة عربية تؤمن بأن الفريق المصري يمكنه الفوز على الفرق الكبرى، طالما توافرت الإرادة والمهارة والعزيمة والتصميم. كرة القدم ليست مجرد لعبة رياضية، بل أداة تساعدنا على إعادة قراءة المشهد العربي سياسيا.
ميدل إيست أونلاين


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_1_0_0_0_0_3_0_1_0.jpg.webp?itok=2QgRc-Y1)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)








![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)