
لم يعد تنظيم "داعش" في العام الحالي، ومع رصد مؤشر تهديداته بجانب الهجمات التي نفذها والاستراتيجيات والحيل التي يعتمد عليها، يشبه التنظيم الذي أقام ما عُرف بدولة الخلافة المزعومة والمتوهمة في العراق وسوريا، بينما سيطر في ذروة نفوذه على مساحات واسعة من البلدين، قبل انحسار هذا النفوذ وهزيمته العسكرية على يد القوات الكردية في الباغوز بشمال شرق سوريا عام 2019. لكنّ تراجع قدرته على السيطرة الإقليمية لم يؤدِ إلى زوال تهديده، بل دفعه إلى إعادة صياغة أدواته وأساليب عمله، من خلال خلايا صغيرة وشبكات سرية وفروع محلية أكثر استقلالًا وأقلّ اعتمادًا على المركزية، مع انتقال متزايد لثقل نشاطه إلى القارة الأفريقية.
وتشير المعطيات الأمنية خلال النصف الأول من عام 2026 إلى أنّ التنظيم يواجه ضغوطًا عسكرية وأمنية كبيرة، لكنّه في الوقت نفسه أظهر قدرة على التكيف مع جملة المتغيرات المختلفة، ومن ثمّ استغلال الفراغات السياسية والأمنية، خصوصًا في سوريا، كما هو الحال في مناطق البادية الشاسعة والرخوة أمنيًا، وأفريقيا. ويكتسب هذا التحول أهمية كبرى في ظل هشاشة عدد من الدول التي تنشط فيها فروع التنظيم، وتراجع قدرات بعض الحكومات على ضبط المناطق النائية والحدودية.
وكان تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن تهديد "داعش"، الصادر في شباط/فبراير، قد خلص إلى أنّ التهديد الذي يمثله التنظيم تصاعد بصورة مطردة خلال الفترة التي غطاها التقرير، مشيرًا إلى أنّ عمليات مكافحة الإرهاب نجحت في تقليص نشاطه في العراق والصومال، لكنّ التنظيم ما يزال يحتفظ بقدرة على العمل في مناطق عدة، وتظل أفريقيا مصدر القلق الأكبر. وفي أيار/مايو عزز تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) هذا التقييم، معتبرًا أنّ فروع داعش وتنظيم القاعدة الإرهابيين في الشرق الأوسط وأفريقيا تمثل أبرز مصادر التهديد الإرهابي، وأنّ عددًا من التنظيمات المسلحة، ولا سيّما في أفريقيا، يزداد قوة.
تنظيم داعش من الخلافة إلى نموذج أكثر مرونة
وبذلك، فإنّ السؤال المُلح لم يعد ما إذا كان تنظيم "داعش" قادرًا على إعادة إنتاج نموذج الخلافة الذي انتهى عسكريًا وميدانيًا، وإنّما ما إذا كان قد نجح في تطوير نموذج أكثر مرونة وأقلّ قابلية للاستهداف، يسمح له بالبقاء والتوسع واستغلال الأزمات المحلية، وربط فروعه بشبكات أوسع من دون الحاجة إلى مركز قيادة مكشوف. ولهذا، يبدو أنّ الولايات المتحدة تواجه، في حربها على التنظيمات الجهادية المسلحة، مشهدًا إرهابيًا أكثر تعقيدًا وأقلّ قابلية للتنبؤ، في ظل غياب تهديد مركزي مماثل لما شهدته البلاد عقب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 أو خلال ذروة سيطرة تنظيم "داعش" على أراضٍ واسعة وإعلانه الخلافة. وبدلًا من وجود تنظيم واحد يمثل الخطر الأكبر، تتعامل واشنطن مع طيف متنوع من التنظيمات الإرهابية والشبكات غير الرسمية والجهات المنفردة التي تسعى إلى استهداف الأمريكيين أو نشر الخوف داخل الولايات المتحدة أو تهديد المصالح الأمنية الأمريكية، بحسب تقرير "التقييم العالمي للتهديدات الإرهابية 2026" الصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
ويقول التقرير إنّ فروع تنظيم القاعدة وولايات تنظيم "داعش" في الشرق الأوسط وأفريقيا تمثل أبرز مصادر التهديد. ويشير التقرير إلى أنّ عددًا من التنظيمات المسلحة، خصوصًا في أفريقيا، يواصل تعزيز قدراته ونفوذه، حتى وإن كانت لا تستهدف الأراضي الأمريكية في الوقت الراهن. ويُحذّر الباحثون من أنّ عدم امتلاك هذه الجماعات حاليًا نية واضحة لمهاجمة الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة استمرار هذا الوضع مستقبلًا، إذ يمكن أن تتغير أهدافها وقدراتها خلال السنوات المقبلة، بما يفرض تحديات جديدة على أجهزة الأمن والاستخبارات الأمريكية.
بل إنّه في الداخل الأمريكي يتركز الخطر بدرجة أكبر في الذئاب المنفردة والشبكات غير الرسمية، التي تتحرك بدوافع إيديولوجية متباينة أو خليطة لا تنسجم بالضرورة مع التصنيفات التقليدية للتهديدات الإرهابية، الأمر الذي يجعل رصدها وتحليلها أكثر صعوبة. وعليه، يربط التقرير هذه التحولات أيضًا بتغير أولويات الأمن القومي الأمريكي، إذ إنّ واشنطن تقلص استثماراتها في مكافحة الإرهاب مع تركيز أكبر على ملفات وتهديدات أخرى. ومن هنا فإنّ تراجع الاهتمام الأمريكي بمكافحة الإرهاب، بالتزامن مع تنامي قوة بعض التنظيمات في الشرق الأوسط وأفريقيا، قد يضاعف من تعقيد البيئة الأمنية ويمنح هذه الجماعات مجالًا أوسع لتعزيز قدراتها.
تصاعد الهجمات واتساع نطاق النشاط
ويشير التقرير إلى صعوبات جمّة ترتبط بقراءة مسار التهديد الذي يمثله تنظيم "داعش" خلال الأشهر الأخيرة بمعزل عن التحولات التي طرأت على طبيعة عملياته وحجمها وانتشارها الجغرافي. فالمعطيات الميدانية تشير إلى ارتفاع ملحوظ في وتيرة الهجمات وتنوع أساليبها في عدد من مناطق نشاط التنظيم، مع تسجيل عمليات واسعة النطاق أوقعت أعدادًا كبيرة من الضحايا بين المدنيين والعسكريين، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على قدرة التنظيم على استعادة جزء من زخمه العملياتي، رغم تراجع حضوره كتنظيم مركزي في سوريا والعراق. ويتقاطع ذلك مع ما أورده تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في كانون الثاني/يناير الماضي، الذي أشار إلى استمرار تصاعد تهديد "داعش" مقارنة بالتقييم السابق الصادر في آب/أغسطس العام الماضي، مع اتساع نطاقه وتعقّد أنماطه في عدد من بؤر الصراع.
ووفق التقرير، يستفيد التنظيم وفروعه من بيئات تتسم بالنزاعات المسلحة، والهشاشة السياسية، وضعف مؤسسات الدولة والحوكمة، وهي عوامل وفرت له مساحة أوسع لإعادة بناء شبكاته وتوسيع عملياته. وتبرز القارة الأفريقية بصورة خاصة في هذا المشهد، بعدما تحولت إلى أحد أهم مراكز النشاط العملياتي للتنظيم. فقد تمكنت فروع التنظيم الإرهابي في منطقة الساحل وغرب أفريقيا من استغلال حالة عدم الاستقرار وتراجع القدرات الحكومية في بعض المناطق لتوسيع نطاق عملياتها، الأمر الذي انعكس في ارتفاع أعداد الضحايا، واتساع رقعة النزوح، وتعقيد وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن مدى تصاعد تهديد "داعش" خلال النصف الأول من العام الحالي، وما إذا كانت التحولات التي شهدها التنظيم تعكس مجرد ارتفاع مؤقت وعرضي في النشاط العملياتي، أم تشير إلى إعادة بناء تدريجية لقدراته وشبكاته خارج مناطق نفوذه التقليدية. حيث لا يقتصر هذا التحول على العامل الميداني، بل يرتبط أيضًا بتغيرات في البنية التنظيمية واستراتيجية التجنيد والتمويل. ويأتي ذلك في سياق ما يمكن وصفه بالتنافس بين "داعش" وتنظيم "القاعدة" على استقطاب العناصر الجهادية وفرض النفوذ داخل البيئات الهشة، وهو تنافس قد يدفع الطرفين إلى تكثيف النشاط العملياتي وتوسيع نطاق الاستهداف للحفاظ على الحضور والتأثير.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5_1.png.webp?itok=Fb6uB5fW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KwVHMk9_iXW2OmEEwYzKw9YwtnojyB58oWT2f8aqcH2oxPDboVp672B3lIznXWDzyHwtCTD_IG3v80sV3yfOBP0d54vKq0PhgrsZ9xgCULQKjJIVUoO5aC2E8247S0SM0410uXoA-I06c-smYPMwz2pBPTCSKFVEHLVjWcy3KIzrKXaLLN8633CRzGHDqDUy.jpg.webp?itok=A0vfHZK1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/StMPEl1Fc9xKmBXazZnIjk-Qf2HwVEc9IMLSJyyYwvnL-nbkldTJkVyF0xZ4wmZTqx4wF8zOrmNxGT9rEVwLKsidfRueyzzMk7YUS6q9nMldJtUVWz-DmwTkPc8m9mN-QnPpzYWhM8AWNniyOaQi8U8H6-F616d49rb4vUC-akA3riYxHsDJ6eMN7GeWHp4O.jpg.webp?itok=AHmLtY3j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86_6_2_0_4_1.jpg.webp?itok=HiSjRkaZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_92_1_0_0.jpg.webp?itok=C4z25v-X)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0.jpg.webp?itok=em76kfMZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_1.png.webp?itok=rxXk5DEh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/F48mg1VTbIqzfAicFS7Rpivte6VpRUzZukpWNLTJHcx7imSU4Bqq58f1gzPNdAYSMGkdgyrEGEHismcmElVJUbPk4fX8cPue1gvDzSbGFaCX8K6fvt429_F0vinT4mEhOUPq7rbq53C37onaHHa8aRhrdq_PgmDRNHfpL983i6sTe__4awjL5a81Nfz0GADB.jpg.webp?itok=K6176ejz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0.jpg.webp?itok=qv1UIFJ2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_1_6_0_0_0_1_2_1_0.png.webp?itok=pHZz6M_H)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0_1_0.jpg.webp?itok=hImxY3gi)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0.jpg.webp?itok=C6ynXhh9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/G8aSC3poWT22tcUMyixO__4tQqNBq8w6f5n8Ng0kNzKzU817899X4Cy-okoyZf-AFMRWoARG4d5hHpS9zHYq2eLyk6J2hUKB35h6akd7e9rLkFCrwgFRF0esXNQzuggReKZC_Q4D3ReNI2JKHzESJ63I8O5Dqsd593N0aQ37U5BJGzL4PSKQ9BMn2iKhhT7g%20%281%29.jpg.webp?itok=rQ_sZOWG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%81_5.jpg.webp?itok=I2pS18mO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

