"حنا صالح" لـ(حفريات): آن الأوان لفصل لبنان عن صراعات المحاور... وحزب الله أمام اختبار الاندماج في بنية الدولة

"حنا صالح" لـ(حفريات): آن الأوان لفصل لبنان عن صراعات المحاور... وحزب الله أمام اختبار الاندماج في بنية الدولة

"حنا صالح" لـ(حفريات): آن الأوان لفصل لبنان عن صراعات المحاور... وحزب الله أمام اختبار الاندماج في بنية الدولة


28/06/2026

حوار/ رامي شفيق

في الوقت الذي يترقب فيه العالم مآلات جولات التفاوض بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يبقى ملف حزب الله ومستقبل الدولة اللبنانية واحداً من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً على هامش تلك المباحثات. فلبنان يقف اليوم أمام استحقاقات مصيرية تتصل بمستقبل سيادته واستقراره السياسي والأمني، في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة وتداعيات الحرب الأخيرة التي ألقت بظلالها الثقيلة على الداخل اللبناني.

وتتمثل أبرز التحديات المطروحة في قدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها واحتواء حزب الله ضمن إطار العمل السياسي والمؤسساتي، بعيداً عن منطق السلاح والارتباط بالمحاور الإقليمية، بما يضمن ترسيخ سلطة الدولة على كامل أراضيها ويحفظ استقرار لبنان وموقعه في معادلات الشرق الأوسط. وتطرح التطورات الجارية تساؤلات عديدة حول مستقبل العلاقة بين لبنان وإيران، وحدود تأثير أيّ تفاهمات دولية مرتقبة على المشهد اللبناني الداخلي.

في هذا السياق، التقت (حفريات) الكاتب والصحافي اللبناني الكبير حنا صالح للحديث عن مستقبل لبنان في ظل التحولات الراهنة، وانعكاسات المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية على الواقع اللبناني، وفرص استعادة الدولة لقرارها السيادي، إلى جانب مناقشة أبرز سيناريوهات الحل الممكنة للخروج من الأزمات المتراكمة التي تواجه البلاد.

وأكد صالح خلال الحوار أنّ المدخل الأساسي لإنقاذ لبنان يبدأ باستعادة الدولة كامل صلاحياتها السيادية عبر حصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية، وإنهاء كل أشكال الازدواجية العسكرية والأمنية. واعتبر أنّ استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة أسهم في إضعاف المؤسسات وتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية، مشدداً على أنّ تطبيق الدستور واتفاق الطائف والقرارات النافذة يشكل الطريق الوحيد نحو الاستقرار الدائم. وحمّل حزب الله وإيران مسؤولية إدخال لبنان في مواجهات لا تُعبّر عن قرار وطني مستقل، معتبراً أنّ البلاد دفعت أثماناً بشرية واقتصادية باهظة نتيجة ربط الساحة اللبنانية بأجندات إقليمية تتجاوز المصلحة الوطنية اللبنانية.

نص الحوار:

في معظم مقالاتكم تتحدثون عن ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي، ما الخطوات المطلوبة لتحقيق ذلك ؟ وما التحديات أيضاً؟   

ـ عندما أتحدث عن استعادة الدولة، فأنا أتحدث عن العودة إلى مفهوم الدولة الطبيعية التي تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم وتمارس سلطتها على كامل أراضيها دون شريك أو منافس. المشكلة الأساسية في لبنان خلال العقود الماضية كانت وجود قوة عسكرية وأمنية موازية للدولة، وهو ما أدى إلى إضعاف المؤسسات الشرعية وتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. لقد نص اتفاق الطائف والدستور والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام على حصر السلاح بيد الدولة، لكنّ التنفيذ بقي ناقصاً ومتعثراً بفعل الحسابات السياسية والضغوط الخارجية. من هنا أرى أنّ المدخل الحقيقي لأيّ إصلاح أو استقرار يبدأ بتطبيق القرارات القائمة، وتعزيز دور الجيش والمؤسسات الشرعية، وإنهاء كل أشكال السلاح خارج إطار الدولة، لأنّه لا سيادة فعلية ولا أيّ استقرار مستدام من دون مرجعية وطنية واحدة مسؤولة عن اللبنانيين جميعاً.

تتحمل إيران وحزب الله مسؤولية أساسية عن ثقل الحرب الأخيرة وتداعياتها على لبنان. كيف بات لبنان ساحة لهذا الصراع؟

ـ أعتبر أنّ ما جرى في لبنان لم يكن نتيجة قرار وطني لبناني مستقل، بل نتيجة ربط الساحة اللبنانية بأجندة إقليمية تقودها إيران عبر حزب الله. منذ لحظة إدخال لبنان في ما سُمّي "حرب الإسناد"، كان واضحاً أنّ القرار لا يرتبط بالمصلحة اللبنانية المباشرة، بل بحسابات تتعلق بالمواجهة الإقليمية وبالمفاوضات التي تخوضها طهران مع القوى الدولية. النتيجة كانت مأساوية: آلاف الضحايا، دمار واسع، تهجير أكثر من مليون مواطن، وتراجع اقتصادي واجتماعي خطير. الأخطر من ذلك أنّ الجنوب عاد ساحة مفتوحة للعدوان والاحتلال بعد سنوات طويلة من التضحيات. لذلك أرى أنّ من اتخذ قرار الحرب خارج مؤسسات الدولة يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية الأولى عن هذه الكارثة الوطنية.

في المقابل، تتحدثون أيضاً عن مسؤولية السلطة اللبنانية. أين أخطأت الدولة برأيكم؟

ـ من الخطأ اختصار المسؤولية بطرف واحد فقط. نعم، حزب الله يتحمل المسؤولية الأساسية عن جر لبنان إلى هذه المواجهة، لكنّ السلطة اللبنانية تتحمل بدورها مسؤولية كبيرة نتيجة التردد والتلكؤ في تنفيذ قراراتها. كانت هناك فرص عديدة لترسيخ سلطة الدولة وتطبيق مبدأ حصر السلاح، إلا أنّ الحسابات السياسية والرهانات الخاطئة دفعت بعض المسؤولين إلى تأجيل المواجهة مع الواقع. الدولة كانت تدرك وجود ازدواجية في القرار الأمني والعسكري، لكنّها لم تتخذ الإجراءات الكافية لمعالجة هذا الخلل. لذلك أقول دائماً إنّ لبنان دفع ثمن السلاح اللاشرعي كما دفع ثمن ضعف الدولة وعدم حسمها للخيارات الوطنية المطلوبة.

تدعون باستمرار إلى التفاوض المباشر كوسيلة لمعالجة الأزمة مع إسرائيل. لماذا تعتبرون هذا الخيار ضرورياً؟

ـ لأنّ السياسة في النهاية هي فن حماية المصالح الوطنية وتقليل الخسائر. عندما يجد بلد نفسه أمام حرب مدمرة واختلال كبير في موازين القوى، يصبح البحث عن مخرج سياسي ضرورة وليس ترفاً. أنا لا أنظر إلى التفاوض كتنازل، بل كأداة تستخدمها الدول للدفاع عن حقوقها واستعادة أرضها وحماية مواطنيها. المطلوب هو التفاوض من موقع الدولة اللبنانية الشرعية، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار، وإنهاء الاحتلال، وإعادة الأسرى والنازحين، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار. البديل عن ذلك هو استمرار الاستنزاف والدمار، وهو ما أثبتت التجربة أنّه لا يخدم لبنان ولا اللبنانيين.

كيف تقرأ مستقبل حزب الله في ظل المتغيرات الإقليمية والاتفاقيات الأمريكية ـ الإيرانية المحتملة؟

ـ أعتقد أنّ المنطقة تشهد تحولات عميقة تنهي تدريجياً مرحلة الأذرع العسكرية المرتبطة بالمشاريع الإقليمية. خلال السنوات الماضية بنت إيران نفوذها عبر شبكات مسلحة في أكثر من دولة عربية، لكنّ التطورات الأخيرة أظهرت حدود هذا النموذج وكلفته الباهظة على المجتمعات المحلية. في لبنان، أثبتت الحرب أنّ استمرار السلاح خارج الدولة لا يوفر حماية للبنان، بل يعرّضه لمزيد من الأخطار والعزلة. لذلك أرى أنّ حزب الله سيكون أمام استحقاق تاريخي يتمثل في التكيف مع واقع جديد عنوانه الدولة والسيادة والقانون. وكلّ محاولة للالتفاف على هذا المسار ستؤدي إلى مزيد من الأزمات والصدامات الداخلية.

بعد كل هذه التطورات، ما تصوّركم للمشروع السياسي للبنان في المرحلة المقبلة؟

ـ المشروع بسيط في عنوانه، لكنّه صعب في تنفيذه: بناء دولة مدنية سيدة وحرة وقادرة. دولة تكون المرجعية الوحيدة لجميع اللبنانيين دون استثناء، وتحمي الحقوق والحريات وتؤمن العدالة والمساواة بين المواطنين. المطلوب الانتقال من منطق المحاصصة والدويلات الطائفية إلى منطق المؤسسات، ومن ثقافة السلاح والارتهان للخارج إلى ثقافة المواطنة والسيادة. لبنان يمتلك كل المقومات للنهوض، لكنّ ذلك يتطلب أوّلاً استعادة القرار الوطني من كل أشكال الوصاية والارتهان، ووضع مصلحة اللبنانيين فوق أيّ اعتبار آخر. هذا هو جوهر المعركة التي بدأت مع انتفاضة 17 تشرين وما زالت مستمرة حتى اليوم.

شهدت الأيام الأخيرة من شهر حزيران/يونيو جولة مفاوضات مهمة بين الولايات المتحدة وإيران، بالتوازي مع مفاوضات تخص الوضع اللبناني. كيف تنظرون إلى تأثير هذه المفاوضات على مستقبل لبنان، وما الذي ينبغي أن يطالب به الوفد اللبناني؟

ـ المشكلة الأساسية أنّ لبنان دفع خلال السنوات الماضية ثمن ربط مصيره بالمفاوضات الإيرانية مع الغرب. كلما تعثرت هذه المفاوضات أو تقدمت، كان اللبنانيون يدفعون الثمن من أمنهم واستقرارهم واقتصادهم. لذلك فإنّ الأولوية اليوم يجب أن تكون لفصل المسار اللبناني عن أيّ تفاوض إقليمي أو دولي، بحيث يصبح القرار اللبناني قراراً وطنياً مستقلاً لا ورقة تفاوض تستخدمها طهران لتحسين شروطها أو تستخدمها إسرائيل لفرض وقائع جديدة على الأرض.

من هنا أرى أنّ جولة المفاوضات المرتقبة في واشنطن بين 23 و25 حزيران/يونيو تحمل أهمية استثنائية للبنان، لأنّها تشكل فرصة للضغط باتجاه وقف شامل لإطلاق النار، ووضع برنامج واضح للانسحاب الإسرائيلي، وبدء تنفيذ ما يعرف بالمناطق التجريبية التي تنتقل فيها المسؤولية كاملة إلى الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة. نجاح هذا المسار من شأنه أن يفتح الباب أمام عودة النازحين وإطلاق ورشة إعادة الإعمار واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.

لكنّ أيّ تسوية حقيقية لن تكون قابلة للحياة إذا بقي السلاح خارج إطار الدولة. الرسالة الأمريكية التي نُقلت إلى بيروت كانت واضحة: لا استقرار دائماً ولا سيادة فعلية من دون تمكين الدولة من احتكار القرار الأمني والعسكري. لذلك فإنّ نزع السلاح غير الشرعي ليس مطلباً خارجياً كما يحاول البعض تصويره، بل هو شرط لبناني أساسي لاستعادة الدولة وحماية الجنوب ومنع تحويله مجدداً إلى ساحة صراع إقليمي.

المطلوب من الوفد اللبناني أن يتمسك بثلاثة عناوين مترابطة: وقف شامل للنار، وبرمجة الانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة وحدها على كامل الأراضي اللبنانية. فالتجربة أثبتت أنّ بقاء لبنان بين الاحتلال الإسرائيلي من جهة والسلاح المرتبط بالمشروع الإيراني من جهة أخرى، لا ينتج إلا مزيداً من الحروب والدمار وتعميق الأزمة الوطنية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية