زيارة بوتين للصين.. عين على بكين وأخرى على واشنطن

زيارة بوتين للصين.. عين على بكين واخرى على واشنطن

زيارة بوتين للصين.. عين على بكين وأخرى على واشنطن


21/05/2026

تأتي زيارة الرئيس الروسي بوتين الحالية إلى بكين (مايو 2026)، بعد زيارة الرئيس الأمريكي ترامب الخاطفة للصين، لتكشف عن مرجعيات غير معلنة في النظام الدولي عنوانها" الكل يخطب ود واشنطن" ، فتوقيت زيارة بوتين، لا يخفي حقيقة انه ورغم شعارات "الشراكة بلا حدود"، الا ان موسكو وبكين تتنافسان بضراوة في طلب ود واشنطن، كلٌّ بطريقته ولأهدافه الخاصة، واذا تجاوزنا في  القمة الروسية-الصينية مظاهر السجاد الأحمر، فان المرجح ان هذه القمة جاءت في سياقات عاجلة لإعادة التوازن؛ حيث تسعى العاصمتان  لإدارة ما تخفيه الشراكة بين الجانبين من شكوك.

لا شك ان زيارة بوتين لبكين بعد ايام من زيارة ترامب، تشكل نجاحا للصين في تحويل عاصمتها خلال أسبوع واحد إلى قبلة للدبلوماسية العالمية، مستضيفةً قطبين مهمين في الصراع الدولي، لكن خلف المقولات السياسية الصينية المعتادة حول "العالم متعدد الأقطاب" ومناهضة "الهيمنة الأحادية"، يكمن تباين جوهري، فالصين لم تعد مجرد حليف لروسيا، بل اصبحت الطرف الأقوى الذي يمسك بأوراق اللعبة ويوظف العزلة الروسية لتحسين شروط تفاوضه مع الغرب، وتحولت موسكو عمليا الى موقع من يلحق ببكين، لتأمين مقعد له في الصفوف الأمامية لقطار النظام الدولي الجديد.

الحسابات الصينية دقيقة وصامتة، لكنها تركز على واشنطن، ففي  كانت فيه تستقبل بوتين، أعلنت وزارة التجارة الصينية تأكيد عقد صفقات تجارية ضخمة مع واشنطن، تشمل شراء 200 طائرة بوينغ وخفضاً متبادلاً للتعريفات الجمركية، في رسالة لا تقبل التأويل ان الشريك التجاري الأول والأهم هو الولايات المتحدة والأسواق الغربية، وليس الاقتصاد الروسي المستنزف، وبمرجعية حسابات استراتيجية صينية عنوانها:تجنب الحروب التجارية الخانقة وتفادي العقوبات الثانوية، وهو ما يفسر طبيعة الدعم الصيني الاقتصادي الحذر والمنضبط لروسيا،لذا، مثل شراء النفط بأسعار مخفضة، ولكن دون التورط في تقديم دعم عسكري مباشر قد يقطع شعرة معاوية مع واشنطن.

من جانبها تدخل موسكو القمة وهي في موقف الطرف الأكثر احتياجاً؛ فاقتصاد الحرب الروسي بات يعتمد كلياً على اليوان الصيني كبديل للدولار، وعلى الأسواق الآسيوية كبديل لأوروبا، وتشعر موسكو بقلق عميق من أن يفضي الانفتاح الصيني الأخير على إدارة ترامب إلى تفاهمات متبادلة تأتي على حساب مصالحها الاستراتيجية، أو تؤدي إلى تقليص بكين لشبكات الالتفاف الاقتصادية التي تمد روسيا بالسلع ذات الاستخدام المزدوج،كما يسعى بوتين في زيارته لاستكشاف نوايا واشنطن من البوابة الصينية، إذ أعلن الكرملين صراحة أن أحد أهداف القمة هو الاطلاع من "شي جين بينغ" على فحوى محادثاته مع ترامب ومناقشة ملفات الصراع الساخنة كحرب أوكرانيا والشرق الأوسط، في محاولة روسية للبحث عن ثغرة دبلوماسية نحو تسوية مع الغرب تضمن لها البقاء.

لا شك ان هناك جملة من الموضوعات المشتركة بين موسكو وبكين، من بينها: الموقف من النظام الدولي متعدد الأقطاب، حيث تم التوقيع على اعلان مشترك يندد بـ "قانون الغاب" في السياسة الدولية، ويرفض الهيمنة الأحادية والضغوط الغربية، مع التأكيد على حماية السيادة والوحدة الوطنية لكلا البلدين، وأكدت الصين دورها كأكبر مشترٍ للنفط الروسي، حيث تم الاتفاق على استمرار تدفق إمدادات الطاقة الروسية بانتظام لحماية التجارة الثنائية من العقوبات الغربية وتقلبات الأسواق، وبالتزامن يتفق الطرفان على مبدا التحرر من الدولار، حيث تم الاتفاق على  توسيع استخدام العملات المحلية (الروبل واليوان) في المعاملات التجارية لإنشاء نظام مالي موازي بعيداً عن نظام "سويفت" الغربي.

ومع ذلك، فان موضوعات الخلاف بين الجانبين، لا تقل عن التوافقات بينهما، فبالاضافة لمشروع خط أنابيب "قوة سيبيريا 2 الذي لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي أو وضع جدول زمني لتنفيذه، فان شكوك موسكو بحدود ومستوى العلاقات مع واشنطن، تشكل محددا لدى القيادة الروسية في تفاعلها مع الصين، وتسعى للحصول على تطمينات بأن الصين لن تذهب بعيدا مع واشنطن على حسابها،لا سيما بعد الأجواء الإيجابية لزيارة ترمب لبكين، ومن جانبها تحرص الصين على الحفاظ على خطوط التجارة مع أمريكا وأوروبا وتجنب العقوبات الثانوية بسبب دعمها لروسيا.

 وفيما يتعلق بالحرب على إيران وأزمة مضيق هرمز، يضغط الرئيس بوتين لاتخاذ مواقف أكثر حزماً لدعم الحلفاء المشتركين في ظل التوترات العسكرية المتصاعدة حول إيران، بينما تبدي الصين تحفظاً وتدعو بوضوح إلى "وقف كامل للحرب" لحماية مصالحها النفطية الحيوية واستقرار إمدادات الشرق الأوسط، بما في ذلك فتح مضيق هرمز، كما يشار الى تباين مواقف الطرفين تجاه حرب أوكرانيا، ففي الوقت الذي تطالب فيه روسيا بدعم عسكري وتكنولوجي أوسع ومباشر لحسم الصراع، تصر بكين علناً على اتخاذ موقف "الحياد" البراغماتي وتقديم خطط سلام لتجنب الصدام المباشر مع دول الناتو.

وفي الخلاصة، فانه ورغم عناوين الشراكة الروسية-الصينية ،الا ان المؤكد انها ليست تحالفاً استراتيجيا ثابتا، بل محكوكة لمقاربات البراغماتية المفرطة، فرغم الخطابات الدبلوماسية، الا ان المؤكد ان واشنطن هي الغاية والهدف المشترك لروسيا والصين،فالصين تتطلع للحفاظ على ثروتها واقتصادها العالمي، وروسيا تتطلع لاتفاق مع واشنطن تنهي عزلتها ويوقف العقوبات على اقتصادها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية