ازدواجية الخطاب الإخواني: صراع الهوية والبراغماتية بين عداء المنبر وتودد اللوبي

ازدواجية الخطاب الإخواني: صراع الهوية والبراغماتية بين عداء المنبر وتودد اللوبي

ازدواجية الخطاب الإخواني: صراع الهوية والبراغماتية بين عداء المنبر وتودد اللوبي


22/03/2026

اعتمدت جماعة الإخوان المسلمين تاريخيًا استراتيجية "تعدد الخطابات "كأداة رئيسية للبقاء والانتشار. غير أنّ هذا التعدد يتجلى في أكثر صوره تناقضًا عند رصد علاقة الجماعة بالغرب؛ فهي علاقة تتأرجح بين طرفي نقيض: عداء إيديولوجي معلن يُستخدم لشحذ همم القواعد الشعبية وتكريس صورة" المجاهد" ضد التغريب، وتودد سياسي ناعم يُمارس في أروقة مراكز الأبحاث والبرلمانات الغربية لتقديم الجماعة كشريك "ديمقراطي ومعتدل". 

هذا التناقض ليس مجرد ارتباك سياسي، بل هو استراتيجية واعية تهدف إلى استغلال الفضاءات الغربية منصة للضغط على الأنظمة الوطنية في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على نواة صلبة من العداء الثقافي لكل ما يمثله الغرب من قيم ليبرالية.

الجذور الإيديولوجية... الغرب بوصفه "دار حرب" ثقافية

في الأدبيات التأسيسية للإخوان، وتحديداً في كتابات سيد قطب، يُنظر إلى الغرب باعتباره منبع" الجاهلية الحديثة". يروج الخطاب الإخواني الداخلي، الموجه للأعضاء في الأسر والمحاضن التربوية لفكرة أنّ الغرب يستهدف الإسلام في هويته وعقيدته عبر الغزو الفكري.

تستخدم الجماعة مصطلحات مثل" الاستعمار الصليبي" و"المؤامرة الدولية" لتفسير أيّ إخفاق سياسي أو ملاحقة قانونية تتعرض لها. هذا الخطاب العدائي يخدم غرضين: أوّلاً عزل القاعدة الجماهيرية عن التأثر بالقيم الغربية التي قد تهدد الهيكل التنظيمي الهرمي للجماعة، وثانياً تقديم الجماعة كحائط صد وحيد يحمي" بيضة الإسلام" من التحلل القيمي. في هذا السياق يصبح الغرب هو العدو المتخيَّل الذي يُستدعى دائماً لتبرير حالة الاستنفار الدائم داخل التنظيم.

"لندنستان" والبراغماتية الاضطرارية... الغرب كملاذ آمن

على النقيض من خطاب العداء، تبرز العواصم الغربية، وعلى رأسها لندن، كأهمّ مراكز الثقل للتنظيم الدولي للإخوان. هنا تظهر البراغماتية الإخوانية في أوضح صورها؛ فالغرب الذي يُلعن على المنابر هو نفسه "الملاذ الآمن" الذي تُفتح فيه الحسابات البنكية، وتُؤسس فيه القنوات الفضائية، وتُدار منه العمليات الإعلامية والسياسية.

تستغل الجماعة قوانين حقوق الإنسان وحرية التعبير في الدول الغربية، التي يصفونها في أدبياتهم بـ "الكافرة"، لحماية كوادرهم الهاربة من أحكام قضائية في دولهم الأم. يتحول الغرب هنا من عدو عقدي إلى درع قانوني. هذا التناقض يطرح سؤالاً جوهرياً :كيف يمكن للجماعة أن تدّعي كراهية المنظومة القيمية الغربية بينما تستميت في الدفاع عن حقها في العيش تحت مظلة قوانينها؟

"اللوبي "الإخواني وتسويق وهم الاعتدال 

في تعاملها مع الدوائر السياسية الغربية ترتدي الجماعة قناع الإسلام الديمقراطي.  يسعى جناح التنظيم الدولي إلى تقديم الإخوان كقوة وحيدة قادرة على لجم التطرف  (داعش والقاعدة)، مستخدمين فكرة الشركاء الضروريين.  

عبر شبكة واسعة من الجمعيات الخيرية والمراكز الفكرية (Think Tanks) المموّلة بعناية، يقوم الإخوان بعمليات غسيل سمعة ممنهجة. يخاطبون الغرب بلغة يفهمها: "حقوق الإنسان، والتعددية، وصندوق الاقتراع، وتمكين المرأة". لكنّ مراقبة دقيقة لمحتوى ما يُقال بالإنجليزية في واشنطن وبروكسل، وما يُقال بالعربية في الجلسات المغلقة أو القنوات الموجهة للداخل، يكشف عن بون شاسع؛ فالهدف من التودد للغرب ليس الإيمان بقيمه، بل استخدامه كـ "رافعة" للوصول إلى السلطة في المنطقة العربية.

"ازدواجية الخطاب" العربية مقابل الإنجليزية 

يمثل التناقض اللغوي أحد أهم أدوات التضليل الإخواني. في البيانات الصادرة باللغة الإنجليزية تظهر الجماعة كحركة مدنية تتبنى قيم العصر، وتندد بالعنف بعبارات فضفاضة. أمّا في الخطاب العربي الموجه للشارع، فإنّ النبرة تتغير لتصبح أكثر راديكالية، حيث يتم تمجيد المقاومة بمفهومها الصدامي، والتحريض ضد الآخر، والتمسك بتفسيرات فقهية تتصادم جذرياً مع ما يتم ترويجه في الغرب.

هذه الازدواجية ليست مجرد ترجمة، بل هي إعادة صياغة للأهداف. فبينما يتم الحديث في الغرب عن دولة المواطنة، يتم الحديث في الداخل عن دولة الخلافة أو "أستاذية العالم". هذا الانفصام الخطابي جعل العديد من الأجهزة الاستخباراتية والبحثية الغربية في السنوات الأخيرة تعيد النظر في تصنيف الجماعة، بعد أن اكتشفت أنّ الاعتدال الإخواني ليس سوى تكتيك مرحلي.

توظيف ملفات الأقليات واللاجئين

تمارس الجماعة في الغرب نوعاً من الغيتو الثقافي عبر محاولة تنصيب نفسها متحدثاً حصرياً باسم الجاليات المسلمة. يتودد الإخوان للسياسيين الغربيين، خاصة في الأحزاب اليسارية، من خلال تقديم أنفسهم ككتلة تصويتية وازنة وكحماة للمسلمين من "الإسلاموفوبيا".

هذا التودد يخدم استراتيجية التغلغل الهادئ؛ حيث يتم استغلال الدعم الحكومي الغربي للمشاريع الاجتماعية لبناء مؤسسات تابعة للتنظيم، تُستخدم لاحقاً لإعادة إنتاج الفكر الإخواني لدى الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين، وبذلك يحول الإخوان الغرب إلى ساحة لتجنيد الكوادر وتأمين التمويل، مع استمرارهم في التحريض ضد القيم الغربية المنحلة داخل مساجدهم ومراكزهم.

حتمية السقوط بين عالمين

إنّ تناقض الإخوان في التعامل مع الغرب يعكس أزمة بنيوية داخل الجماعة؛ فهي لا تستطيع الانصهار في المنظومة الغربية، لأنّ ذلك يعني فقدان هويتها الراديكالية ومبرر وجودها كـ "حركة إحياء"، ولا تستطيع في الوقت ذاته الصدام الشامل مع الغرب لأنّها تحتاج إلى شرعيته الدولية وملاذه الآمن.

هذا اللعب على الحبلين بدأ يفقد مفعوله، فالوعي العربي المتزايد بخطورة هذا المشروع، بالتوازي مع تنبه الدول الغربية لدخول" الحصان الطروادي" الإخواني إلى مجتمعاتها، جعل الجماعة تعيش حالة من الحصار المزدوج. إنّ التودد للغرب لم يعد ينطلي على الساسة الغربيين كما في السابق، والعداء للغرب لم يعد يقنع الجماهير العربية التي ترى قادة الجماعة ينعمون بالرفاهية في "بلاد الكفر" بينما يحرضون الشباب على الموت والدمار في أوطانهم. في نهاية المطاف يبقى الإخوان ضحايا لبرغماتيتهم المفرطة التي جعلتهم يفقدون المصداقية في الشرق والغرب على حد سواء.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية