
شهدت العاصمة الفرنسية باريس تحركاً أكاديمياً وسياسياً استثنائياً، بالتزامن مع تحولات تشريعية وأمنية متسارعة تجتاح القارة الأوروبية لمواجهة التغلغل الناعم لتيارات الإسلام السياسي.
وفي هذا السياق، احتضن مقر مجلس إقليم "إيل دو فرانس" بضواحي باريس أعمال النسخة الثانية من المؤتمر الدولي "تيارات الإسلام السياسي في أوروبا"، الذي نظمه المركز الأوروبي للبحث والمعلومات حول الإخوان (CERIF) بالشراكة مع برنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن، ومركز توثيق الإسلام السياسي في فيينا، والمعهد الأوروبي لمكافحة الإرهاب.
وجاء هذا المؤتمر، الذي ضم نخبة من كبار الباحثين والأكاديميين والدبلوماسيين من فرنسا، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وألمانيا، والنمسا، ليعكس رغبة أوروبية جماعية في صياغة جبهة موحدة لملاحقة شبكات الإخوان المتشظية، وتفكيك أدوات نفوذها الفكري والاقتصادي التي باتت تهدد قيم الديمقراطيات الغربية.
"الجهاد عبر السوق"... استراتيجية التغلغل الصامت
افتتحت الفعاليات أمس بكلمات رسمية ركزت على أهمية البحث العلمي الرصين في كشف أدوات تنظيم الإخوان؛ حيث ألقى نائب رئيس إقليم "إيل دو فرانس باتريك كرام، كلمة شدد فيها على التزام المؤسسات الإقليمية بدعم البحث العلمي الحر لمواجهة القضايا الحساسة التي تمس الأمن المجتمعي الأوروبي، معتبراً أنّ استضافة المؤتمر تعكس إرادة سياسية لمواكبة التحولات الفكرية والاجتماعية عبر المعرفة الدقيقة.
الإخوان في أوروبا استبدلوا العنف المباشر بآليات التغلغل الصامت، باستخدام المؤسسات المدنية، والاقتصادية، والتعليمية، وأسواق "الحلال" كأدوات لبناء النفوذ المالي والفكري.
من جانبها، فجّرت رئيسة المركز المنظم والباحثة بالمركز الوطني للبحث العلمي بباريس الباحثة، فلورنس بيرجو بلاكلر، النقاش بطرح مفهومها المحوري "الجهاد عبر السوق"، موضحة أنّ جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا استبدلت العنف المباشر بآليات التغلغل الصامت، مستخدمة المؤسسات المدنية، والاقتصادية، والتعليمية، وأسواق "الحلال" كأدوات لبناء النفوذ المالي والفكري، وفرض العزلة الثقافية على الجاليات المسلمة تمهيداً لقيادتها.
وفي إطار تشريح بنية التنظيم الحالية، قدّم الباحث من جامعة جورج واشنطن سيرخيو ألتونا، ورقة تحليليلة حول "خريطة الإخوان في أوروبا"، مؤكداً أنّ التنظيم لم يعد يعمل وفق هيكلية هرمية موحدة، بل بات يتسم بـ "التشظي والتشتت"، مستعيضاً عن ذلك بشبكة معقدة من المنظمات المرتبطة فكرياً وعابرة للحدود، ممّا يمنحها مرونة أكبر في المراوغة والهروب من الملاحقة القانونية.
وفي السياق ذاته، اعتبر الباحث النمساوي فرديناند هابرل أنّ إنتاج المعرفة وتوثيق أنشطة هذه الجماعات يمثل خط الدفاع الاستراتيجي الأول للوقاية من مخاطرها.
المدارس والمدرجات الجامعية... اختراق تحت غطاء "اليسار"
انتقل المشاركون في الجلسة الثانية إلى رصد واحدة من أخطر ساحات المواجهة مع التنظيم، وهي المؤسسات التعليمية والجامعية. وحذّر المؤرخ الفرنسي بيير فيرميرين ممّا وصفه بـ "حرب المدارس"، مستعرضاً المحاولات الإخوانية المستمرة لاختراق سلك التعليم الفرنسي وتشويه المضامين التربوية لضرب القيم الجمهورية العلمانية.
هابرل: إنتاج المعرفة وتوثيق أنشطة جماعات الإسلام السياسي يمثل خط الدفاع الاستراتيجي الأول للوقاية من مخاطرها.
وفي أطروحة أثارت تفاعلاً واسعاً، كشف الجغرافي فابريس بالانش، من جامعة ليون، عن تحالف غير مقصود داخل الفضاء الأكاديمي، موضحاً أنّ هيمنة تيار اليسار المتطرف في الجامعات الأوروبية تُسهل التغلغل الإسلاموي؛ حيث يتقاطع خطاب الطرفين تحت مظلة استغلال مصطلح 'الإسلاموفوبيا' كدرع سياسية لحظر أيّ نقد موجّه لتيارات الإسلام السياسي".
المأزق الديمقراطي... كيف تواجه أوروبا "سلاح المظلومية"؟
شهدت الجلسات اللاحقة نقاشاً معمقاً حول كيفية تعامل الحكومات الغربية مع هذه الشبكات؛ حيث استعرض الأكاديمي لورينزو فيدينو الإجراءات الأمريكية الأخيرة ضد التنظيم وانعكاساتها على السياسات الأوروبية التي باتت تميل نحو الصرامة القانونية والمراجعة التشريعية، مثل تصويت مجلس الشيوخ الفرنسي مؤخراً على قانون مكافحة الاختراق الإسلاموي.
وتناول الدبلوماسي البريطاني السابق السير جون جينكينز معضلة إعادة صياغة تعريف "الكراهية المناهضة للمسلمين" في المملكة المتحدة، مؤكداً على صعوبة التوازن بين حماية حقوق الأقليات وبين منع الإخوان من استغلال القوانين لمنع انتقاد مشروعهم السياسي. وهو ما ثنّى عليه الباحث توماسو فيرجيلي، موضحاً أنّ شبكات النفوذ الإخوانية نجحت في اختراق بعض مؤسسات الاتحاد الأوروبي عبر توظيف قضايا التمييز لترهيب صناع القرار وصرف الأنظار عن أنشطتها المريبة.
بالانش: تحالف غير مقصود داخل الفضاء الأكاديمي، وهيمنة تيار اليسار المتطرف في الجامعات الأوروبية تُسهل التغلغل الإسلاموي.
وفي الجانب الإحصائي، قدّم الباحث من جامعة هومبولت في برلين رود كوبمانس، ، بيانات ميدانية كمية تثبت تنامي الاتجاهات الأصولية لدى بعض الفئات داخل المجتمعات الأوروبية نتيجة الشحن الفكري المستمر لهذه الشبكات، بينما صنف الباحث غوستاف غوستيناو التهديد الإخواني باعتباره "تهديداً هجيناً" يدمج بين العمل الخيري والدعوي والضغط السياسي.
واختتم المؤتمر أعماله بطاولة مستديرة موسعة قادتها بيرجو بلاكلر، عن الخطاب التحريضي للإخوان في أوروبا، ليرسل الخبراء في النهاية رسالة موحدة لصناع القرار: الخطر الحقيقي على القارة الأوروبية لم يعد يأتي من الخلايا الإرهابية المسلحة، بل من تلك الشبكات الناعمة والصبورة التي تتغلغل داخل الأحزاب والجمعيات والمدارس لتقويض المجتمعات من الداخل.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yil65yhb0ltnpan5hqsv.jpg.webp?itok=i4xOuWNs)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)