
تُطِلُّ علينا بين الحين والآخر أخبارٌ مُفجِعةٌ تهُزُّ الوجدان، لا تختزل فقط جرائمَ قتلٍ بحقِّ فتياتٍ في مقتبل العمر، بل تُعرِّي واقعاً اجتماعياً مأزوماً يرفُض مغادرةَ عصورِ الظلام. إنَّ تفاصيلَ هذه الحوادث المتكررة ـ من إزهاق أرواح بريئة رفضت الزواج القسري، وصولاً إلى "الاحتفال" بموتها تحت ذريعة "غسل العار" ـ تضعنا أمام مرآةٍ قاسيةٍ تكشفُ زيفَ الكثيرِ من الادِّعاءات القيمية التي نتغنّى بها في وسطنا الاجتماعي.
إنّ أكثر ما يثير الغثيان في هذه الظاهرة ليس الجريمة بحد ذاتها فحسب، بل "الطقس الاحتفالي" الذي يصاحبها أحياناً؛ فكيف يمكن لعقل بشري أن يستبدل النحيب بالأهازيج في وداع نفس أُزهقت بغير حق؟ هنا نستذكر رؤية "سيجموند فرويد" حول جوهر الحضارة، حيث اعتبرَ أنَّ كبح الغرائز البدائية العنيفة هو أولى خطوات التمدن؛ وبالمقابل، فإنّ المجتمع الذي يعود للاحتفاء بالعنف الجسدي هو مجتمع يرتد نحو "بدائية غريزية" مدمرة. إنّ هذا "الشرف" الذي لا يُغسل إلا بدم الضعفاء هو في الحقيقة قمة العار الإنساني، وهو ما فككه عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور "علي الوردي" في دراسته حول "شخصية الفرد العراقي"، مبيناً كيف تتصارع "نسق القيم القَبَلية" مع "القيم المَدَنية"، حيث يطغى العرفُ البدويُّ القائم على الانتقام والدم على أيّ اعتبار أخلاقي أو ديني حديث.
والضحايا في الغالب هُنّ فتياتٌ قاصراتٌ، ممّا يفتح ملفاً مسكوتاً عنه في مجتمعنا وهو "تزويج القُصَّر"؛ إذ إنّ إجبارَ فتاةٍ لم تدرك نضجها بعد على الزواج القسري هو اغتيالٌ مُبكِّرٌ لمستقبلها. وهنا يبرز المبدأ الأخلاقي الشهير للفيلسوف "إيمانويل كانت" في "أمر الجزم": "عامِلِ الإنسانيةَ في شخصِكَ وفي شخص كل إنسانٍ آخر كغاية دائماً، وليس كمجرد وسيلة". إنّ سلبّ إرادة الفتاة، وتحويلها إلى أداةٍ لتسويات عائلية هو انتهاكٌ صارخٌ لهذا المبدأ الكوني، حيث يتم "تسليع" الإنسان وتجريده من ذاتيته لصالح إرضاء غرور المنظومة الأبوية.
ثقافياً، نحن أمام بنية عميقة تعيد إنتاج العنف تحت مسمّيات "الستر" و"الغيرة"؛ فالثقافة التي تمجد السيطرة على جسد المرأة كمعيار وحيد لكرامة الرجل هي ثقافة "هشة" تخشى التغيير. إنّ "الاحتفال" بالدم هنا يعمل كآليةٍ دفاعيةٍ ثقافيةٍ لترسيخِ سُلطةِ العُرف فوق سلطة القانون، حيث يُراد للدم المسفوك أن يكون "قرباناً" لتجديد ولاء الأفراد للقبيلة على حساب الروح الإنسانية. إننا نواجه موروثاً يقدّس "البطولة الزائفة" القائمة على البطش بالطرف الأضعف، بدلاً من البطولة الحقيقية القائمة على حماية الضعفاء وضمان حقوقهم.
وهذا الاستلابُ للذات لا يتوقف عند الضحية فحسب، بل يمتدُّ لِيَشملَ الجاني نفسه؛ فخلف كل رصاصةٍ تخرج تحت هذا المسمّى البالي، يقبع جلادٌ هو في الحقيقة ضحيةٌ لـ "سلطة القطيع". فالقاتل هنا لا يرتكب جريمته قناعةً بالعدل، بل رُعباً من الوصم الاجتماعي، وخوفاً من اهتزاز صورته أمام الجماعة. وكما يقول الفيلسوف "فريدريك نيتشه" في كتابه "هكذا تكلّم زرادشت": "دائماً ما يكون الجنون في الأفراد شيئاً نادراً، لكنّه في الجماعات هو القاعدة". هذا الجنون الجماعي هو الذي يحوّل الأهل من حماة إلى أدوات تنفيذ، حيث تُقدَّم حياة الفرد قرباناً على مذبح "سمعة الجماعة" الموهومة، في مشهد يغيب عنه العقل وتحضر فيه غريزة التوحش الجمعي.
لقد آن الأوان لنسمّي الأشياء بمسمّياتها؛ إنّ العارَ الحقيقيَّ ليس في فتاةٍ ترفُضُ قدراً لم تختره، ولا في امرأةٍ ترفضُ الخضوعَ للإكراه الذي يأباه العقلُ والدينُ. العارُ هو في السلاح الذي يُرفَع في وجه العُزّل، وفي الحناجر التي تهتف للقاتل. وكما قال الفيلسوف "فولتير": "من الصعب أن تُحرِّرَ المتعصِّبين من نِيْر الأغلال التي يُقدِّسونها". إنّ هذه الجرائم التي تتكرر في مدننا يجب ألّا تمرَّ كأرقام عابرة، بل يجب أن تكون صدمة لوعينا الجمعي؛ فنحن بحاجة إلى ثورة ثقافية تقتلع جذور هذه المفاهيم، لنؤكّد أنّ أقدس ما في الوجود هي الحياة، وأنّ الشرفَ الحقيقيَّ يبدأ بصونها، لا بالاحتفال بسلبها.




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yil65yhb0ltnpan5hqsv.jpg.webp?itok=i4xOuWNs)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)