
في خيمة بالية بحي الشيخ رضوان في مدينة غزة، تجلس الشابة سمية النادي (29 عاماً) أمام باب خيمتها، تحدق بصمت في الأفق، مترقبة خبراً قد يبدد حالة الانتظار الطويلة، أيّ خبر عن عودة زوجها العالق خارج القطاع منذ سنوات.
تقول النادي بصوت يثقله الإرهاق: "آخر مرة رأيت فيها زوجي قبل اندلاع الحرب بأيام، حيث غادر إلى مصر للعلاج على أن يعود فور انتهاء علاجه، لكنّ المعبر أغلق، وبدأت الحرب، وتغير كل شيء."
ووفق هيئة المعابر الفلسطينية، فقد أغلق معبر رفح منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأعيد فتحه بشكل متقطع حتى وقف إطلاق النار، وكان فتحه الأخير في شباط/فبراير 2026، بناء على اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر الماضي 2025، على أن تعيد إسرائيل فتح معبر رفح بشكل كامل، إلا أنّها لم تلتزم بتنفيذ هذا البند.
وقبل اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة كان معبر رفح يشهد حركة سفر لمئات الفلسطينيين المغادرين والعائدين، في ظل إدارة مشتركة بين وزارة الداخلية في غزة والجانب المصري، دون تدخل مباشر من الاحتلال الإسرائيلي.
وقد شنت إسرائيل بدعم أمريكي في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 حرب إبادة في غزة استمرت عامين، وخلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح فلسطيني، ودماراً واسعاً طال 90% من البنى التحتية المدنية.
ضغوط متراكمة وعلاقات مأزومة
تروي النادي تفاصيل يومها قائلة: "أحاول التماسك أمام أطفالي، أدير شؤون المنزل في ظل ظروف قاسية، لكن مع حلول الليل تتكثف مشاعر الوحدة والقلق."
وتضيف أنّ "زوجها يقيم في مصر منذ أكثر من عامين ونصف، وأنّ طبيعة الحديث بينهما تغيرت، ففي البداية كنا نتساءل: متى ستعود؟ أمّا اليوم، فأصبح السؤال: هل سنستمر؟".
وترى النادي أنّ "المسافة لم تعد جغرافية فحسب، بل تحولت إلى فجوة نفسية عميقة، في ظل الضغوط الاقتصادية وانعدام الاستقرار، وهو ما أدى إلى تصاعد الخلافات بينهما، ووصولها أحياناً إلى الحديث عن الانفصال."
وتوضح: "التواصل صعب، والانقطاع يتكرر، وغالباً تمر أيام من دون أن نتحدث، وهذا البعد الطويل يرهق أيّ علاقة."
وتكمل: "مللت الانتظار طوال أكثر من عامين ونصف مضت دون جدوى، لذلك بدأت أفكر بالانفصال إذا استمر الحال على ما هو عليه."
نماذج متكررة وخوف من الانهيار
ولا تقتصر تداعيات الحرب على الدمار المادي، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والعلاقات الأسرية، تقول النادي: "أعيش هنا بمفردي مع الأطفال، في ظل انقطاع الكهرباء ونقص الموارد واستمرار الحرب، بينما يعيش هو حالة من العجز خارج القطاع، وكل منا يواجه أزمته وحده، من دون سند حقيقي."
وتشير إلى أنّ "حالات الانفصال بدأت تظهر في محيطها الاجتماعي، وبعض الأزواج انفصلوا فعلاً، ليس برغبة حقيقية، بل نتيجة الضغط المستمر."
وتظهر آثار هذا الواقع بشكل واضح على الأطفال، وتتابع: "ابني الصغير ينتظر اتصال والده يومياً، وقد ينام وهو يحمل الهاتف، وبات يبكي من دون سبب واضح، ومحاولاتي لتعويض غياب الأب تبقى محدودة، في ظل الحاجة إلى حضور الوالدين معاً".
وتضيف: "نحن لا نعيش مجرد حصار جغرافي، بل حالة من التعليق الكامل لحياتنا، وكل ما أريده هو أن يعود زوجي، وأن نستعيد حياتنا الطبيعية، فقد تنتهي الحرب يوماً، لكنّ آثارها داخلنا ستبقى طويلاً."
معبر مغلق وحياة مؤجلة
في مخيم الشاطئ المكتظ غرب مدينة غزة، حيث تختلط أصوات المولدات الكهربائية بأنين القلق اليومي، وفي منزل شبه مهدم تعيش الفلسطينية خلود نصار، في مشهد يوحي بالحياة الطبيعية، لكنّ كل تفصيل هنا محكوم بانتظار طويل، يبدأ بخبر ولا ينتهي.
وتستهل نصار (37 عاماً) حديثها قائلة: "منذ أكثر من ثلاثة أعوام، لم أرَ زوجي، خرج عبر معبر رفح للعمل في ليبيا، وكان من المفترض أن يعود قبل اندلاع الحرب بعدة أيام لاصطحابنا معه، لكنّ المعبر أغلق، واندلعت الحرب، وبقينا نحن هنا، وبقى هناك."
وتصمت قليلاً، كأنّها تستعيد ترتيب ما تبقى من يقين، ثم تضيف: "في البداية كان الغياب محتملاً، لأنّ الأمل بالعودة كان قريباً، أمّا اليوم، فالغياب نفسه صار عبئاً يومياً، والأمل صار مؤجلاً بلا موعد."
وتصف التغيرات التي طرأت على علاقتها بزوجها خلال فترة الانفصال القسري، بقولها: "كنا نتحدث ساعات طويلة في الأسابيع الأولى، ونحاول تعويض الغياب بالكلام، وكان يسأل عن تفاصيل يومنا، وأحكي له كل شيء، حتى الصمت بيننا كان مريحاً."
ولكنّ هذا النمط لم يستمر طويلاً، وتواصل نصار: "مع الوقت بدأ التعب يظهر، صرنا نعيد الأسئلة نفسها، ولا إجابات واضحة، ثم بدأت النقاشات تتحول إلى جدال."
المكالمات تتحول إلى عبء ثقيل
وتتوقف لحظة، ثم تتابع بنبرة أكثر صراحة: "اليوم، في بعض المكالمات لا نتحدث عن حياتنا، بل عن المشاكل، فالضغط جعلنا أكثر حساسية، وأقلّ صبراً، وأحياناً ننهي الاتصال ونحن أكثر توتراً ممّا بدأنا."
وبسؤالها عمّا إذا وصل الأمر إلى التفكير بالانفصال، تجيب نصار دون تردد: "طرح الموضوع أكثر من مرة، ليس لأننا نريد ذلك، بل لأننا نشعر بأننا نفقد القدرة على الاستمرار بهذا الشكل."
وتصف تفاصيل حياتها اليومية بقدر كبير من الواقعية، وتكمل: "أستيقظ باكراً، أبحث عن الماء، أؤمن ما يمكن من الطعام، أتابع شؤون الأطفال، وأحاول أن أبدو قوية، لكنّ الحقيقة أنني منهكة."
وتوضح: "الضغوط الاقتصادية تضاعف من تعقيد الوضع، فالمال الذي يرسله لم يعد يكفي بسبب الظروف وصعوبة التحويل، وغالباً نختلف بسبب المصاريف، رغم أننا نعلم أنّ المشكلة أكبر منا."
حرب تثقل القلوب وتختبر العلاقات
وتضيف: "في محيطي هناك نساء كثيرات يعشن الوضع نفسه، بعضهن مررن بتجارب أصعب، خصوصاً من لديهن أطفال صغار أو أزواج مرضى."
وتستحضر قصة قريبة لها: "إحدى قريباتي انفصلت فعليّاً عن زوجها بعد سنوات من البُعد، لم يتحملا الضغط، وكانت تقول دائماً: لم نعد نعرف كيف نتحدث مع بعضنا بعضاً."
وترى أنّ العامل النفسي يلعب دوراً حاسماً، وأنّ الحرب تغير الناس، وتجعلهم أكثر توتراً، وأكثر خوفاً، وعندما يضاف إلى ذلك البُعد، تصبح العلاقة مهددة."
وتؤكّد أنّ "التواصل عبر الهاتف لا يعوّض الغياب، فالمكالمات مهمة، لكنّها لا تكفي، الطفل يحتاج حضوراً، يحتاج أن يرى والده، أن يشعر به، في وجوده كانت المسؤولية مشتركة، الآن كل شيء على عاتقي، حتى القرارات الصغيرة أصبحت عبئاً."
وفي ختام حديثها بدت نصار أكثر هدوءاً، لكنّها لم تُخفِ هشاشة الموقف، وتؤكد: "نحاول أن نصمد، لأننا نؤمن أنّ هذه مرحلة وستمرّ، لكننا أيضاً بشر، ولنا حدود، وأخشى أن تنتهي هذه المرحلة، ونكتشف أننا خسرنا ما كان يجمعنا."
الغياب الطويل يهدد التماسك الأسري
تقول الإخصائية النفسية في مركز العودة الصحي أماني محمود: إنّ "الانفصال الجغرافي القسري يؤدي إلى إرباك منظومة التعلق العاطفي بين الزوجين، حيث تتحول العلاقة تدريجياً من تفاعل يومي حي إلى تواصل رمزي محدود، وهو ما يؤدي إلى فتور تدريجي، وتراجع الإحساس بالقرب، وتحول العلاقة إلى واجب تواصلي أكثر من كونها رابطة وجدانية حية."
وتضيف: "من أبرز العلامات التي تشير إلى أنّ العلاقة الزوجية بدأت تدخل مرحلة الانفصال هي انخفاض المبادرة في التواصل، وغياب الاهتمام بتفاصيل حياة الطرف الآخر، وزيادة الحساسية وسرعة الانفعال أثناء النقاشات، إضافة إلى الشعور المتكرر باللّامبالاة."
وتؤكّد أنّ "غياب أحد الوالدين لفترات طويلة يخلق لدى الطفل شعوراً بعدم الاستقرار العاطفي، وقد يؤدي إلى قلق التعلق، وانسحاب عاطفي تدريجي، فالأطفال قد يطورون أسئلة وجودية حول الأمان والانتماء، وهو ما ينعكس على سلوكهم اليومي وتحصيلهم الدراسي."
وتوضح: "على مستوى الأسرة، يضيف ذلك ضغطاً نفسياً إضافياً على الطرف الحاضر، وهو ما يزيد من احتمالية التوتر داخل العلاقة الزوجية، وبالتالي يرفع خطر التفكك الأسري إذا طال الغياب دون حلول واضحة."

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)