استهداف سفارة الإمارات: حين تصطدم مصلحة سوريا بأجندات الظل

استهداف سفارة الإمارات: حين تصطدم مصلحة سوريا بأجندات الظل

استهداف سفارة الإمارات: حين تصطدم مصلحة سوريا بأجندات الظل


06/04/2026

مختار الدبابي

جاءت محاولة الاعتداء على السفارة الإماراتية في دمشق متعارضة كليًا مع خيارات النظام السوري الجديد. فدمشق يُفترض أن تكون آليًا في صف دول الخليج في الحرب على إيران، ليس فقط بسبب العداء الذي يكنّه السوريون لإيران نتيجة دعمها لنظام الأسد، ولكن، وهذا الأهم، لأنها تأمل في زيادة الدعم الخليجي الاستثماري والمالي لمساعدتها على الخروج من الأزمة العميقة التي خلّفها النظام السابق.

وهذا ما يؤكد أن محاولة الاعتداء لا تصب في صالح سوريا ولا نظام الرئيس أحمد الشرع، وأن الدولة السورية المتعثرة تصطدم بأجندات الظل الهادفة إلى إرباك انفتاحها في الداخل والخارج.

هذا “الاحتجاج”، والشعارات التي رُفعت خلاله، والإساءة إلى مقار دبلوماسية، عناصر تؤكد أن المستفيد هو إيران أو جهة أخرى تكيد للإمارات أو تتعمد إحراجها.

يُستبعد أن تكون إيران هي من تقف وراء ذلك بشكل مباشر، بسبب حساسية السوريين، بمن فيهم المتشددون داخل نظام الشرع، من أي دور إيراني في بلادهم، ما يجعل الفرضيات تتجه إلى بُعدين اثنين. الأول أن يكون المحتجون من أنصار النظام السابق ممن ناصروا النظام الجديد وصاروا يصفقون باسمه من باب التقية وإبعاد الشبهات، وأنهم بهذه الخطوة يريدون إرباك علاقته بدول الخليج، وخاصة دولة الإمارات التي تمتلك مرونة كبيرة في ضخ الاستثمارات وتنفيذ المشاريع. وهذا احتمال وارد، وإن كان بنسبة أقل.

الفرضية الأقرب هي وقوف التيار الإخواني في سوريا وراء هذا الاحتجاج، وهو ما تعكسه الشعارات المرفوعة خلاله، والتي تشير إلى أن مبرراته ترتبط بقضايا إقليمية، أي بعداء نابع من معارضة مقاربة الإمارات الإقليمية المناوئة للإسلام السياسي والتيار المتشدد في المنطقة.

ويسعى هذا التيار إلى استثمار الوضع الإقليمي ليطل برأسه، بعد أن أثار غيابه في منظومة الحكم الجديد في سوريا تساؤلات عديدة. وخلال الأشهر الماضية، مارس إخوان سوريا التقية على الطريقة الإيرانية، فغابوا كليًا عن المشهد. وهم يدركون أن تصدّر واجهة النظام الإسلامي الجديد منذ البداية سيعني آليًا خسارة الدعم الإقليمي، وخاصة الدعم الخليجي، وخسارة ثقة الشارع في المنطقة ولدى السوريين أيضًا، بسبب ما خلّفته تجارب حكم الإسلاميين في مرحلة ما بعد “الربيع العربي” من أزمات أمنية وسياسية واقتصادية.

لا شيء يمنع من الاستنتاج أن من بين المجاميع المسلحة التي أطاحت بالنظام السابق مجاميع إخوانية غير معلنة، أو أن القيادات السياسية والإدارية التي تم اللجوء إليها لتعويض الإدارة السابقة كانت من بينها وجوه إخوانية حرصت على إخفاء هويتها السياسية، وسعت إلى دفع النظام لتبني مقاربتها الخارجية. وحين فشلت في جره إلى هذا المربع، اضطرت إلى خرق قاعدة التقية، وأطلت برأسها لمهاجمة الإمارات تنفيذًا لأجندة التنظيم الإقليمية، وليس لسوريا في ذلك أي مصلحة.

قد يتساءل البعض: لماذا استدعاء البعد الإخواني لتفسير ما جرى؟ وهل لإخوان سوريا نفوذ أو حضور في سوريا الجديدة؟ الإجابة تتضح إذا استحضرنا ما جرى في السنوات الماضية من لقاءات ومشاريع سياسية سورية في المهجر، حيث كان إخوان سوريا في قلبها، حتى وإن كان وزنهم في الداخل محدودًا. فالتأثير الإخواني في الملف السوري كان دائمًا خيارًا خارجيًا. فكيف يغيبون عن انتقال سياسي تمت هندسته برعاية خارجية، وبدور مؤثر لدول معروفة بصلاتها بإخوان سوريا والتيار الإخواني في الإقليم؟

خروج متطرفين إسلاميين في صورة احتجاجية تسيء إلى مصالح السلطة الجديدة وتخدم مصالح إيران في لحظة مفصلية، يطرح تحديًا حقيقيًا أمام نظام الرئيس أحمد الشرع، ومدى قدرته على لجم المتشددين من داخله والتحكم في ردود أفعالهم، بعد أن اتسع تأثيرهم في تقويض الوعود التي يعلنها باستمرار لطمأنة الداخل والخارج، وخاصة دول الخليج. فهل نحن أمام ازدواجية وتوزيع أدوار، أم عجز عن التحكم في نفوذ المجاميع المسلحة ومراكز القوى السياسية؟

يحتاج الرئيس السوري إلى أكثر من التصريحات والاتصالات الهاتفية للطمأنة وتبرئة الذمة. ومن المهم أن يعمل على تفكيك لوبيات النفوذ من حوله، لأنها تقوّض كل وعوده وتطميناته للداخل والخارج، وخاصة الدول التي تحتاج سوريا إلى استثماراتها ودورها في إعادة الإعمار.

لا يمكن التعامل مع ما جرى باعتباره حادثًا عابرًا أو انفلاتًا محدودًا، بل هو اختبار مبكر لطبيعة التوازنات داخل سوريا الجديدة، ولمدى قدرة السلطة على حماية خياراتها الإستراتيجية من اختراقات قوى تسعى إلى إعادة إنتاج الفوضى بأدوات مختلفة. فالمعركة الحقيقية لا تدور فقط حول ضبط الأمن، بل حول حسم الوجهة: هل تمضي دمشق في مسار الانفتاح العربي واستعادة الثقة، أم تترك المجال لتيارات عابرة للحدود لتفرض أجنداتها وتعيدها إلى دوامة العزلة؟

آليات تفكير المتطرفين تسير دائمًا عكس عقارب الساعة. ففي الوقت الذي تحتاج فيه السلطة، التي يستظلون بها، إلى دعم الخليج، يعمدون إلى تخريب العلاقة مع إحدى أبرز هذه الدول، هذه المرة الإمارات، وربما في مرات قادمة يأتي الدور على السعودية أو قطر أو الكويت، رغم هبّة الدول الخليجية لدعم سوريا ومنع انهيارها أمنيًا بعد سقوط نظام الأسد.

مع الإشارة إلى أن الدعم الخليجي ليس موجّهًا إلى السلطة الجديدة بقدر ما هو استجابة لهدف أوسع، يتمثل في مساعدة سوريا على تجاوز أزماتها. وقد حاولت هذه الدول ذلك سابقًا في عهد بشار الأسد، لكن ارتباطه بأجندة إيران عرقل الانفتاح الخليجي الهادف إلى دعم الشعب السوري لا النظام.

هناك حالة اغتراب كبيرة لدى الإسلاميين العرب بمختلف تياراتهم؛ فالجماعة لديهم أولى من مصلحة الدولة، وهو ما يفسر صدامهم مع مختلف الأنظمة العربية، بما في ذلك الأنظمة الخليجية التي كانت الأكثر تسامحًا معهم، حيث احتضنتهم وفتحت لهم أبواب الرزق، وفسحت المجال لأفكارهم للانتشار، لكنهم، ككل مرة، قابلوا هذا الانفتاح بالانقلاب على داعميهم.

المفارقة أن كثيرًا من المتشددين الإسلاميين يضعون أنفسهم في خدمة إيران، رغم الخلاف المذهبي الحاد. فقد وضعوا أيديهم في يد نظام آية الله الخميني، ودعموا ثورته، وصفقوا للحرب على العراق، وتحالفوا في لبنان مع حزب الله، وفي اليمن مع الحوثيين، رغم الاستهداف الإيراني الذي طالهم في سوريا. واليوم يواصلون التصفيق لإيران، التي توظفهم في إستراتيجية التمدد الإقليمي، ويتحالفون معها ضد الدول التي دعمتهم سابقًا.

الوقوف في صف إيران ليس موقفًا مبدئيًا، ولا يستند إلى قراءة تميّز بين الاستراتيجي والتكتيكي، بل هو سعي لركوب أي موجة تضع هؤلاء في الواجهة، للتغطية على غياب مشروع فكري واضح يحتكمون إليه في تحديد مواقفهم. وهم لا يريدون أن تبدو إيران وحدها في الصورة وهي ترفع شعارات “الطريق إلى القدس”، فيصفقون لكل خطوة، حتى وإن كانت ذات كلفة استراتيجية عالية، مثل “طوفان الأقصى”، الذي دفع فيه الفلسطينيون واللبنانيون أثمانًا باهظة، فيما تواصل إيران وأذرعها الاستفادة من الشعارات.

ورغم أن هؤلاء لا تجمعهم بالقضية الفلسطينية سوى شعارات مستهلكة، فإنهم يواصلون المزايدة بها على الدول العربية، وكأن نصرة فلسطين أو غزة أو الضاحية الجنوبية في بيروت لا تمر إلا عبر مهاجمة الإمارات، التي تتحرك باستمرار لتقديم المساعدات والتخفيف من معاناة المتضررين من تلك المغامرات.

ثمة عداء عميق ومترسّخ تجاه دولة الإمارات في خطاب بعض التيارات المتشددة، يتجاوز الخلاف السياسي إلى رفض بنيوي لأي نموذج بديل يسعى إلى كسر منطق الاستقطاب. فكل مبادرة إماراتية تقوم على التسامح والانفتاح والحوار بين الأديان تُقابل بحملات تشكيك واستهداف، لأنها تهدد الأسس الفكرية التي يقوم عليها خطاب التطرف.

وفي جوهر هذا العداء إدراك ضمني بأن نجاح نموذج قائم على التعايش والتعددية سيُضعف سرديات الصراع الطائفي والمذهبي. فالإمارات، عبر سياساتها ومبادراتها، تسعى إلى إعادة تشكيل الفضاء الديني والاجتماعي في المنطقة، بما يحدّ من التوترات ويعالج إرثا ثقيلا من الانقسامات التي غذّاها المتطرفون لعقود.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية