فرنسا والإخوان.. لماذا لا يزال التصنيف الإرهابي معلقاً رغم تصاعد المخاوف الأمنية؟

فرنسا والإخوان.. لماذا لا يزال التصنيف الإرهابي معلقاً رغم تصاعد المخاوف الأمنية؟

فرنسا والإخوان.. لماذا لا يزال التصنيف الإرهابي معلقاً رغم تصاعد المخاوف الأمنية؟


02/06/2026

يتحول ملف جماعة الإخوان المسلمين في فرنسا تدريجياً من قضية مرتبطة بمراقبة أنشطة الإسلام السياسي إلى أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة الأمن القومي الفرنسي، فمع تزايد التحذيرات من تمدد شبكات الجماعة داخل المجتمع، باتت السلطات الفرنسية تنظر إلى الإخوان باعتبارهم تحدياً يتجاوز البعد الديني ليطال منظومة القيم الجمهورية ومؤسسات الدولة وآليات الاندماج داخل المجتمع الفرنسي.

في هذا السياق، نشر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات دراسة بعنوان "الإخوان المسلمون ـ هل تُصنف فرنسا الجماعة على قائمة الإرهاب؟"، تناولت طبيعة المقاربة الفرنسية تجاه الجماعة، وحدود الخيارات القانونية المتاحة أمام باريس، فضلاً عن الإجراءات التي اتخذتها السلطات خلال السنوات الأخيرة للحد من نفوذ التنظيم وشبكاته داخل البلاد.

وتكشف الدراسة أن فرنسا تقف اليوم أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة تتصاعد الدعوات السياسية والأمنية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الجماعة، ومن جهة أخرى تفرض المنظومة القانونية الفرنسية والأوروبية قيوداً تجعل قرار التصنيف الإرهابي أكثر تعقيداً. وبين هذين المسارين، تبدو باريس ماضية في استراتيجية تقوم على محاصرة النفوذ الإخواني وتجفيف مصادر قوته دون اللجوء حالياً إلى الحظر الشامل.

 

المقاربة الفرنسية.. ملاحقة الأفراد بدلاً من تصنيف الجماعة

 

تؤكد الدراسة أن وزارة الداخلية الفرنسية لا ترى في الوقت الراهن أن تصنيف جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً يمثل خياراً عملياً قابلاً للتنفيذ. فقد أوضح وزير الداخلية لوران نونيز أن مثل هذا التوجه يواجه عقبات قانونية كبيرة، وقد يكون هشاً أمام الطعون القضائية، خصوصاً في ظل غياب الأسس القانونية التي تسمح بحظر الجماعة ككيان موحد داخل فرنسا.

ويعكس هذا الموقف تحولاً في أسلوب المواجهة الفرنسية، حيث تفضل السلطات استهداف الأفراد والكيانات التي يثبت تورطها في أنشطة تتعارض مع قوانين الجمهورية، بدلاً من الدخول في معركة قانونية شاملة حول تصنيف التنظيم بأكمله. فالدولة الفرنسية تسعى إلى تحقيق نتائج عملية على الأرض دون المخاطرة بقرارات قد يتم إسقاطها قضائياً لاحقاً.

كما تشير الدراسة إلى أن الحكومة الفرنسية تنطلق من مبدأ أن مواجهة الإسلام السياسي لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تشمل مراقبة السلوكيات والممارسات التي تهدد قيم الجمهورية أو تسعى إلى إنشاء فضاءات موازية خارج الإطار الوطني الجامع.

وتبرز أهمية هذا التوجه في كونه يسمح للأجهزة الفرنسية بالتحرك بصورة أكثر مرونة تجاه الجمعيات والشخصيات التي يثبت ارتباطها بأجندات متشددة أو انفصالية، دون انتظار قرار سياسي أو أوروبي واسع النطاق بشأن الجماعة.

في المقابل، لا يعني رفض التصنيف حالياً تراجع المخاوف الفرنسية من الجماعة، بل على العكس، تؤكد التصريحات الرسمية أن باريس تعتبر الإخوان أحد أبرز التحديات المرتبطة بالإسلام السياسي داخل البلاد، لكنها تفضل إدارة المواجهة عبر أدوات قانونية وإدارية أكثر فعالية.

 

الإخوان والعملية السياسية.. مخاوف من التسلل إلى المؤسسات

 

وتكشف الدراسة جانباً آخر من القلق الفرنسي يتعلق بمحاولات التأثير داخل المؤسسات المنتخبة. فقد اتهم وزير الداخلية الفرنسي الجماعة بالسعي إلى التأثير في الانتخابات البلدية من خلال الدفع بأشخاص محسوبين عليها أو قريبين من توجهاتها للاندماج داخل القوائم الانتخابية للأحزاب التقليدية.

وتعكس هذه الاتهامات خشية متزايدة من اعتماد الجماعة على استراتيجيات طويلة الأمد تقوم على التغلغل التدريجي داخل الهياكل السياسية والمجتمعية، بدلاً من العمل المباشر أو المواجهة المفتوحة مع الدولة.

كما أثار الجدل الذي رافق محاولة منع أحد التجمعات الكبرى لمنظمة "مسلمو فرنسا" حجم الحساسية التي باتت تحيط بالكيانات المرتبطة أو القريبة من الإخوان. فرغم إلغاء القرار قضائياً، فإن القضية كشفت استمرار الشكوك الرسمية بشأن الخطابات والأفكار التي يتم الترويج لها داخل بعض هذه المنظمات.

وترى السلطات الفرنسية أن الخطر لا يكمن في المشاركة السياسية بحد ذاتها، وإنما في استخدام الآليات الديمقراطية لبناء نفوذ منظم يهدف إلى التأثير على المجتمع ومؤسساته من الداخل بصورة تدريجية.

ولهذا تواصل الأجهزة المختصة مراقبة النشاط السياسي والمدني للجهات المرتبطة بالإسلام السياسي، في إطار سياسة تهدف إلى منع أي محاولات لاختراق المؤسسات أو استغلال العملية الديمقراطية لتحقيق أهداف أيديولوجية بعيدة المدى.

 

تصعيد أوروبي متزايد ضد الجماعة

 

تشير الدراسة إلى أن الضغوط على الإخوان لم تعد فرنسية فقط، بل أصبحت جزءاً من نقاش أوروبي أوسع حول مخاطر التنظيمات العابرة للحدود المرتبطة بالإسلام السياسي.

ففي يناير 2026 دعا البرلمان الأوروبي إلى إجراء تقييم شامل للشبكة الدولية لجماعة الإخوان المسلمين، ودراسة تأثيرها داخل أوروبا وآليات عملها ومصادر نفوذها. كما تضمن القرار دعوة للمفوضية الأوروبية للنظر في إمكانية إدراج الجماعة وقياداتها على قائمة المنظمات الإرهابية الأوروبية.

ويعكس هذا التوجه تنامي القناعة داخل عدد من الدوائر الأوروبية بأن الجماعة لا تمثل مجرد حركة سياسية أو دعوية، بل شبكة منظمة تمتلك امتدادات عابرة للحدود وقدرة على التأثير داخل المجتمعات الأوروبية.

وتستند هذه الدعوات إلى جملة من الاتهامات المرتبطة بدعم جماعات متطرفة ونشر خطاب الكراهية والعمل على تقويض المؤسسات الديمقراطية عبر وسائل غير مباشرة.

ورغم أن هذه الخطوات لا تزال في إطار النقاش والتقييم، فإنها تكشف أن ملف الإخوان بات جزءاً من أجندة الأمن الأوروبي، ولم يعد مقتصراً على السياسات الداخلية لبعض الدول.

 

استراتيجية فرنسية لتجفيف النفوذ الإخواني

 

توضح الدراسة أن فرنسا أطلقت منذ عام 2025 استراتيجية متكاملة تستهدف تقليص نفوذ جماعة الإخوان وشبكاتها داخل البلاد. وتضمنت هذه الاستراتيجية أدوات مالية وإدارية وقانونية جديدة لمراقبة مصادر التمويل والحد من قدرة التنظيم على توسيع نفوذه.

وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أعلن سلسلة من الإجراءات الجديدة شملت توسيع صلاحيات تجميد الأصول المالية، وتطوير آليات حل الكيانات والمنظمات التي يثبت ارتباطها بأنشطة مخالفة للقانون أو تهدد النظام الجمهوري.

كما تضمنت الخطة تشديد الرقابة على صناديق الوقف والتمويلات المختلفة، إضافة إلى وضع آليات قانونية تسمح بمتابعة الأصول التابعة للكيانات التي يتم حلها أو إغلاقها.

ولم تقتصر الإجراءات على الجانب المالي فقط، بل شملت كذلك برامج لتطوير تكوين الأئمة وتقليل الاعتماد على التأثيرات الخارجية، في محاولة لتعزيز نموذج إسلام فرنسي منسجم مع قيم الجمهورية.

وتؤكد هذه الخطوات أن باريس لم تعد تكتفي بالمراقبة، بل انتقلت إلى مرحلة بناء منظومة متكاملة تستهدف الحد من نفوذ الجماعة وتجفيف مواردها وتقليص قدرتها على الحركة داخل المجتمع الفرنسي.

 

شبكات الإخوان في فرنسا.. نفوذ واسع تحت المجهر

 

تسلط الدراسة الضوء على حجم البنية التنظيمية التي يُعتقد أن الجماعة تمتلكها داخل فرنسا. إذ تشير المعطيات إلى وجود شبكة واسعة تضم عشرات دور العبادة ومئات الجمعيات والمؤسسات النشطة في مجالات متعددة.

وتشير الأرقام الواردة في التقرير إلى وجود 139 دار عبادة مرتبطة بمسلمي فرنسا، إضافة إلى نحو 280 جمعية تنشط في مجالات دينية وخيرية وتعليمية ومهنية وشبابية ومالية.

كما تتحدث الدراسة عن وجود نحو 20 مؤسسة تعليمية مرتبطة بالجماعة تضم آلاف الطلاب، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن قدرة هذه الشبكات على التأثير في الأجيال الجديدة وصياغة مساحات نفوذ طويلة الأمد.

وفي المجال الرياضي، رصدت السلطات الفرنسية عدداً من الجمعيات التي يشتبه في تأثرها بأفكار الإسلام السياسي، ضمن شبكة أوسع تعمل في قطاعات تبدو بعيدة ظاهرياً عن النشاط السياسي المباشر.

ورغم الجدل الدائر حول حجم هذا النفوذ ومدى انتشاره الفعلي، فإن المؤكد وفق الدراسة أن السلطات الفرنسية باتت تنظر إلى هذه الشبكات باعتبارها أحد أهم التحديات المرتبطة بمواجهة الإسلام السياسي داخل البلاد.

 

هذا وتكشف الدراسة أن فرنسا لا تتجه حالياً نحو تصنيف جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً، لكنها في المقابل تشن واحدة من أوسع حملات التضييق على شبكاتها ونفوذها داخل المجتمع. وبينما تصطدم دعوات التصنيف بعقبات قانونية وسياسية معقدة، تبدو باريس مصممة على المضي في استراتيجية تقوم على تجفيف الموارد، ومراقبة الهياكل المرتبطة بالجماعة، ومنع محاولات التغلغل داخل المؤسسات والمجتمع. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية