واشنطن تدفع نحو فض الأزمة في ليبيا... والإخوان يواجهون اختبار البقاء

واشنطن تدفع نحو فض الأزمة في ليبيا... والإخوان يواجهون اختبار البقاء

واشنطن تدفع نحو فض الأزمة في ليبيا... والإخوان يواجهون اختبار البقاء


02/06/2026

 

في خطوة جديدة تعكس تنامي الاهتمام الأمريكي بالملف الليبي، أجرى مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، (4) اتصالات هاتفية مع (4) قيادات ليبية في الشرق والغرب.

وتكتسب هذه الاتصالات أهمية خاصة، ليس فقط من حيث توقيتها واختيار الشخصيات التي شملتها، بل أيضاً بالنظر إلى القضايا التي تناولتها، وفي مقدمتها توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي بين شرق البلاد وغربها، فضلاً عن مسار المصالحة الوطنية وما يواجهه من تحديات. ويأتي ذلك في إطار الجهود الرامية إلى تهيئة الظروف اللازمة لإطلاق مسار سياسي متدرج يفضي إلى عملية سياسية شاملة تعكس تطلعات الليبيين وتؤسس لمرحلة أكثر استقراراً.

المبادرة الأمريكية: اتصالات مباشرة لدفع مسار توحيد المؤسسات

إلى ذلك، أعلن مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، إجراء (4) اتصالات هاتفية منفصلة مع كل من: رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، ونائب قائد "القيادة العامة" صدام حفتر، ونائب وزير الدفاع بحكومة الوحدة عبد السلام زوبي، ومدير صندوق إعادة الإعمار بلقاسم حفتر.

وقال بولس إنّ المباحثات تناولت أهمية تحقيق المصالحة الوطنية، وتوحيد المؤسسات، وتعزيز الاستقرار والديمقراطية في مختلف أنحاء البلاد، مؤكداً ضرورة بناء مستقبل ليبيا عبر عملية سياسية شاملة تعكس تطلعات جميع المناطق والمكونات الليبية.

وأضاف أنّ الاتصالات شددت على أهمية تعزيز الوحدة الوطنية، وتقوية مؤسسات الدولة، وضمان مشاركة جميع الليبيين في رسم مستقبل بلادهم.

وأكد بولس التزام الولايات المتحدة بمواصلة دعم ليبيا في مساعيها نحو السلام والوحدة والحكم الديمقراطي، معرباً عن تطلع واشنطن إلى تعزيز التعاون والعلاقات الثنائية بين البلدين.

غير أنّ هذه التحركات لا تخلو من عقبات وتحديات، في ظل اعتراضات وظيفية وإجرائية من بعض الأجسام السياسية الليبية المحسوبة على تيار الإخوان المسلمين، وخاصة دار الإفتاء، على مبادرة مسعد بولس. وترى هذه الأطراف المرتبطة بتنظيم الإخوان في ليبيا أنّ أيّ ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة أو إعادة هيكلة المؤسسات يجب أن تمر عبر معادلات النفوذ التي تمثلها، وهو ما يهدد باستمرار حالة الجمود والانسداد السياسي، ويعرقل الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار وتوحيد مؤسسات الدولة.

في هذا السياق، أشار المحلل السياسي خالد الحجازي إلى أنّ الاتصالات الهاتفية التي أجراها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، مع شخصيات من الشرق والغرب، لا تُعدّ مجرد اتصالات بروتوكولية مع قيادات فاعلة في المشهد الليبي، بل تحمل دلالة سياسية واضحة مفادها أنّ واشنطن منخرطة بقدرٍ كافٍ في المشهد الليبي، خاصةً فيما يتصل بإدارة التفاهمات بين مراكز القوة الفعلية في البلاد. ولفت إلى أنّ بولس سبق أن تحدث عن "تقدم كبير" في مسار توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية، إلى جانب ملف الميزانية الموحدة وتمرين "فلينتلوك 26" في سرت، باعتبارهما جزءاً من هذا المسار.

اعتراضات الأجسام السياسية والإخوان... عقبات أمام التسوية

وأضاف الحجازي، في حديثه لـ (حفريات)، أنّ تزامن هذه الاتصالات مع قيادات الشرق والغرب يشير إلى انتقال المبادرة الأمريكية إلى مسارات أكثر واقعية، من خلال ربط وتمتين المسارات المختلفة والشخصيات المعنية، واختبار مدى جديتها في تحقيق المقاربة الأمريكية، بما يشمل الملفات المالية والأمنية والعسكرية والتنفيذية. وأوضح أنّ التواصل مع صدام حفتر يرتبط بالبعد العسكري والأمني، والتواصل مع بلقاسم حفتر يرتبط بملف الإعمار والموارد، ويلامس الاتصال بعبد الحميد الدبيبة ملفات الحكومة والمال العام، مشيراً إلى أنّ إشراك أطراف أخرى يعكس مساعي واشنطن لمنع أيّ جهة من احتكار التمثيل السياسي أو تعطيل مسار التسوية.

وأكد أنّ هذا التوجه يفسر الاعتراضات التي صدرت عن بعض الأجسام السياسية، خاصة بعد رفض المجلس الأعلى للدولة لمقاربة مسعد بولس بشأن تقاسم السلطة بين حكومة الدبيبة في طرابلس والمعسكر الشرقي.

وشدد الحجازي، في سياق متصل، على أنّ فرص تنظيمات الإسلام السياسي تتراجع في المشهد الليبي بصورة دالة ولافتة، ليس بسبب اختفائها من المشهد، بل نتيجة تغير قواعد اللعبة السياسية. وأوضح أنّ المرحلة المقبلة تبدو أكثر ارتباطاً ببناء المؤسسات وتوحيد الهياكل المالية والعسكرية والأمنية، إلى جانب تعزيز التفاهمات الدولية، الأمر الذي يحد من قدرة التنظيمات الإيديولوجية على استثمار الانقسام أو الفوضى للوصول إلى السلطة أو التأثير في مراكز القرار.

وفي المقابل، نبّه إلى أنّ الحديث عن خروج الإسلام السياسي نهائياً من المشهد يبقى سابقاً لأوانه، موضحاً أنّ هذه التيارات ما زالت تمتلك حضوراً داخل بعض المؤسسات وشبكات إعلامية وتحالفات قائمة على الواقع القبلي والمصالح، ممّا قد يمنحها قدرةً معينة على التأثير أو التعطيل، وإن كانت لم تعد تمتلك الأدوات ذاتها التي كانت تتيح لها فرض أجندتها السياسية في السابق.

وأكد الدكتور الحجازي، في ختام حديثه لـ (حفريات)، أنّ اتصالات بولس تمثل مؤشراً مهماً على دخول الملف الليبي مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى، معتبراً أنّ واشنطن تعمل على بلورة صيغة جديدة للدولة الليبية تقوم على تعزيز مؤسسات الدولة الوطنية، والحد من الفوضى والانقسامات، وتقليص نفوذ التنظيمات الإيديولوجية، بما يفتح المجال أمام مسار أكثر استقراراً في المرحلة المقبلة.

تحريك ملف المصالحة وتوحيد المؤسسات

من جانبه، رأى الباحث الليبي محمد عادل أمطيريد أنّ هذه الاتصالات تأتي في إطار استكمال المشروع الذي انبثق عن الإدارة الأمريكية تحت ما يُعرف بـ "مبادرة السلام"، مشيراً إلى أنّ التواصل المباشر مع المسؤولين الليبيين يعكس جدية واشنطن في الدفع بهذا المسار السياسي.

وأضاف أمطيريد في تصريحاته لـ (حفريات) أنّ من أبرز مرتكزات المبادرة العمل على توحيد المؤسسات الليبية، بما يشمل دمج المؤسسات الحكومية والهيئات التنفيذية، وعلى رأسها حكومة الوحدة الوطنية، معتبراً أنّ هذا التوجه يهدف إلى إعادة هيكلة المشهد السياسي وفق رؤية جديدة تركز على الأطراف الفاعلة على الأرض.

وتابع أنّ المبادرة أولت اهتماماً خاصاً بالشخصيات والقوى المؤثرة في شرق البلاد وغربها، لافتاً إلى أنّ رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بات يتبنّى نهجاً أكثر براغماتية، ويسعى إلى الانخراط في المشروع السياسي الجديد الذي تدعمه الإدارة الأمريكية.

وأشار أمطيريد إلى أنّ ما يميز هذه المبادرة، بحسب تقديره، هو أنّها أغلقت الثغرات التي استُغلت في مبادرات سابقة، ومنها مخرجات ملتقى الحوار السياسي ولجنة الـ 75، التي شهدت إعادة تشكيل تحالفات سياسية بدعم إقليمي، على حد وصفه. وأضاف أنّ المبادرة الحالية تعتمد على التواصل المباشر مع الأطراف الرئيسية، بعيداً عن المسارات التقليدية القائمة على اللجان والوساطات.

وشدد على أنّ المشروع الجديد يركز كذلك على ملف التنمية وإعادة الإعمار، موضحاً أنّ مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر استطاع، وفق رأيه، إثبات حضوره من خلال المشاريع التي نفذها الصندوق بالتعاون مع الجهاز الوطني للتنمية، الأمر الذي جعله أحد الأطراف المهمة في المرحلة المقبلة.

ولفت أمطيريد إلى أنّ المبادرات التي قادها نائب القائد العام صدام حفتر، سواء في ملفات المصالحة أو إطلاق السجناء أو التسويات الاجتماعية، أسهمت في تعزيز حضوره السياسي، معتبراً أنّ نجاحه في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية واحتواء مختلف الأطراف قد يدعم فرصه للعب دور سياسي أكبر خلال المرحلة القادمة.

وخلص الباحث الليبي إلى أنّ الاتصالات الأخيرة قد تمثل خطوة متقدمة نحو وضع اللمسات النهائية على المشروع السياسي المرتقب، مرجحاً أن تتضح ملامحه بشكل أكبر خلال الأشهر المقبلة، وربما قبل نهاية العام الجاري، مؤكداً أنّ الآلية الجديدة تقوم على الحوار المباشر مع الأطراف المعنية بالشأن الليبي بعيداً عن مسارات الوساطة التقليدية واللجان السياسية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية