
إنّ إثارة فعل الاحتجاج لا ترتبط، بمعنى ما، بفاعلية التحقق أو بعملية الحوار السياسي القائم على الأخذ والرد، بقدر ما نرنو هنا إلى رصد حيثيات الفعل في السياق العربي؛ أي الدلالة والسياق، والإكراهات والآفاق. فالفعل الاحتجاجي، بمعنى ما، أقرب إلى نمط من التمرد السياسي الشرعي داخل المنظومة السياسية المتعارف عليها. هذا التمرد يرسم حدوداً بين المشروعية واللامشروعية، ممّا يجعل منه محركاً أساسياً ومهماً للحركة السياسية، بغضّ النظر عن درجة تقييمه وما يحمله من إمكان لقلب النظام السياسي الذي يسمح بممارسة الفعل الاحتجاجي كمطلب ديمقراطي يدخل في دينامية مفهوم الدولة الحديثة. إذن يعكس الفعل الاحتجاجي في التمثل السياسي العربي، سواء في الوعي الجماهيري أو في الأنظمة السياسية، منطق ودلالة التغيير في بعده المعياري السلبي الذي قد يُتَوَّج بمآل ثوري مغاير لما هو كائن، حتى وإن كان نتاجاً ديمقراطياً، بمعنى ما.
إنّ الفعل الاحتجاجي في السياق العربي فعل يعتريه الكثير من الغموض والالتباس، وقد تكون هذه المناسبة لإثارة بعضها:
- إنّ حدود التأطير النظري للفعل الاحتجاجي تحضر في التمثل العام بمنطق الأفق المفتوح بلا سقف أو تسييج، وهو ما يشكل ترادفاً بين الفعل الاحتجاجي وعملية الهدم أو القلب السياسي، ممّا يخندق الفعل الاحتجاجي في باب السلب والنفي لما هو قائم، كما أنّه يحضر في تمثل النظام السياسي بمنطق التهديد والاضطراب الواجب ضبطه قدر الإمكان.
- عملية شحن الفعل الاحتجاجي غالباً ما تتم عبر نمط تراكمي تضخمي ناجم بالدرجة الأولى عن الفجوة الممتدة بين الفضاء الخاص والعام. اتساع مجال الاحتجاج في الفضاء الخاص والخوف من البوح خارجه يعملان على تضخيمه، ممّا يسهل خلق فجوات لانفجاره في الفضاء العام، ما دام أنّ هذا الأخير مسيّج بذهنية سياسية ترسخ مبدأ المراقبة والمحاسبة المرادفة للعقاب خارج المتفق عليه ضمنياً أو صريحاً أو هما معاً.
- إنّ الفعل الاحتجاجي فعل تلقائي عفوي لا يخضع لمنطق العقلنة السياسية القائمة على تجاذبات الحوار بين النظام السياسي والمحتجين، لهذا يتسم غالباً بمنهج عدواني خصامي تزايدي يرنو إلى تحقيق الغلبة لكلا الطرفين، وهو ما ينزع عن الاحتجاج صفته الإيجابية في الممارسة السياسية.
ويتسم الفعل الاحتجاجي في تمثل الأنظمة العربية بدلالة سلبية توازي بين الاحتجاج وأعمال التشويش والفتنة، لهذا يتم التعامل معه بكثير من الحيطة والحذر والتوجس من مآلاته الهدمية، فيتم مواجهته بعنف؛ غير أنّ هذا العنف يرتدي لباس النظام والأمن.
ويمكننا القول أيضاً إنّ آفاق الفعل الاحتجاجي في السياق العربي هي آفاق بعدية ترتبط بما ينبغي أن يكون لتجاوز ما هو قائم، ممّا يعكس ذهنية جماهيرية قائمة على فعل التراكم الناتج عن رصيد تاريخي لتجربة سياسية توّجت مسارها التاريخي بالسطوة والاستبداد السياسي. وهو ما يجعل من مفهوم الاحتجاج مفهوماً ملغّماً يحمل ضرورة حاضر سياسي وأيضاً تهديداً للاستدامة السياسية، لأنّ عملية خنق وتسييج العمل السياسي تعمل على إحداث تفرقة بنيوية في المجتمع الواحد، وهو ما يسمح بالمقابل بتغذية الاستقطابات الإيديولوجية المختلفة. لهذا فإنّ الفعل الاحتجاجي في السياق العربي لا ينمّ دائماً، بمعنى ما، عن صحة سياسية لمجتمع يرفع شعار الديمقراطية، بقدر ما يكشف عن عطب وعثرات هذا المجتمع في تحقيق مسار سياسي سليم. وقد تكون الثورات العربية أبلغ مثال على ذلك، فالفعل الاحتجاجي كان آنذاك يحمل أكثر ممّا يحتمل، بل ارتفع بكثير عن واقعه السياسي ككل وانصهر في مأموله الانتظاري. إذ لم يعكس أبداً مطلباً بسيطاً كائناً ممكن التغيير وفق أرضية الحوار السياسي بين أطراف مختلفة تجتمع أو تتفق على مصلحة سياسية واحدة، بل عكس سيرورة شحنات سيكولوجية لوعي سياسي معطوب وغير سليم. إنّ هذا التراكم قد عمّق وعبّر أيضاً عن إشكالية تنزيل مفهوم الدولة الديمقراطية في السياق العربي. وبالتالي فإنّ ما كان سبباً في اندلاع ثورات في مجموعة من البلدان العربية، تم تجاوزه أو تهميشه لرفع ما لم يكن مطروحاً، لكنّه كان مأمولاً في ثنايا التمثل الجماهيري. لقد كان مسبب الاشتعال الاحتجاجي مجرد نقطة أفاضت كأساً مليئاً بالمرار والنقد السلبي لسياسة عمّرت طويلاً جراء ضغوط واستبداد لم يواجهه في حينه.
عملية التراكم هذه أنتجت سيكولوجية تدميرية قادرة على الهدم والمواجهة أكثر من ذهنية متحاورة ومتجاوزة. وقد يكون الأمر راجعاً للتربية السياسية ذاتها في البنيات والمؤسسات النظامية، وكذا لطبيعة الأنظمة السياسية العربية التي غالباً ما تغلف وجودها السلطوي برداء الدولة الديمقراطية دون إمكانية التماهي مع هذا المعطى بنيوياً وواقعياً.
لهذا فالفعل الاحتجاجي فعل صحي إن باشر وتوافق مع التجارب الزمنية للفعل السياسي في راهنه وواقعه، لأنّ التجارب الديمقراطية هي بالأساس نتاج سيرورة حوارية عاكسة لزمنها وواقعها. أمّا إشكالية أفقها أو مأمولها الانتظاري، فهو غالباً ما يتولد بشكل جدلي عن كيفية تعاطيها مع راهنها السياسي، وهو ما يطرح إشكالية أخرى تتعلق بممكنات الفضاء العمومي في السياق العربي: هل يسمح للمواطن بنقل فعله الاحتجاجي في راهنه من الفضاء الخاص إلى الفضاء العام؟.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1%D9%8A_1.jpg.webp?itok=XGvLgfPl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_13_0_1_1_16_0.jpg.webp?itok=kI8vOUYI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_178_1_0.jpg.webp?itok=cuNspvB2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_10_0.jpg.webp?itok=bfSSMhOR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_13_0.jpg.webp?itok=6Lx94TRE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_1.jpg.webp?itok=A4Q46mn_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_1_1.jpg.webp?itok=SehCh_I6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0.jpg.webp?itok=YV4_lHmb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1.jpg.webp?itok=YPGQ60Qj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187_0.png.webp?itok=j1w4rlKQ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_3.png.webp?itok=By5KgSz2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1.jpg.webp?itok=DLZsQQh7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_2_0.jpg.webp?itok=7N1H041E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)