مسارات غامضة: كواليس الحصار التشريعي والمالي لتنظيم الإخوان في ألمانيا

مسارات غامضة: كواليس الحصار التشريعي والمالي لتنظيم الإخوان في ألمانيا

مسارات غامضة: كواليس الحصار التشريعي والمالي لتنظيم الإخوان في ألمانيا


02/06/2026

يشهد المشهد السياسي والأمني في ألمانيا تحولاً جذرياً غير مسبوق في مقاربة ملف الإسلام السياسي، وتحديداً الأنشطة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين. هذا التحول لم يعد محصوراً داخل الغرف المغلقة لأجهزة الاستخبارات، بل انتقل بقوة إلى ساحة المساءلة العلنية داخل البرلمان الاتحادي (البوندستاغ)، بالتزامن مع تفجر فضائح تمويل مالي من الأموال العامة لجمعيات مرتبطة بالتنظيم، ممّا وضع الآليات الرقابية للحكومة الفيدرالية على المحك، وكشف عن استراتيجيات التغلغل "الناعم" التي ينتهجها الإخوان لإعادة إنتاج أنفسهم داخل القارة الأوروبية.

وثائق المحاسبة الفيدرالية: 7 سنوات من الحجب تفضح المستور

أعاد قرار المحكمة الإدارية الفيدرالية الألمانية، الصادر في شباط (فبراير) 2026، رفع السرية عن تقرير محكمة المحاسبة الفيدرالية "المُعدّ منذ عام 2019"، ليفجر قنبلة سياسية وأمنية في برلين. 

التقرير كشف أنّ وزارة الخارجية الألمانية قامت، بين عامي 2013 و2016، بتحويل نحو 8.5 ملايين يورو من أموال دافعي الضرائب إلى جمعية "إسلاميك ريليف دويتشلاند"  (Islamic Relief Deutschland)، المتهمة بارتباطها الوثيق بجماعة الإخوان المسلمين، قبل أن ترتفع القيمة الإجمالية للدعم في السنوات اللاحقة إلى نحو 15 مليون يورو، تحت لافتة تمويل مشاريع إغاثية في سوريا.

وجاءت الصدمة الكبرى في التقرير لتكشف عن غياب الرقابة المالية الصارمة من قبل الخارجية الألمانية، ومخالفتها للتوجيه الحكومي الصارم (AARES 55-1) المصمم لمنع وصول الأموال العامة إلى جهات متطرفة. والأنكى من ذلك، وثّق التقرير موافقة الوزارة على نقل أموال نقدية يصعب تتبعها؛ حيث جرى نقل نحو 240 ألف يورو نقداً في حقائب عبر خمس رحلات جوية إلى تركيا بين عامي 2014 و2015، بذريعة تعذر التحويلات المصرفية بسبب ظروف الحرب. 

هذا الدعم استمر رغم تحذيرات أجهزة حماية الدستور "الاستخبارات الداخلية" منذ عام 2009 بشأن صلات المنظمة بمحيط الإخوان، واعتراف الحكومة الفيدرالية عام 2017 بوجود "روابط وثيقة" بين الجمعية وبين "الجالية المسلمة الألمانية" (DMG)، المظلة المركزية للإخوان في البلاد.

مصادر (حفريات) تكشف: شبكات سرّية وتفتيت الأموال بأسماء مستعارة

في سياق هذا الانكشاف، حصلت صحيفة (حفريات) على معلومات حصرية وموثقة من مصادر أمنية وبحثية مطّلعة في برلين، تؤكد أنّ منظمة "إسلاميك ريليف" ليست سوى قمة جبل الجليد.

 وكشفت المصادر لـ (حفريات) أنّ شبكة واسعة من الجمعيات والمراكز الثقافية الإخوانية في عدة ولايات ألمانية تعمل حالياً "في السر" وعبر قنوات مالية موازية لإرسال الأموال لدعم فروع الجماعة المأزومة في الخارج، لا سيّما في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفقاً لمعلومات (حفريات)، فإنّ هذه الجمعيات تبنت استراتيجية تضليل معقدة للالتفاف على الرقابة الصارمة التي فرضتها الحكومة الفيدرالية أخيراً. 

وتعتمد هذه الحيلة على تفتيت المبالغ الضخمة المراد تهريبها وتوزيعها على مئات الحوالات الصغيرة المتراوحة "التي لا تثير ريبة وحدات التحريات المالية"، وإرسالها إلى دول متعددة في آنٍ واحدٍ لتمويه وجهتها النهائية. والأخطر من ذلك، أنّ هذه الحوالات لا تخرج بأسماء منظمات أو كيانات اعتبارية، بل يتم إرسالها إلى أسماء شخصية تعود لعناصر غير معروفة أمنياً أو متعاطفين مع التنظيم في الخارج، تحت مزاعم "مساعدات إنسانية عائلية" أو "كفالات فردية"، ممّا يسهل عملية تسييلها واستخدامها في تمويل أنشطة الجماعة السرّية وإعادة بناء شبكاتها الإقليمية.

من الأمن إلى السياسة: البوندستاغ يواجه "الاختراق الناعم"

هذا التغلغل المالي تزامن مع حراك تشريعي عاصف داخل البوندستاغ؛ حيث قدمت الكتلة البرلمانية لحزب "البديل من أجل ألمانيا" استجواباً موسعاً حول اختراق التنظيمات الإسلاموية، وفي مقدمتها الإخوان، للأحزاب السياسية التقليدية.

 الاستجواب ركز على مفهوم "الاختراق الناعم"، محذراً من أنّ خطر الجماعة لم يعد مقتصراً على العنف، بل في بناء شبكات نفوذ فكري وسياسي داخل بنية النظام الحزبي الألماني، مستشهداً بمصطلح "الإسلاموية اليسارية" للإشارة إلى التحالف بين أطراف من أقصى اليسار والجهات الإخوانية لتمرير أجندات التنظيم وتشويه أيّ انتقاد له.

وقد تجسد هذا الخطر بشكل ملموس في الانقسام الحاد الذي ضرب الحزب الاشتراكي الديمقراطي  (SPD)عقب تنحي رئيس الحزب في برلين، مارتن هيكل، عن ترشحه لعمدة منطقة "نويكولن" بسبب ضغوط من أجنحة داخل حزبه إثر موقفه الحاسم ضد الإسلام السياسي. ووثق الاستجواب تورط قيادات برلمانية في حضور فعاليات نظمتها "منصة لقاءات نويكولن" (NBS) المرتبطة بـ "الجالية المسلمة الألمانية" (ذراع الإخوان)، إلى جانب إشارات صريحة لمركز "طيبة" الثقافي الذي يديره فريد حيدر، المصنف استخباراتياً كجزء من شبكة الإخوان.

ردّ الحكومة الفيدرالية والدلالات الأوروبية

في ردٍّ رسمي ومقتضب وجهته الحكومة الألمانية إلى البرلمان، حسمت برلين موقفها الإيديولوجي من التنظيم؛ حيث أكدت المذكرة الحكومية أنّ استراتيجية جماعة الإخوان تعتمد على الخداع والظهور أمام الأوساط السياسية كشريك "معتدل ومنفتح"، بينما هي تتبع في الحقيقة استراتيجية تأثير تهدف إلى إقامة نظام سياسي ومجتمعي يتعارض بالكليّة مع النظام الأساسي الديمقراطي الليبرالي للدولة الألمانية. وتعهدت الحكومة عبر أجهزتها الأمنية والاتحادية بمواجهة كافة أشكال هذا التأثير المتطرف.

وتأتي هذه التطورات لتضع ألمانيا في قلب حراك أوروبي أوسع تشهده دول مثل فرنسا والنمسا، لإعادة تعريف حدود الانفتاح الليبرالي وفحص تغلغل المؤسسات الدينية. غير أنّ الخبراء يُحذرون من أنّ تجفيف منابع التمويل التقليدية دفع التنظيم إلى تغيير جلده، وإنشاء جمعيات جديدة تحت لافتات براقة مثل "مكافحة العنصرية" أو "العمل الإنساني"، وهو ما يتطلب يقظة أمنية وتشريعية مستمرة لملاحقة الأشكال المتطورة من التمويل السري والتضليل الذي تمارسه شبكات الإخوان في القارة الأوروبية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية