
لم يكن التفاعل الواسع مع بيان وزارة الدفاع التونسية الأخير حدثًا عابرًا في المشهد السياسي، بل كشف حجم الحساسية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية في بلد يعيش منذ سنوات على وقع صراع مفتوح بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع الإسلام السياسي. فالجيش التونسي، الذي حافظ تاريخيًا على صورته كمؤسسة جمهورية منضبطة، عاد إلى قلب النقاش العام بعد محاولات متكررة من شخصيات محسوبة على تيار الإخوان للزج به في التجاذبات السياسية وتحويله إلى طرف داخل معادلة الصراع الداخلي.
وقد شددت وزارة الدفاع التونسية على تمسك الجيش التونسي بعقيدته الجمهورية وحياده السياسي، مؤكدة أن المؤسسة العسكرية تعمل وفق الدستور والقانون ولا تنخرط في أي تجاذبات حزبية.
وجاء البيان في سياق تصاعد دعوات تحريضية أطلقها الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، أحد أبرز الوجوه المتحالفة مع الإخوان، والذي حاول دفع الشارع نحو موجة احتجاجات جديدة عبر خطاب تصعيدي اعتبره مراقبون محاولة لإعادة إنتاج سيناريوهات الفوضى التي عاشتها البلاد خلال السنوات الماضية.
هذه التطورات لم تكن منفصلة عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تواجه جماعات الإسلام السياسي في عدد من الدول العربية تراجعًا حادًا في النفوذ بعد سقوط رهاناتها السياسية وفشلها في إدارة الدولة.
وفي تونس تحديدًا، شكّل انهيار نفوذ حركة النهضة بعد إجراءات 25 يوليو 2021 نقطة تحول كبرى دفعت الجماعة إلى الانتقال من خطاب “الشراكة الديمقراطية” إلى خطاب التصعيد والتشكيك في مؤسسات الدولة.
ويعتقد مراقبون أن المؤسسة العسكرية التونسية أصبحت هدفًا متكررًا لحملات الضغط الإخوانية بسبب كونها إحدى أكثر مؤسسات الدولة تماسكا وثقة لدى الرأي العام، فكلما تراجعت قدرة الجماعة على الحشد السياسي، اتجهت نحو استهداف الرموز السيادية للدولة، سواء عبر حملات التشكيك أو عبر محاولات الاستدراج نحو الصدام السياسي.
كما تكشف الأزمة الأخيرة عن إدراك متزايد داخل الدولة التونسية لخطورة الحرب النفسية والإعلامية التي تُستخدم لإضعاف المؤسسات الوطنية. فالمعركة لم تعد فقط أمنية أو سياسية، بل تحولت أيضًا إلى معركة وعي وصورة عامة، تسعى فيها الجماعات المؤدلجة إلى ضرب ثقة المواطنين في مؤسساتهم السيادية تمهيدًا لإحداث حالة من التفكك والفوضى.
الجيش التونسي.. عقيدة وطنية عصية على الاختراق
ومنذ تأسيس القوات المسلحة التونسية عقب الاستقلال سنة 1956، تشكلت عقيدة الجيش على أساس الانضباط الجمهوري والابتعاد عن الحكم المباشر. وعلى خلاف تجارب عديدة في المنطقة العربية، لم يتحول الجيش التونسي إلى لاعب سياسي تقليدي، بل بقي مؤسسة مهنية مرتبطة بمفهوم الدولة الوطنية أكثر من ارتباطها بموازين السلطة المتغيرة.
هذا المسار التاريخي منح المؤسسة العسكرية خصوصية داخل المشهد التونسي، إذ حافظت على صورة “الجيش المواطن” الذي ينحصر دوره في حماية الحدود والدفاع عن استقرار الدولة. وحتى خلال المراحل الأكثر اضطرابًا بعد 2011، تجنبت القيادة العسكرية الانخراط في الاصطفافات الحزبية رغم الضغوط السياسية والإعلامية المكثفة.
وخلال فترة صعود الإخوان إلى السلطة عبر حركة النهضة، ظهرت محاولات غير مباشرة لإعادة تشكيل العلاقة مع المؤسسة العسكرية. فقد سعت الجماعة إلى توسيع نفوذها داخل مفاصل الدولة عبر التعيينات والاختراقات الإدارية، إلا أن المؤسسة العسكرية بقيت من أكثر المؤسسات مقاومة لهذا المسار، ما خلق حالة توتر مكتومة بين الطرفين.
وتشير تحليلات سياسية ودراسات متخصصة في العلاقات المدنية العسكرية إلى أن الجيش التونسي استفاد من طبيعته المهنية المحدودة العدد نسبيًا ومن غياب الطموح السياسي لدى قياداته، وهو ما جعله أقل قابلية للتسييس مقارنة بمؤسسات أخرى. كما ساعد الدعم الشعبي الواسع للمؤسسة العسكرية في تعزيز استقلاليتها أمام محاولات الضغط الحزبي.
ومع تصاعد التوترات السياسية خلال السنوات الأخيرة، بدا واضحًا أن ثبات الجيش على عقيدته الجمهورية أفشل جزءًا مهمًا من رهانات الإسلام السياسي، خاصة أن الجماعة كانت تراهن على إضعاف مؤسسات الدولة أو جرها إلى صدامات داخلية تُعيد خلط الأوراق السياسية.
الإخوان واستراتيجية ضرب مؤسسات الدولة
تعتمد جماعات الإسلام السياسي تاريخيًا على استراتيجية تقوم على التشكيك في مؤسسات الدولة عندما تفشل في السيطرة عليها. وهذه المقاربة ظهرت بوضوح في تجارب عديدة بالمنطقة، حيث انتقلت الجماعات من خطاب “الإصلاح” إلى خطاب “المظلومية” فور فقدان النفوذ السياسي أو تراجع القدرة على التأثير داخل أجهزة الدولة.
في تونس، بدأت هذه الاستراتيجية تتصاعد بشكل لافت بعد انهيار منظومة الحكم التي قادتها حركة النهضة لسنوات. فمع تراجع الحضور البرلماني والسياسي للجماعة، تحول الخطاب الإخواني نحو تصوير مؤسسات الدولة باعتبارها “أدوات قمع” أو “مؤسسات منحازة”، في محاولة لتأليب الشارع وإعادة تعبئة الأنصار.
ولم تقتصر هذه الحملات على الخطاب السياسي فقط، بل امتدت إلى الفضاء الإعلامي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث جرى تداول روايات تستهدف الجيش والأجهزة الأمنية عبر نشر الشائعات والتشكيك في ولائها الوطني. ويرى متابعون أن هذه الحملات تندرج ضمن حرب استنزاف نفسية تهدف إلى ضرب ثقة المواطنين في مؤسساتهم السيادية.
كما ارتبط خطاب الإخوان في تونس بمحاولات متكررة لتقديم الجماعة باعتبارها “الضحية السياسية”، رغم أن قطاعات واسعة من التونسيين باتت تربط سنوات حكم النهضة بتدهور الأوضاع الاقتصادية وتصاعد نفوذ الجماعات المتطرفة وارتفاع منسوب الانقسام داخل المجتمع.
ويؤكد مراقبون أن أخطر ما في هذا الخطاب ليس فقط التحريض السياسي، بل محاولة خلق شرخ بين الدولة والمجتمع عبر استهداف المؤسسات التي ما تزال تحظى بثقة شعبية، وعلى رأسها الجيش. لذلك جاء بيان وزارة الدفاع ليؤكد أن المؤسسة العسكرية تدرك طبيعة هذه المعركة وترفض الانجرار إليها.
المنصف المرزوقي وخطاب التحريض السياسي
وقد أعاد المنصف المرزوقي خلال السنوات الأخيرة تموقعه داخل المشهد السياسي بوصفه أحد أكثر الأصوات التصاقًا بخطاب الإخوان، خاصة بعد سقوط نفوذ حركة النهضة. فالرئيس الأسبق الذي قدم نفسه سابقًا كمدافع عن الديمقراطية، بات يعتمد خطابًا تصعيديًا يقوم على مهاجمة مؤسسات الدولة والدعوة إلى تحركات احتجاجية مفتوحة.
وفي تدويناته الأخيرة، دعا المرزوقي إلى ما وصفه البعض بمحاولة إعادة إنتاج سيناريو “البوعزيزي 2”، وهي دعوات اعتبرها متابعون تجاوزًا خطيرًا لأنها تراهن على تفجير الأوضاع الاجتماعية ودفع البلاد نحو الفوضى بدل البحث عن حلول سياسية واقتصادية واقعية.
كما أثارت رسائله الموجهة إلى الجيش والأمن انتقادات واسعة، إذ رأى مراقبون أنها محاولة واضحة لاستدراج المؤسستين إلى قلب الصراع السياسي. غير أن الرد الرسمي جاء حاسمًا عبر تأكيد المؤسسة العسكرية تمسكها الصارم بالحياد والانضباط الجمهوري.
ويشير محللون إلى أن تصعيد المرزوقي يعكس حالة العزلة السياسية التي يعيشها تيار الإخوان بعد تراجع حضوره الشعبي. فالجماعة التي فقدت أدواتها داخل البرلمان والحكومة تحاول اليوم التعويض عبر خطاب تعبوي قائم على تأجيج الاحتقان الاجتماعي واستثمار الأزمات الاقتصادية.
لكن هذا الخطاب يواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في تغير المزاج الشعبي التونسي، إذ لم تعد قطاعات واسعة من المواطنين تتجاوب مع الشعارات القديمة المرتبطة بـ”الثورة” و”الشرعية”، خاصة بعد سنوات من الأزمات التي حمّل كثيرون مسؤوليتها للقوى المتحالفة مع الإخوان.
المؤسسة العسكرية وحرب تونس ضد الإرهاب
خلال العقد الأخير، خاض الجيش التونسي واحدة من أصعب المواجهات الأمنية في تاريخه الحديث، خصوصًا في المناطق الجبلية الغربية المحاذية للحدود الجزائرية، حيث نشطت جماعات إرهابية مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش.
وقد دفعت القوات المسلحة التونسية ثمنًا باهظًا في هذه الحرب، بعدما فقدت عشرات الجنود والضباط في عمليات إرهابية دامية استهدفت دوريات عسكرية ونقاطًا أمنية. ومع ذلك، تمكنت المؤسسة العسكرية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية من توجيه ضربات موجعة للتنظيمات المتطرفة وتقليص قدرتها على التحرك.
وتُظهر التجربة التونسية أن العلاقة بين الإرهاب والإسلام السياسي لم تكن دائمًا منفصلة بشكل كامل، إذ وفرت حالة الاستقطاب السياسي والفوضى التي أعقبت 2011 بيئة مناسبة لتنامي الخطابات المتشددة وانتشار شبكات التجنيد والتعبئة الأيديولوجية.
كما لعب الجيش دورًا محوريًا في حماية الحدود مع ليبيا خلال سنوات الانهيار الأمني هناك، حيث واجهت تونس مخاطر تسلل السلاح والعناصر الإرهابية عبر الحدود الجنوبية والشرقية. وقد ساهمت هذه الجهود في تعزيز صورة المؤسسة العسكرية كخط دفاع أساسي عن الأمن القومي.
ومع تراكم هذه التضحيات، أصبح أي استهداف معنوي للجيش يُنظر إليه داخل تونس باعتباره مساسًا بإحدى أهم ركائز الدولة. لذلك فإن حملات التشكيك التي تقودها بعض الأطراف السياسية تصطدم بواقع ميداني صنعته سنوات من المواجهة مع الإرهاب والفوضى.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88_0.jpg.webp?itok=5vQRr4dD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A_0_2_0.jpg.webp?itok=_sFlPzn8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_1_0.jpg.webp?itok=5LhvMVBt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_0.jpg.webp?itok=Di4TYWFQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/kolds5bJ.jpg.webp?itok=XhkLPCxd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/81872688-fbc4-42e8-89c8-2a104ba8fefe.png.webp?itok=E_fyVLVH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=mo5Wod39)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B2-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AF%D9%87%D9%8A.jpg.webp?itok=tiXXhcD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84_0_2.jpg.webp?itok=hQGL9w4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0.jpg.webp?itok=1nRP-ZIv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/474d1761-eb23-42bc-9067-7e2924393dd2.jpg.webp?itok=B_iW5YGn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_90.png.webp?itok=nqFTAzIc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-16%20142601.png.webp?itok=2qlF45oa)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)