مستقبل التهديد الإرهابي ومكافحته في سوريا والعراق

مستقبل التهديد الإرهابي ومكافحته في سوريا والعراق

مستقبل التهديد الإرهابي ومكافحته في سوريا والعراق


08/02/2026

شهد النصف الثاني من يناير 2026 مستجدين مهمين على الساحة الشرق أوسطية تمثل أولها في اتفاق الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم 18 يناير، مع قوات سوريا الديمقراطية، حول الاندماج العسكري وتسليم محافظتي الرقة ودير الزور للحكومة السورية وتحملها المسؤولية القانونية والأمنية عن سجون معتقلي داعش. فيما تمثل المستجد الثاني في بدأ الجيش الأميركي نقل عناصر تنظيم "داعش" المحتجزين لدى "قسد" في شمال شرقي سوريا إلى العراق، وذلك لـ"ضمان بقاء الإرهابيين في مرافق احتجاز آمنة" حسب بلاغ الجيش الأمريكي في 21 يناير.

يعكس المستجدان معًا لحظة حرجة في مسار التهديد الإرهابي ومكافحته في العراق وخاصة في سوريا التي شهدت "طفرة" في النشاط الجهادي خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2025. وذلك في وقت يتعاظم فيه تهديد داعش أساسًا، بخلاف القاعدة التي جمَّدت نشاط فرعها في سوريا، على مستوى أدوات التعبئة والتجنيد والتمويل مستفيدًا من حالة السيولة في الفضاء الرقمي وتعزيزه بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

وعليه يُمثل مستقبل الظاهرة الإرهابية في البلدين حالة جديرة بالاهتمام تتشابك على مستواها العوامل المؤججة للظاهرة مع ديناميات الإرهاب الهجين وتكييفات سياسات المكافحة ضمن سياقات أمنية معقدة.

سوريا: تفاؤل وحذر يواكب الرؤية الأمنية

ستواصل السلطات السورية اعتماد رؤية أمنية تضع الإرهاب على رأس تحدياتها، وذلك في سياق جيوسياسي متقلب يبشر بالتفاؤل كما يوحي بالحذر، من خلال تبني مقاربة في مكافحة الإٍرهاب تسلك مسارين مختلفين: "أمني" و"دبلوماسي".

المسار الأمني

يُتوقع انتقال الحكومة السورية في مكافحة التنظيم من الاستهدافات والمداهمات إلى الهجوم الشامل والمكثف على مواقع تحصنه بصحراء البادية، التي تحتضن ملاجئ التنظيم ومخازن أسلحته وحوالي 300 عنصر حسب تقارير أممية، وذلك لفرض واقع أمني جديد يحقق تراجع أكبر في السيطرة الإقليمية للتنظيم وانزوائه نحو مناطق أكثر عزلة وأقل كثافة سكانية في أفق حرمانه من جزء مهم من مصادر التمويل التي هيَّمن عليها بفضل شبكات الاقتصاد الموازي والزكوات والتبرعات، ومن ثمة حصر قدرته على تنفيذ العمليات الكبرى.

بيد أن هذه التحركات المحتملة قد تحقق مكاسب أقل مقارنة بحجم الجهود المبذولة، نظرًا لصعوبة تضاريس منطقة البادية وامتدادها جغرافيًا ووعورة مسالكها وتفوق عناصر التنظيم في معرفتها، ما قد يحول عمليات الاقتحام البرية، التي طالما تفادتها حكومة النظام السابق، إلى مغامرات انتحارية. كما أن محاذاة البادية السورية للعراق بصفته مصدرًا للإمداد سيُصعب من مراقبة حركة السلاح والمقاتلين والأموال عبر الحدود وسط محدودية المعلومات بشأن علاقة قيادات التنظيم في سوريا بنظيراتها في العراق.

لذلك يتوقع استمرار صحراء البادية كأكبر تحدٍ لحملات المكافحة بسوريا، وبالتالي استمرار التنظيم في تجميع صفوفه والتدريب والتدبير لعملياته من داخلها. في حين يُحتمل تبلور فكرة الاقتحام البري الشامل في إطار عمليات أوسع للتحالف الدولي، الشيء الذي سيدفع التنظيم إلى الرهان على "حرب العصابات" عبر نصب الكمائن في الطرق وشن الهجمات الخاطفة على الدوريات الأمنية واستهداف البنى التحتية والمتعاونين مع الحكومة والتحالف، مع اقتناص الفرص المتاحة لتنفيذ عمليات كبرى تثير الاهتمام الإعلامي. فيما يرجح أن يتحول اللعب على وتر الطائفية، بالتركيز على استهداف الشخصيات والرموز غير السنية، إلى عملة رابحة للتنظيم أمام شيوع خطابات الإقصاء لأسباب عرقية ودينية وفشل السلطة في احتوائها فضلاً عن استئثارها بالحكم، وهو ما يمكن معه توقع لجوء التنظيم إلى تخفيف تأثير الأيديولوجيا على خيارته العسكرية بالتحالف مع جماعات لا تعترف بشرعية خلافته، وبالتالي ظهور كيانات جديدة مثل مجموعة "سرايا أنصار السنة" المسؤولة عن تفجير كنسية في دمشق ومسجد علوي في حمص، خلال يونيو وديسمبر الماضيين، وتجدد التساؤلات والشكوك حول علاقتها بالتنظيم وإيديولوجيته.

وفي ضوء التحدي الأمني سيبرز الإصلاح الهيكلي بإلحاح وهو ما قد تباشره السلطات، خلال هذه السنة، لاحتواء تداعيات خططها بضم المقاتلين الأجانب لوحداتها العسكرية ومنحهم وثائق هوية سورية من جهة ومن جهة أخرى لتسويق الطابع المؤسساتي في أجهزتها العسكرية وحصانتها من الاختراق؛ الشيء الذي بات ضروريًا لطمأنة الحليف الأمريكي بعد أن تبين أن منفّذ هجوم تدمر على القوات السورية والأمريكية، في 13 ديسمبر، كان عنصرًا في الأمن الداخلي.

المسار الدبلوماسي

أبدت السلطات السورية مرونة كبيرة في تدبير المشهد الأمني للبلاد، بانفتاحها على الخطط الأمريكية وتجنب أي مناوشات مع الجيش الإسرائيلي رغم زحفه على أراض سورية جديدة، والعمل بشكل حثيث على تفكيك الوجود الإيراني المسلح على أراضيها. وبهذا راهنت القيادة السورية على الاستراتيجية الأمريكية وتحت سقف شروطها لتأمين مراحل حكمها الأولى التي شهدت أحداثًا جسامًا تمثلت في مجازر الساحل ضد العلويين وتفاقم أحداث السويداء فضلاً عن تجدد الاشتباكات المسلحة مع مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية.

إن الوجه "الدبلوماسي" الذي ظهرت به سلطات دمشق ينطوي على تغيير هويتها وشكل تحالفاتها، إذ سرعان ما انخرطت في صِيغ متقدمة من التعاون الدولي بانضمامها إلى التحالف الدولي ضد داعش في نوفمبر الماضي، واستقبال وزير خارجيتها، يوم 3 ديسمبر، رئيس وفد وحدة مكافحة الإرهاب، التابعة للاتحاد الأوروبي لبحث التعاون في "مكافحة الإرهاب والتحديات الأمنية المشتركة"، واتفاقها مع إسرائيل يوم 6 يناير 2026 بباريس، حول "تبادل المعلومات الاستخباراتية واحتواء التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية بإشراف أمريكي"، ثم إصدار مرسوم 16 يناير الرئاسي، الذي أكد الحقوق الثقافية والسياسية للمكون الكردي في إطار دولة سورية موحدة، تحت بإشراف أمريكي حسب تغريدة تون باراك على منصة (إكس) في 20 يناير.

وعليه، فإن المسار الدبلوماسي ربط مصالح سوريا بمصالح إسرائيل والولايات المتحدة وجعل التهديدات الإرهابية بسوريا تطال مصالحهما أيضًا، فتمَّت إزالتها من قوائم الإرهاب الأمريكية ورفع العقوبات عنها وبالتالي تأكيد شرعيتها، وهو ما سيسمح بدعم عسكري واستخباراتي متواصل لصالح دمشق خلال المرحلة المقبلة ورفع سقف التنسيق الأمني معها وتكرار الهجمات "المشتركة" كتلك التي نفذتها القوات الأمريكية مع الأمن السوري جنوبي البلاد أواخر نوفمبر، في أول عملية مشتركة منذ انضمامها للتحالف الدولي. وهذه التطورات قد توفر لسوريا الدعم الأممي عبر "صندوق تمويل الاستقرار الفوري" الخاص بالعراق أو آلية شبيهة، للترويج الاقتصادي بالمناطق المتضررة من الإرهاب وتطوير الخدمات الأساسية بما يخلق الشعور بالتعافي من آثاره وتحصين السكان من الإغراءات المادية للتنظيم.

كما يرجح أن يُسهم تقارب السوري الأمريكي في حصول دمشق على تقنيات وتدريبات أكثر فاعلية لاستهداف القيادات المركزية للتنظيم بعمليات نوعية، خاصة إن فشلت خطط تدمير تحصيناته بالبادية. وهو ما تم التمهيد له بتنسيق الأمن السوري مع التحالف الدولي في تحييد والي حوارن واعتقال والي دمشق في ديسمبر الماضي. كما من شأن هذا التقارب أن يعينها في إدارة مخيمات احتجاز أسر عناصر التنظيم التي باتت تتولى مسؤوليتها بعد التطورات الميدانية الأخيرة وإعلان عزمها، أواخر يناير، إغلاق مخيمي الهول والروج خلال عام واحد، ومن ثمة حل الإشكالات القانونية ووضع حد للتداعيات الإنسانية التي عرقلت محاكمة المتهمين بالقوانين السورية وأعاقت إعادتهم إلى بلدانهم.

بيد أن القراءة المتفائلة للمسارين "الأمني" و"الدبلوماسي" لا يمكنها تبديد الحذر بشأن قدرة دمشق على احتواء التهديد الإرهابي الذي سيراهن أكثر على التكنولوجية الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي بما يتيح خسائر مادية، اقتصادية وخدماتية، أكثر من البشرية وحضورًا أكبر للإرهاب الفردي. خاصة أن القرار الأمريكي الأخير بنقل مقاتلي داعش المعتقلين بسوريا إلى العراق، بعد التقدم العسكري للجيش السوري بمواقع سيطرة "قسد"، يوحي بمحدودية الثقة الأمريكية في استقرار الوضع السوري.

العراق: تواصل النجاحات واستمرار التحديات

ستشكل الفترة المقبلة بالنسبة للعراق مرحلة محورية في مسار مكافحة الإرهاب في ضوء برامجه المعلنة لاستكمال شروط الأمن الداخلي وتعافيه النهائي من تداعيات الإرهاب وتحسين ترتيبه ضمن مؤشرات السلام العالمي، وبالتالي ستُمثل استضافته خلال هذا العام لـ"مؤتمر مجموعة أصدقاء ضحايا الإرهاب" بالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فرصة لإبراز مكانته الدولية كجهة فاعلة وموثوقة في جهود السلم الدولية وصاحبة تجربة قابلة للتصدير بشأن مكافحة الإرهاب ومعالجة آثاره، ومن هنا إمكانية تحقيق طموحه بتحصيل الاعتراف الدولي بجرائم داعش خاصة في حق الإيزيديين كـ"إبادة جماعية".

 فالعراق أثبت فاعليته الأمنية بعمليات ذات مردودية عالية، عبر سياسة قطع الرؤوس واستهداف المفاصل، لشل حركة التنظيم، كتلك التي كُلِّلت في 15 ديسمبر، باعتقال أبو علياء أحد كبار قيادات داعش المختصة بصناعة وتجهيز العبوات الناسفة. وهذا نهج يتوقع استمراره خلال المرحلة المقبلة في ظل ارتياح أمريكي لمستوى التعاون مع العراق والذي ترجمه قرار "سنتكوم" الأخير بنقل مقاتلي داعش من سوريا إلى العراق وإعلان الأخير استعداده لمقاضاتهم بغض النظر عن جنسياتهم، كما يستبعد أن يتأثر هذا التعاون الأمني بالعودة المحتملة لنوري المالكي لقيادة الحكومة العراقية. فيما ستستفيد فرق مكافحة الإرهاب من وثائق التنظيم المحجوزة، والتي تجاوزت خلال 2025 ألف وثيقة، حسب إعلان خلية الإعلام الأمني العراقي في 31 ديسمبر، والتي أظهرت داعش "كتنظيم هجين يجمع بين عمليات عسكرية محدودة وحملة إعلامية معتمدة على منصات متعددة وشبكة تمويل تعتمد على التبرعات".

غير أن التنظيم سيستمر، مقابل ذلك، في استغلال الثغرات المتاحة لإعادة بناء هياكله وتدوير قياداته للحد من تراجعه، وهي ثغرات تتمثل بالنسبة للعراق في تحديات أربعة ستعكف سلطاته على التصدي لها، والتي تتمثل في ما يلي:

- المناطق الوعرة: بالحفاظ على مستوى مرتفع من اليقظة الأمنية بمواقع نشاط التنظيم في محافظات البلاد الشمالية والغربية والشرقية، خاصة في المناطق الوعرة في ديالى ونينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار، لتعطيل خطط التنظيم المحتملة عبر تقييد حركته وشل قدرته على التنفيذ السريع، وهذا يستدعي الاستخدام المكثف للطيران الحربي لتدمير المخابئ المحتملة للتنظيم وطرق الإمداد.

- مخيم الهول: بالاستمرار في إخلاء المخيم، الموجود بريف الحسكة شمال شرقي سوريا، من مواطنيه البالغ عددهم حسب وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، في 3 ديسمبر، أربعة آلاف عراقي. واحتمال أن تشهد سنة 2026 إخراج آخر عراقي منه بحسب مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، الذي أعلن، يوم 11 ديسمبر، عزم بلاده على إعادة جميع الأسر العراقية من المخيم خلال الأشهر الستة المقبلة واختتام عمليات الإخلاء التي بدأت منذ 2021.

- الإرهاب الهجين: يتوقع أن تركز الاستراتيجية العراقية لمكافحة الإرهاب للفترة 2026-2030، التي أعلن عنها وزير الخارجية فؤاد حسين خلال اجتماع لمجموعة أصدقاء ضحايا الإرهاب، في سبتمبر الماضي بنيويورك، على مستجدات المخاطر الإرهابية متمثلة في تحديات "التطور التكنولوجي" الذي طال الذكاء الاصطناعي وتوظيفه المعقد في عمليات "البروباغندا" والدعاية الشبكية التي لم تعد تقتصر على الإعلام التقليدي وكذلك في "التمويل" الذي يمكن أن يستعين بالاستخدام المتزايد للعملات الرقمية. وذلك بما يستجيب لمقتضيات انتظام الاستراتيجية العراقية في إطار استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، المعتمدة منذ عام 2006، والتي ستخضع للمراجع خلال 2026.

- الحدود السورية: الاستمرار في الإجراءات الاستثنائية لمراقبة الحدود مع سوريا، الممتدة لحوالي 615 كيلومتراً، والتي باشرتها السلطات العراقية منذ مارس الماضي في تشديد غير مسبوق منذ 2003، باعتبارها مصدر تهديد خارجي محاذي لمناطق نشاط التنظيم ومنطقة رخوة لعمليات التهريب والاختراقات الأمنية، وهذا يحتمل ما يلي:

* انخراط عراقي متزايد في حملات مكافحة الإرهاب داخل الأراضي السورية بالتنسيق مع التحالف الدولي، مثل العملية النوعية التي تمت خلال شهر ديسمبر بإنزال جوي داخل الأراضي السورية أسفرت عن اعتقال مطلوبين للقضاء العراقي، وقبل ذلك في سبتمبر الماضي بمقتل الإرهابي المعروف بـ"عبد الرحمن الحلبي"، داخل سوريا.

* تطوير تعاون ثنائي، بمقتضى التفاهمات السياسية بين البلدين بعد لقاء الرئيس السوري ورئيس الوزراء العراقي بالدوحة في أبريل 2025، والتأكيد حينها على "مواجهة داعش"، خاصة أن قائد العمليات المشتركة بالعراق، قيس المحمداوي، كشف في ديسمبر الماضي، عن وجود تنسيق ثنائي على مستوى القادة والضباط المرابطين بالحدود. لذلك يرجح الانتقال بالتعاون الأمني من مستوى التنسيق إلى "تشكيل لجان مشتركة لمكافحة الإرهاب"، وتنظيم دوريات مشتركة على الحدود في مراحل لاحقة.

خلاصة

على الرغم من إيحاء حملات المكافحة في سوريا والعراق بإمكانية تراجع الأعمال الإرهابية الكبرى نتيجة الضغط الأمني المتواصل مدعومًا من التحالف الدولي، فإن تحول تهديد داعش نحو التركيز على عمليات الإرهاب الفردي والهجين نتيجة تحول التنظيم إلى التدبير الشبكي اللامركزي، سيُبرر استمرار الهاجس الأمني بالبلدين، ويطرح تحديات جديدة على أجهزة مكافحة الإرهاب خاصة في سوريا المثقلة بترتيبات إعادة بناء الدولة؛ الشيء الذي يفرض على حكومتها الانتقالية الانفتاح على مكونات المجتمع السوري الطائفية والسياسية لتوحيد الجبهة الداخلية وتأمين شروط السلم في ربوع المنطقة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية