قصة الميلاد: رسالة أمل للمحتاجين والعاجزين

قصة الميلاد: رسالة أمل للمحتاجين والعاجزين

قصة الميلاد: رسالة أمل للمحتاجين والعاجزين


11/01/2026

ترجمة محمد الدخاخني

دأبت الكنائس الكاثوليكية على إقامة مشاهد ميلاد المسيح في الهواء الطلق خلال عيد الميلاد. ولتمثيل ميلاد يسوع تتضمَّن هذه المشاهد الطفل ومريم ويوسف، والرعاة وحيواناتهم و"المجوس القادمين من الشرق" الذين أتوا ليشهدوا الميلاد.

وعلى الرغم من ثراء القصة بالمعاني والرموز، فإنّ مشاهد الميلاد هذه غالباً ما تُجرَّد من معناها العميق، فتصبح سطحية ومبتذلة.

وكما هو الحال مع الترانيم الميلادية الهادئة التي باتت تُعرف بها هذه المناسبة، فإنّ صورة الميلاد التي تظهر هنا هادئة وساكنة ومشرقة. لا يوجد أيّ تلميح للاحتلال الروماني القمعي الذي أجبر مريم ويوسف على السفر عبر البلاد للتسجيل في تعداد سكاني جديد فرضته الإمبراطورية. ولا يوجد أيّ إدراك للمفارقات العديدة الكامنة في القصة: أنّ هذا الطفل اليهودي، الذي سيصبح مُخلِّصاً، يولد في مغارة محاطة بالحيوانات، أو أنّ أول من يأتي لتقديم التحية هم رعاة أغنام بسطاء ومسافرون غير يهود من بعيد.

في الواقع، هذه المفارقات المتنوعة، وغيرها ممّا يشبهها، هي التي تُحدد جوهر الرواية المسيحية الكتابية. إنّها، في الحقيقة، إيمانٌ معكوس. وكما قال يسوع نفسه، هو إيمانٌ يكون فيه الأوّل آخِراً والآخِر أوّلاً. إنّه ليس للأغنياء أو الراضين أو الأقوياء، بل هو مُوجَّهٌ أوّلاً للفقراء والجياع والمظلومين والمرفوضين.

انطلاقاً من هذا، من المثير للاهتمام أن نرى كيف انخرط بعض المسيحيين في السنوات الأخيرة في إعادة النظر في التحدي الكامن في إيمانهم. فقبل عامين فقط استبدل رجل دين فلسطيني في بيت لحم المذود في مشهد الميلاد بالأنقاض لتصوير ما كان يجري في غزة. وقد عَبَّر تصويره ليسوع بين الأنقاض ببراعة عن معاناة الشعب الفلسطيني: المستضعف والمجرد من إنسانيته والمُعرَّض للإهانات. وكأنّما لتعميق هذا التماهي ظهر البابا فرنسيس العام الماضي في صلاة هادئة أمام مشهد المهد، حيث كان الطفل يسوع ملفوفاً بكوفية فلسطينية.

وعلى المنوال نفسه، وجدت جماعة كاثوليكية في ماساتشوستس هذا العام - في ظل التهديدات التي يواجهها المهاجرون واللاجئون في الولايات المتحدة - معنى أعمق لقصة الميلاد. ففي مشهد المهد الذي أقاموه خارج كنيستهم، لم يظهر يسوع أو مريم أو يوسف، وبدلاً من ذلك وُضعت لافتة تشير إلى أنّ العائلة لجأت إلى الاختباء والبحث عن ملاذ آمن داخل الكنيسة خشية قيام إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (آيس) بإحدى مداهماتها.

وتُشير تقارير إلى جهود مماثلة بذلتها كنائس أخرى لتجسيد التحدي الذي يكتنف قصة الميلاد، حيث تبرز إشارات إلى إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية واحتجاز المهاجرين وسوء معاملة أطفال المهاجرين بشكل واضح في العديد من هذه العروض.

وفي حالة عرض ماساتشوستس انتقد قادة كاثوليك في الولاية الكنيسة المعنية، متهمين إيّاها بتسييس الموضوع. وقالوا إنّ مشهد المهد وُضع لتوفير فرص للتأمل الهادئ والصلاة، لا للسياسة المثيرة للانقسام. ما يغيب عن بال هؤلاء القادة الكنسيين، بالطبع، هو أنّهم إذا جردوا قصة الميلاد ـ ويمكن إضافة بقية الرواية الكتابية، فضلاً عن العهد الجديد والعديد من الوصايا الجذرية التي قدّمها يسوع لأتباعه ـ من جوهرها، فإنّهم بذلك يمارسون سياسةً تثير الانقسام. فعندما لا يربطون الميلاد بسياقه الواقعي، يكمن خطر أن تصبح "الصلاة التأملية" التي يدعو إليها هؤلاء القادة سطحيةً وخاليةً من المضمون.

في نهاية المطاف، كان لدى كُتَّاب القصص التوراتية مغزى يريدون إيصاله. لم يكونوا يرسمون صورة جميلة لتظهر يوماً ما بألوان زاهية على بطاقة معايدة. ثمة أسبابٌ وراء ولادة الطفل في كهف، واستقباله أوّلاً ليس من قِبل كبار الكهنة، بل من قِبل عامة الناس والأجانب. ولماذا اضطر يوسف ومريم، في مواجهة القمع، إلى أخذه والفرار إلى مصر. ولماذا، مع نموه، بذل قصارى جهده لتحدي التسلسل الهرمي الديني البالي والفاسد في عصره، مقدِّماً لأتباعه رسالةً مؤثرةً تدعو إلى خدمة المهمشين والضعفاء والمحتاجين؟

في مثل هذا الوقت من كل عام تمتلئ صناديق بريدنا ببطاقات المعايدة، ومعظمها مزين بألوان زاهية. وقبل نحو عقد من الزمان صُدمتُ عندما فتحتُ بطاقة من صديقٍ لي في لبنان، كانت تحمل صورة وجه صبي صغير، مُعذَّب ومُتسخ، يرتدي قميصاً ممزقاً وينظر من خلف سياج سلكي. كُتب على البطاقة: "تهانينا بالعيد". في البداية شعرتُ بالحيرة، لماذا هذه البطاقة، بهذه الرسالة المتناقضة؟ ولماذا الآن؟

بعد التفكير، أدركتُ أنّ محنة هذا اللاجئ السوري الشاب، الذي أُجبر على الفرار من وطنه، والمحاصر الآن في مخيم ويعيش في بؤس، هي الصورة الأمثل لنقل معنى قصة الميلاد وتحدياتها. لم تُكتب هذه القصة لتُريح الأغنياء والأقوياء، بل لتُعطي الأمل للمحتاجين والعاجزين، ولتُحفزنا جميعاً على إدراك ذلك.

المصدر: جيمس زغبي، ذي ناشيونال، 23 كانون الأول  ديسمبر 2025

https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2025/12/23/christmas-jesus-middle-east-us-refugees-poverty-palestine/

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية